إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > التربية > خطبة مكتوبة بعنوان: « إنما المؤمنون إخوة فأحبوا لهم ما تحبون لأنفسكم »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « إنما المؤمنون إخوة فأحبوا لهم ما تحبون لأنفسكم »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 28 أغسطس 2019
  • 20٬129
  • إدارة الموقع

إِنَّمَا الْمُؤمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَحِبُّوا لَهُمْ مَا تُحِبُّونَ لِأَنْفُسِكُمْ

الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ـــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْرَمَ الْمُؤْمِنِينَ بِأُخُوَّةِ الْإِيمَانِ، وَجَعَلَ مِيزَانَ تَفَاضُلِهِمْ تَحْقِيقَ تَقْوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَبْعُوثُ رَحْمَةً لِلإِنْسِ وَالْجَانِّ، فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْأَبْرَارِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ:

اتَّقُوا اللَّهَ فِي أَنْفُسِكُمْ بِأَنْ تُشْفِقُوا عَلَيْهَا وَتَرْحَمُوهَا وَلَا تَتَسَبَّبُوا بِتَوْرِيطِهَا وَإِهْلَاكِهَا وَظُلْمِهَا وَالْإِسَاءَةِ إِلَيْهَا، فَتُوقِعُوهَا فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهَا مِنَ التَّعَدِّي عَلَى أَنْفُسِ وَأَمْوَالِ وَأَعْرَاضِ إِخْوَانِكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ وَالْبُلْدَانِ وَالْأَجْنَاسِ وَالْأَلْوَانِ وَالْجِنْسِيَّاتِ الْأُخْرَى، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ زَاجِرًا لَكُمْ: (( لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ))، وَاعْلَمُوا: أَنَّ حُقُوقَهُمُ الَّتِي جَنَيْتُمْ عَلَيْهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَأَنْفُسَهُمُ الَّتِي تَعَدَّيْتُمْ عَلَيْهَا بِدُونِ وَجْهٍ مُعْتَبَرٍ دِينًا، وَأَعْرَاضَهُمُ الَّتِي نِلْتُمْ مِنْهَا بِغَيْرِ مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ صَحِيحٍ لَا يُسْقِطُهَا كَثْرَةُ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَلَا حُسْنُ التَّوْحِيدِ وَالْعَقِيدَةِ، وَلَا زِيَادَةُ الصَّدَقَةِ وَالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، وَلَا قِيَامُ اللَّيْلِ، وَصِيَامُ النَّهَارِ، وَلَا كَوْنُهَا حَصَلَتْ أَوْقَاتَ الشَّبَابِ وَالطَّيْشِ وَقَبْلَ التَّوْبَةِ وَالتَّدَيُّنِ، بَلْ لَا يُسْقِطُهَا إِلَّا عَفْوُهُمْ وَتَنَازُلُهُمْ وَمُسَامَحَتُهُمْ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ ))، وَاعْلَمُوا أَيْضًا: أَنَّهُ كُلَّمَا بَعُدَتْ دِيَارُهُمْ عَنْكُمْ أَوْ قَلَّتْ خُلْطَتُكُمْ لَهُمْ كُلَّمَا عَسُرَ عَلَيْكُمْ رَدُّ مَظَالِمِهِمْ، وَصَعُبَ طَلَبُ التَّحَلُّلِ مِنْهُمْ، وَتَعَذَّرَ كَسْبُ عَفْوِهِمْ وَمُسَامَحَتِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَعْفُوا عَنْكُمْ وَيُسَامِحُوكُمْ فَيَا لِخَسَارَةٍ شَدِيدَةٍ حَلَّتْ بِكُمْ، وَيَا لِبُؤْسٍ كَبِيرٍ لَحِقَكُمْ، وَيَا لِفَظَاعَةِ مَا وَصَلْتُمْ إِلَيْهِ مِنْ حَالٍ، إِذْ نِهَايَتُهُ الْقِصَاصُ يَوْمَ الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ، يَوْمَ يُقْتَصُّ حَتَّى لِلشَّاةِ مِنْ أُخْتِهَا ذَاتِ الْقُرُونِ الَّتِي نَطَحَتْهَا، إِذْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: (( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ )).

أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ:

اتَّقُوا اللَّهَ فِي إِخْوَانِكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ بِلَادِكُمْ وَلُغَتِكُمْ وَمَنْ لَيْسُوا مِنْهُمَا، وَفِي قَرَابَتِكُمْ وَقَبَائِلِكُمْ وَعَشَائِرِكُمْ وَأَصْحَابِكُمْ وَالْبَعِيدِينَ عَنْكُمْ نَسَبًا وَصُحْبَةً وَلُغَةً وَأَرْضًا، وَهَلْ أَنْتُمْ إِلَّا مِنْهُمْ وَهُمْ إِلَّا مِنْكُمْ شِئْتُمْ أَمْ أَبَيْتُمْ، قَضَى اللهُ وَحَكَمَ بِهَذَا فَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }، وَأَذَاعَ هَذَا الْحُكْمَ وَزَادَ فِي تَوْضِيحِهِ وَقَوَّاهُ وَبَيَّنَ أُسُسَهُ رَسُولُهُ إِلَيْكُمْ رَحْمَةً لَكُمْ وَلِلْعَالَمِينَ مَعَكُمْ، فَثَبَتَ أَنَّهُ خَطَبَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَجْمَعٍ عَظِيمٍ وَمَوْسِمٍ جَلِيلٍ وَوَقْتٍ شَرِيفٍ، فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ: أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ؟، قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟، قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟، قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟، قَالُوا بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ بَيْنَكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَبَلَّغْتُ؟، قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ )).

هَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ، وَهَذَا هُوَ الدِّينُ وَحُكْمُهُ، مَنْ قَبِلَهُ وَانْقَادَ لَهُ وَعَمِلَ بِهِ فَهُوَ السَّعِيدُ فِي قَلْبِهِ وَوَقْتِهِ وَسَفَرِهِ وَإِقَامَتِهِ، السَّعِيدُ فِي دُنْيَاهُ وَقَبْرِهِ وَآخِرَتِهِ، وَمَنْ هَجَرَهُ وَقَلَاهُ أَوْ ضَعُفَ فِي قَلْبِهِ وَقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ فَلَمْ يَظْلِمْ وَيُهِنْ وَيُزْرِ وَيُهْلِكْ غَيْرَ نَفْسِهِ، وَلَمْ يُسَوِّدْ إِلَّا صَحِيفَةَ عَمَلِهِ، وَسَيَكُونُ قَلْبُهُ فِي ضِيقٍ لَا رَاحَةَ، وَصَدْرُهُ فِي حَرَجٍ لَا انْشِرَاحَ، وَحَيَاتُهُ مُكَدَّرَةً لَا سَعِيدَةً، هَذَا هُوَ الْإِيمَانُ الَّذِي رَابِطَتُهُ أَقْوَى الرَّوَابِطِ بَيْنَكُمْ، وَآكَدُ الْأَوَاصِرِ الَّتِي تَجْمَعُكُمْ، وَأَشَدُّ عُرَى تَوَحُّدِكُمْ وَائْتِلَافِكُمْ، وَوَاللَّهِ مَا جَمَعَ النَّاسَ يَوْمًا قَوْمِيَّةٌ وَلَا لُغَةٌ وَلَا قَبِيلَةٌ وَلَا بَلَدٌ وَلَا لَوْنٌ وَلَا مَالٌ، إِنَّمَا جَمَعَهُمُ اللَّهُ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ عَلَى اخْتِلَافِ عِرْقِيَّاتِهِمْ وَلُغَاتِهِمْ وَبُلْدَانِهِمْ بِهَذَا الْإِيمَانِ وَهَذَا الدِّينِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ مُمْتَنًّا: { هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ }، وَبِهَذَا الْإِيمَانِ أُكْرِمْتُمْ بَعْدَ الذِّلَّةِ، وَاجْتَمَعْتُمْ بَعْدَ الْفُرْقَةِ، وَقَوِيتُمْ بَعْدَ الضَّعْفِ، وَأَمِنْتُمْ بَعْدَ الْخَوْفِ، وَشَبِعْتُمْ بَعْدَ الْجُوعِ، وَبِهِ تَتَرَقَّوْنَ فِي مَنَازِلِ التَّنْعِيمِ وَالنَّعِيمِ، وَبِهِ تَتَفَاضَلُونَ عِنْدَ رَبِّكُمْ، وَبِهِ تَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُكُمْ فِي الْآخِرَةِ، فَكُونُوا كَمَا أَرَادَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لَكُمْ وَلَا تَكُونُوا كَمَا أَرَادَ أَهْلُ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ لَكُمْ، كُونُوا عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي وَصَفَ نَبِيُّكُمْ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ))، وَلْنَبْدَأْ ــ أَيُّهَا النَّاسُ ــ فِي هَذَا الطَّرِيقِ بِإِصْلَاحِ أَنْفُسِنَا أَوَّلًا، وَغَرْسِ هَذِهِ الْمَبَادِئِ الطَّيِّبَةِ فِي أَهْلِينَا وَمَنْ حَوْلَنَا وَمَنْ تَحْتَ أَيْدِينَا وَتَعْلِيمِنَا، فَالنَّفْسُ هِيَ رَأْسُ الْمَالِ، وَهِيَ أَهَمُّ، وَبَاقِي النَّاسِ رِبْحٌ، وَالْبَعْضُ فِي بَابِ الصَّلَاحِ وَالْإِصْلَاحِ لَا يَنْظُرُ إِلَّا إِلَى الْعُلَمَاءِ وَالدُّعَاةِ، أَوْ إِلَى الْحُكَّامِ وَذَوِي السُّلْطَةِ، أَوْ إِلَى الْمُعَلِّمِينَ أَوْ إِلَى التُّجَّارِ، وَأَمَّا نَفْسُهُ وَأَهْلُهُ فَالْعِنَانُ لَهُمْ مُطْلَقٌ مُرْسَلٌ، يَفْعَلُونَ مَا أَرَادُوا، وَكَيْفَ شَاءُوا، وَمَتَى اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ.

اللَّهُمَّ: اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا يَا سَمِيعَ الدُّعَاءِ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَغِيبُ عَنْهُ عَقْدُ قَلْبٍ وَنُطْقُ لِسَانٍ وَعَمَلُ يَدٍ أَوْ قَدَمٍ، وَصَلَّى وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً وَهُدًى، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا أَيُّهَا الْخَائِفُونَ مِنَ اللَّهِ الْقَوِيِّ الْعَزِيزِ:

حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَأَحْسِنُوا إِلَيْهَا قَبْلَ أَنْ تَتَحَسَّرُوا، وَصُونُوهَا عَنِ الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ الْقَوْلِيِّ وَالْفِعْلِيِّ عَلَى الْآخَرِينَ لِئَلَّا تُهَانُوا يَوْمَ الْحَشْرِ وَتَنْدَمُوا، وَأَبْعِدُوهَا عَنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ لِئِلَّا تُخْزَى وَتُعَذَّبَ يَوْمَ التَّنَادِ، فَإِنَّ الْمُحَاسَبَةَ مُنْجِيَةٌ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَزَالُ بِخَيْرٍ مَا كَانَ لَهُ وَاعِظٌ مِنْ نَفْسِهِ، وَكَانَتِ الْمُحَاسَبَةُ مِنْ هِمَّتِهِ، وَقَدْ قَالَ رَبُّكُمْ سُبْحَانَهُ آمِرًا لَكُمْ بِهَذَا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ }، لِتَنْظُرْ كُلُّ نَفْسٍ حَالَهَا مَعَ إِخْوَانِهَا الْمُسْلِمِينَ فِي أَقْوَالِهَا وَأَفْعَالِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِدَاخِلَةِ قُلُوبِهَا، أَهِيَ سَائِرَةٌ مَعَهُمْ بِمُقْتَضَى الدِّينِ وَالْإِيمَانِ، بِمُقْتَضَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحِ: (( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحِ: (( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ))، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحِ: (( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ))، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحِ: (( فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ )).

فَيَا تُرَى: أَنَحْنُ دَاخِلُونَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، وَمِنْ أَهْلِ الْعَمَلِ بِهَا، أَمْ بَعِيدُونَ عَنْهَا أَوْ غَافِلُونَ سَاهُونَ؟ أَعَمِلْنَا مَعَ بَعْضِنَا بِمُقْتَضَى الْإِيمَانِ وَالْأُخُوَّةِ فِيهِ؟ أَنُعَامِلُ وَنَتَعَامَلُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَرْضَى وَعُمَّالٍ وَجِيرَانٍ وَمَارَّةٍ وَمَسْئُولِينَ وَمُسِنِّينَ وَمُسْتَضْعَفِينَ وَأُجَرَاءَ وَمُسَاهِمِينَ وَمُشْتَرِينَ كَمَا نُحِبُّ أَنْ يُعَامِلُونَا وَيَتَعَامَلُوا بِهِ مَعَنَا؟ هَلِ الْبَائِعُ مِنَّا إِذَا جَاءَهُ مُشْتَرٍ عَامَلَهُ بِمَا يُحِبُّ أَنْ يُعَامَلَ بِهِ، فَنَصَحَ لَهُ فِيمَا يَشْتَرِيهِ مِنْهُ وَلَمْ يَغْبِنْهُ فِي السِّعْرِ أَمْ أَنَّهُ يُدَلِّسُ عَلَيْهِ فِي الصِّنَاعَةِ وَيَكْذِبُ فِي الْوَصْفِ وَالْمَدْحِ وَيَنْظُرُ فِي الرِّبْحِ لَا فِي الْآخِرَةِ؟ هَلِ الطَّبِيبُ مِنَّا إِذَا جَاءَهُ مَرِيضٌ مُتَأَلِّمٌ نَظَرَ إِلَيْهِ بِالْمَصْلَحَةِ كَنَفْسِهِ أَوْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهِ عِنْدَ النَّظَرِ إِلَى الْعَوْرَاتِ وَفِي الْفُحُوصَاتِ وَالتَّحَالِيلِ وَالْأَشِعَّةِ وَالْأَدْوِيَةِ وَفِي الْحِرْصِ عَلَى الصِّحَّةِ أَمْ أَنَّهُ يُرَاعِي عِيَادَتَهُ أَوِ الْمَشْفَى الَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ أَوِ الشَّرِكَةَ الدَّوَائِيَّةَ الَّتِي يَكْتُبُ دَوَاءَهَا؟ هَلْ صَاحِبُ الْحِرْفَةِ وَالصَّنْعَةِ مِنَّا إِذَا جَاءَهُ مَنْ يُرِيدُ إِصْلَاحَ شَيْءٍ فِي بَيْتِهِ أَوْ مَرْكَبَتِهِ أَوْ جِهَازِهِ عَامَلَهُ بِمَا يُحِبُّ أَنْ يُعَامَلَ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْإِتْقَانِ وَقِطَعِ الْغِيَارِ وَالسِّعْرِ أَمْ أَنَّهُ يَجْمَعُ لَهُ بَيْنَ الْغَبْنِ فِي السِّعْرِ وَالْغِشِّ فِي الْقِطَعِ وَالرَّدَاءَةِ فِي الْعَمَلِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الْمَوْعِدِ؟ هَلِ الْمُزَارِعُ مِنَّا يَنْظُرُ لِآخِرَتِهِ حِينَ يَرُشُّ الْمُبِيدَاتِ الْحَشَرِيَّةَ وَيَضَعُ الْأَسْمِدَةَ الْكِيمَاوِيَّةَ فَيَتَقَيَّدُ بِالْأَوْقَاتِ وَيَمْشِي عَلَى التَّعْلِيمَاتِ الصِّحِيَّةِ فِي النَّوْعِ وَالْكَمِّيَّةِ وَالْوَقْتِ لِئَلَّا يَتَسَبَّبَ فِي دُخُولِ أَمْرَاضٍ مُفْسِدَةٍ لِصِحَّةِ النَّاسِ أَوْ قَاتِلَةٍ أَمْ أَنَّ هَمَّهُ زِيَادَةُ الْإِنْتَاجِ وَكَثْرَةُ الرِّبْحِ وَسُرْعَةُ الْقَطْفِ وَالْجَنْيِ؟ هَلِ الْعَامِلُ مِنَّا فِي أَيِّ قِطَاعٍ خَدَمِيٍّ إِذَا جَاءَ النَّاسُ إِلَيْهِ أَوِ اتَّصَلُوا بِهِ لِمُرَاجَعَةٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ رَاقَبَ اللَّهَ فِيهِمْ، فَرَاقَبَهُ مِنْ جِهَةِ حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ وَطِيبِ الْوَجْهِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ دُونَ نَظَرٍ إِلَى لَوْنٍ أَوْ جِنْسٍ أَوْ مَنْزِلَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ جِنْسِيَّةٍ، وَرَاقَبَهُ مِنْ جِهَةِ حُسْنِ الْقِيَامِ بِمَا أُسْنِدَ إِلَيْهِ مِنْ عَمَلٍ فِي الْكَمِّ وَالْكَيْفِ وَالْوَقْتِ، وَرَاقَبَهُ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ بِظُلْمِ وَمُمَاطَلَةِ أَحَدٍ أَوْ تَأْخِيرِهِ أَوْ أَخْذِ رَشْوَةٍ أَوْ تَقْصِيرٍ فِي عَمَلٍ وَمَوَاعِيدَ أَوْ تَلَاعُبٍ فِي وَقْتٍ أَوْ أَوْرَاقٍ أَوْ إِخْلَالٍ بِأَمَانَةٍ أَوْ تَضْيِيعٍ لِمُعَامَلَةٍ أَوْ إِخْفَاءٍ لِحَقِيقَةٍ وَحَقٍّ قَدْ ثَبَتَ؟

أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ:

إِذَا كَانَ الْمُسْلِمُ يُعَامِلُ إِخْوَانَهُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيِّ بَلَدٍ أَوْ جِنْسٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ عَشِيرَةٍ وِفْقَ الْإِيمَانِ وَأُخُوَّتِهِ: فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَغُشَّهُمْ أَوْ يَخُونَهُمْ أَوْ يَكْذِبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهِمْ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُحِبُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلِأنَّ إِيمَانَهُ يَدْفَعُهُ إِلَى مَحَبَّةِ أَنْ يُشْرِكَهُ الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ فِيمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْخَيْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا يُحِبُّ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ إِذَا سَلِمَ قَلْبُهُ مِنَ الْحَسَدِ وَالْغِلِّ وَالْغِشِّ وَالْحِقْدِ وَالْمَكْرِ وَالْكُرْهِ وَالْبُغْضِ.

اللَّهُمَّ: طَهِّرْنَا مِنَ الْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ وَالْبَغْيِ وَالْفُجُورِ، اللَّهُمَّ: اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَرْحَمُ الْمُسْلِمِينَ فَتَرْحَمَهُ، وَمِمَّنْ يَرْفُقُ بِالْمُسْلِمِينَ فَتَرْفُقَ بِهِ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ يَشُقُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَتَشُقَّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ: مَنْ ظَلَمْنَاهُ أَوْ أَسَأْنَا إِلَيْهِ أَوْ أَحْزَنَّاهُ فَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ، وَارْحَمْنَا وَارْحَمْهُ، وَسَامِحْنَا وَسَامِحْهُ، وَأَكْثِرْ أُجُورَنَا وَأَجْرَهُ، وَاجْعَلْنَا وَإِيَّاهُ مِمَّنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، اللَّهُمَّ: ارْزُقْنَا عَفْوَهُ وَتَحْلِيلَهُ وَمُسَامَحَتَهُ قَبْلَ أَنْ تَذْهَبَ آجَالُنَا، وَتَحِلَّ عَلَيْنَا سَاعَةُ الْقِصَاصِ وَالنَّدَمِ، إِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ رَاحِمٌ غَفُورٌ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.