إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > خطبة مكتوبة بعنوان: « مقاصد النكاح وشيء من أحكامه وبعض أحكام الخطبة »، ملف: [ word – pdf ].

خطبة مكتوبة بعنوان: « مقاصد النكاح وشيء من أحكامه وبعض أحكام الخطبة »، ملف: [ word – pdf ].

  • 28 نوفمبر 2019
  • 5٬022
  • إدارة الموقع

مَقَاصِدُ النِّكَاحِ وَشَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِهِ وَبَعْضِ أَحْكَامِ الْخِطْبَةِ

الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ـــــــــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَبَّبَ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ، وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرَّهَ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْأَمِينُ، فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ صَلَاةً تَعُمُّ آلَهُ وَصَحْبَهُ وَأَشْيَاعَهُ وَسَلَّمَ.

أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

فَإِنَّ النِّكَاحَ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ: «تَعَاقُدٌ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ يُقْصَدُ بِهِ اسْتِمْتَاعُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ، وَتَكْوِينُ أُسْرَةٍ صَالِحَةٍ، وَمُجْتَمَعٍ سَلِيمٍ»، وَمِنْ حِكَمِ الزَّوَاجِ الْعَالِيَةِ، وَغَايَاتِهِ النَّبِيلَةِ، وَمَقَاصِدِهِ الْجَلِيلَةِ هَذِهِ الْخَمْسُ:

الْأُولَى: حِفْظُ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ وَصِيَانَتُهُ عَنِ الْحَرَامِ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ: مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ )).

الثَّانِيَةُ: حِفْظُ الْمُجْتَمَعِ مِنَ الشُّرُورِ وَالْفَوَاحِشِ وَتَحَلُّلِ الْأَخْلَاقِ، إِذْ لَوْلَا النِّكَاحُ لَانْتَشَرَتِ الرَّذَائِلُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَلَزَادَ عَدُ أَوْلَادِ الزِّنَا، وَكَثُرَ مَنْ لَا أَهْلَ لَهُ، وَضَاعُوا وَتَشَرَّدُوا، وَاسْتُغِلُّوا فِي الْفَسَادِ وَالْإِجْرَامِ.

الثَّالِثَةُ: اسْتِمْتَاعَ الزَّوْجَيْنِ بِبَعْضٍ بِمَا يَجِبُ لَهُمَا مِنْ حُقُوقٍ وَعِشْرَةٍ، فَالرَّجُلُ يَكْفُلُ الْمَرْأَةَ وَيَقُومُ بِنَفَقَاتِهَا بِالْمَعْرُوفِ، إِذْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ: رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ))، وَالْمَرْأَةُ تَكْفُلُ الرَّجُلَ بِالْقِيَامِ بِمَا يَلْزَمُهَا فِي الْبَيْتِ مِنْ رِعَايَةٍ وَإِصْلَاحٍ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحِ: (( الْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا )).

الرَّابِعَةُ: إِحْكَامَ الصِّلَةِ بَيْنَ الْأُسَرِ وَالْقَبَائِلِ، فَتَتَعاضَدُ بِالزَّوَاجِ وَلَا تَتَفَرَّقُ وَلَا تَتَبَاغَضُ وَلَا تَتَنَاحَرُ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الصِّهْرَ قَسِيمًا لِلنَّسَبِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ مُمْتَنًّا: { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا }.

الْخَامِسَةُ: بَقَاءَ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ عَلَى وَجْهٍ سَلِيمٍ، لِأَنَّ: النِّكَاحَ سَبٌ لِلنَّسْلِ الَّذِي بِهِ بَقَاءُ الْإِنْسَانِ، إِذْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً }، وَلَوْلَا النِّكَاحُ لَلَزِمَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا فَنَاءُ الْإِنْسَانِ، أَوْ وُجُودُ إِنْسَانٍ نَاشِئٍ مِنْ سِفَاحٍ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ، وَلَا يَقُومُ عَلَى أَخْلَاقٍ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

إِنَّ الثَّيِّبَ أَوِ الْأَيِّمَ هِيَ: «الْمَرْأَةُ الَّتِي سَبَقَ لَهَا أَنْ تَزَوَّجَتْ»، وَهَذِهِ إِذَا خُطِبَتْ فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْتَأْمِرَهَا وَلِيُّهَا وَيَنْظُرُ أَتَرْضَى أَمْ لَا؟ وَتُعْرِبُ عَنْ رِضَاهَا بِالنِّكَاحِ بِلِسَانِهَا، لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ عَنْهَا حَيَاءُ الْبِكْرِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ ))، وَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا لَا لِأَبٍ وَلَا غَيْرِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَمِثْلُهَا: الثَّيِّبُ مِنَ الزِّنَى لَا بُدَّ أَنْ تُعْرِبَ عَنْ رِضَاهَا بِلِسَانِهَا، وَأَمَّا الْبِكْرُ فَهِيَ: «الْمَرْأَةُ الَّتِي لَمْ تُوطَأْ بَعْدُ»، وَهَذِهِ إِذَا خُطِبَتْ فَإِنَّهَا تُسْتَأْذَنُ، وَيَكْفِي فِي إِذْنِهَا سُكُوتُهَا عِنْدَ إِخْبَارِهَا بِخِطْبَتِهَا، وَأَخْذِ مُوَافَقَتِهَا، فَإِنْ نَطَقَتْ بِلِسَانِهَا كَانَ أَقْوَى فِي رِضَاهَا، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، قَالُوا: وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ ))، وَمَنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِوَثْبَةٍ أَوْ إِصْبَعٍ وَنَحْوِ هَذَا وَلَيْسَ بِجِمَاعٍ: فَإِنَّهَا تُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْبِكْرِ فِي الْإِذْنِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ: فَلِعِظَمِ شَفَقَةِ الْأَبِ جَازَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا دُونَ أَنْ يُشَاوِرَهَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ــ الصَّحِيحِ: (( تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسِتِّ سِنِينَ )).

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

لَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ: أَنْ يَتَقَدَّمَ لِخِطْبَةِ امْرَأَةٍ وَهِيَ لَا تَزَالُ فِي عِدَّتِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ عِدَّةَ وَفَاةٍ أَوْ عِدَّةَ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ أَوْ عِدَّةَ طَلَاقٍ بَائِنٍ بِالثَّلَاثِ أَوْ بِغَيْرِ الثَّلَاثِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يَحِلُّ أَيْضًا لِلرَّجُلِ: أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ إِذَا أُجِيبَ إِلَى النِّكَاحِ وَرَكَنُوا إِلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَلِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ ))، وَمَنْ تَجَرَّأَ فَخَطَبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَوَافَقَتِ الْمَرْأَةُ وَأَهْلُهَا عَلَيْهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نِكَاحِهِمَا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ بَاطِلٌ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ صَحِيحٌ وَلَكِنْ مَعَ الْإِثْمِ، وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ: أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ عَلَى خِطْبَةِ الرَّجُلِ الْكَافِرِ.

وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً: فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، لِمَا صَحَّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ: أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟، قَالَ: لَا، قَالَ: فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا ))، وَهَذَا النَّظَرُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ: مُبَاحٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا سُنَّةٍ، لِأُمُورٍ مِنْهَا: قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا لِخِطْبَةٍ ))، وَصَحَّحَهُ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ وَغَيرَهُ، إِذْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ ))، مِنْ صِيَغِ الْإِبَاحَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ.

وَإِنْ نَظَرَ الْخَاطِبُ إِلَى الْمَخْطُوبَةِ: بِدُونِ عِلْمِهَا وَعِلْمِ أَهْلِهَا كَفَى، وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَوْ عَامَّتِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ لِلْخَاطِبِ: أَنْ يَخْلُوَ بِالْمَخْطُوبَةِ لَا حِينَ النَّظْرَةِ وَلَا فِي زَمَنِ الْخِطْبَةِ، لِأَنَّهُ: لَا يَزَالُ أَجْنَبِيًّا عَنْهَا، وَقَدْ يَتْرُكُهَا فِي أَيِّ لَحْظَةٍ وَدُونَ أَيِّ تَبِعَةٍ تَلْحَقُهُ، وَلِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِالْمَرْأَةِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا ))، وَهُوَ نَصٌّ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَجَمِيعِ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْخَاطِبُ، وَوَقْتُ الْخِطْبَةِ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى: أَنَّ الْمَخْطُوبَةَ تَأْخُذُ حُكْمَ الْخَاطِبِ فِي إِبَاحَةِ النَّظَرِ، فَيَجُوزُ لَهَا طَلَبُ رُؤْيَةِ الْخَاطِبِ وَالنَّظَرُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهَا: مِثْلُهُ تَكْرَهُ وَتُحِبُّ بَعْضَ الصِّفَاتِ الْخِلْقِيَّةِ، وَلَا يَحِلُّ لِلْخَاطِبِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ: أَنْ يَنْظُرَ مِنْ مَخْطُوبَتِهِ إِلَّا إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَقَطْ، وَلَا يَجُوزُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَرْأَةِ أَنْ يُمَكِّنُوهُ مِنْ النَّظَرِ إِلَى غَيْرِهِمَا، لِأَنَّهَا: لَا تَزَالُ أَجْنَبِيَّةً عَنْهُ، وَلَمْ يُبَحْ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا إِلَّا لِحَاجَةِ الزَّوَاجِ، وَهِيَ تَنْدَفِعُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَيَبْقَى مَا عَدَاهُمَا عَلَى التَّحْرِيمِ، إِذْ يُسْتَدَلُّ بِالْوَجْهِ عَلَى الْجَمَالِ، لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْمَحَاسِنِ، وَبِالْكَفَّيْنِ عَلَى خُصُوبَةِ الْبَدَنِ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: إِلَى جَوَازِ تَكْرَارِ نَظَرِ الْخَاطِبِ إِلَى مَخْطُوبَتِهِ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ مُرَادُهُ مِنَ النَّظَرِ، وَأَمَّا إِذَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّكْرَارُ، لِأَنَّهَا: لَا تَزَالُ أَجْنَبِيَّةً عَنْهُ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ الْأُولَى لَكَ وَالْآخِرَةَ عَلَيْكَ ))، وَإِنْ تَجَمَّلَتِ الْمَرْأَةُ وَقْتَ نَظَرِ الْخِطْبَةِ: بِشَيْءٍ خَفِيفٍ لَا يُغَيِّرُ مَلَامِحَ وَجْهِهَا فَلَا بَأْسَ عِنْدَ عَدِيدٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ التَّجَمُّلُ يُغَيِّرُ صُورَتَهَا، وَيُذْهِبُ جَمَالَهَا الطَّبِيعِيَّ، فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ: غِشٌّ وَتَدْلِيسٌ وَتَغْرِيرٌ بِالْخَاطِبِ، إِذْ يَرَاهَا بَعْدَ الزَّوَاجِ عَلَى غَيْرِ الصُّورَةِ وَالْجَمَالِ الَّذِي رَآهَا بِهِ وَقْتَ الْخِطْبَةِ.

اللَّهُمَّ: اغْفِرْ لَنَا، وَلِأَهْلِينَا، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ـــــــــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى جَمِيعٍ النَّبِيينَ.

أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى بِلُزُومِ شَرْعِهِ، وَالْفِقْهِ فِي دِينِهِ، وَفِعْلِ أَسْبَابِ مَرْضَاتِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ: نِكَاحُ امْرَأَةٍ إِلَّا بِوَلِيٍّ يَأْذَنُ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ ))، وَفِي حَدِيثٍ صَحَّحَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ))، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ }، فَدَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ، لِأَنَّ اللهَ نَهَى الْأَوْلِيَاءَ فِيهَا عَنِ الْعَضْلِ، وَلَا يَنْهَاهُمْ إِلَّا عَنْ أَمْرٍ لَهُمْ حَقٌّ فِيهِ وَتَحْتَ تَدْبِيرِهِمْ، وَبِهَذَا: يَتَبَيَّنُ أَنَّ النِّكَاحَ الْعُرْفِيِّ نِكَاحٌ بَاطِلٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، لِعَدَمِ وُجُودِ وَلِيِّ الْمَرْأَةِ فِيهِ.

وَيُشْتَرَطُ فِي الْوَلِيِّ: أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُزَوِّجَ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا أَوْ تُزَوِّجَ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: (( لَا تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، فَإِنَّ الْبَغِيَّ إِنَّمَا تُنْكِحُ نَفْسَهَا ))، وَيُشْتَرَطُ فِي الْوَلِيِّ أَيضًا: أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا رَشِيدًا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( لَا نِكَاحَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ أَوْ وَلِيٍّ مُرْشِدٍ ))، وَيُشْتَرَطُ فِي الْوَلِيِّ أَيضًا: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَكُونُ وَلِيًّا لِابْنَتِهِ الْمُسْلِمَةِ»، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُوجَدْ لِلْمَرْأَةِ وَلِيٌّ مُسْلِمٌ: فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ تَعِيشُ فِي بِلَادِ إِسْلَامٍ فَالسُّلْطَانُ أَوْ مَنْ يُنِيبُ مِنْ قُضَاةٍ وَنَحْوِهِمْ يُزَوِّجُونَهَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ ))، وَإِنْ كَانَتْ تَعِيشُ فِي بِلَادِ كُفْرٍ فَإِنَّهَا تَخْتَارُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَكُونُ وَلِيًّا لَهَا حِينَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَالْأَفْضَلُ أَنْ تَخْتَارَ مَنْ لَهُ شُهْرَةٌ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُ أَدْعَى لِتَوْثِيقِ زَوَاجِهَا وَاشْتِهَارِهِ كَإِمَامِ مَسْجِدٍ أَوْ شَيْخٍ أَوْ رَئِيسِ مَرْكَزٍ إِسْلَامِيٍّ.

وَالْأَحَقُّ بِوِلَايَةِ زَوَاجِ الْمَرْأَةِ: الْأَبُ، ثُمَّ الْجَدُّ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَإِنْ عَلَا، ثُمَّ الِابْنُ، ثُمَّ ابْنُ الِابْنِ، ثُمَّ الْأَخُ الشَّقِيقُ، ثُمَّ الْأَخُ لِأَبٍ، ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ الشَّقِيقِ، ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِأَبٍ، ثُمَّ الْعَمُّ الشَّقِيقُ، ثُمَّ الْعَمُّ لِأَبٍ، ثُمَّ ابْنُ الْعَمِّ الشَّقِيقِ، ثُمَّ ابْنُ الْعَمِّ لِأَبٍ، وَلَيْسَ الْخَالُ أَوِ الْأَخُ لِأُمٍّ أَوِ ابْنُ الْبِنْتِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَرْأَةِ فِي زَوَاجِهَا، وَلَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ الْأَبْعَدِ أَنْ يُزَوِّجَ الْمَرْأَةَ مَعَ وُجُودِ وَلِيٍّ أَقْرَبَ مِنْهُ، إِلَّا إِذَا أَذِنَ لَهُ، فَإِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، وَإِذَا عَضَلَ الْوَلِيُّ الْأَقْرَبُ الْمَرْأَةَ وَامْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِهَا بِالْكُفْءِ: زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ الَّذِي بَعْدَهُ فِي الْمَرْتَبَةِ أَوِ الْحَاكِمُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ الْأَقْرَبُ فِي غَيْبَةٍ مُنْقَطِعَةٍ لَا يُعْلَمُ عَنْ حَالِهِ وَلَا يُسْتَطَاعُ الْوُصُولُ إِلَيْهِ جَازَ لِلْوَلِيِّ الَّذِي بَعْدَهُ فِي الْمَرْتَبَةِ أَنْ يُزَوِّجَ الْمَرْأَةَ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَأَجَازَ الْفُقَهَاءُ: لِلْوَلِيِّ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فِي عَقْدِ زَوَاجِ ابْنَتِهِ أَوْ أُخْتِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَيَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْعَقْدِ، وَقَالَ الْقَاضِي الْبَلُّوطِيُّ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْمُوَكَّلَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فِي التَّزْوِيجِ».

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

لَا يَصِحُّ زَوَاجُ امْرَأَةٍ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، لِمَا ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ــ أَنَّهُمْ قَالُوا: (( لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ ))، وَقَالَ الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، قَالُوا: لَا نِكَاحَ إِلَّا بِشُهُودٍ، لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ مَنْ مَضَى مِنْهُمْ».

وَالنِّكَاحُ مِنْ غَيْرِ شُهُودٍ: فِعْلُ الْبَغَايَا، إِذْ ثَبَتَ أَنَّ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (( إِنَّ الْبَغَايَا اللَّاتِي يُنْكِحْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ))، يَعْنِي: بِغَيْرِ شُهُودٍ، وَيُشْتَرَطُ فِي الشَّاهِدَيْنِ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ: أَنْ يَكُونَا مِنَ الذُّكُورِ، وَلَا تَصِحُّ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ، وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

جَعَلَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ: مِمَّنْ إِذَا ذُكِّرَ ادَّكَرَ، وَإِذَا وُعِظَ اعْتَبَرَ، وَإِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا أَذْنَبَ اسْتَغْفَرَ، اللَّهُمَّ: إِنَّا نَسْأَلُكَ عِيشَةً تَقِيَّةً، وَمِيتَةً سَوِيَّةً، وَمَرَدًّا غَيْرَ مُخْزٍ، رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ