الْأَوْبِئِةُ وَالطَّوَاعِينُ بَيْنَ الِابْتِلَاءِ وَالْعُقُوبَةِ مَعَ الصَّبْرِ وَاتِّخَاذِ أَسْبَابِ الْعَافِيَةِ
الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ــــــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ فَقَدَّرَ، فَكُلُّ عَبْدٍ إِلَى مَا قَدَّرَهُ عَلَيْهِ صَائِرٌ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، حَذَّرَ أُمَّتَهُ عُقُوبَاتِ الذُّنُوبِ، وَبَيَّنَ أُجُورَ احْتِسَابِ الْبَلَاءِ، فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
فَلَقَدْ أَقْسَمَ اللهُ رَبُّكُمْ عَلَى أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ بِبَعْضِ الْمَصَائِبِ لَا كُلِّهَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ }، وَوَعَدَ بَعْدَ إِقْسَامِهِ بِهَذَا مَنْ صَبَرَ عَلَى مَا ابْتُلِيَ بِهِ وَاحْتَسَبَ أَجْرَ مُصَابِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: { وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ }، وَبَيَّنَ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ كَبِيرَ أَجْرِ الصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ، رِضًا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، وَاحْتِسَابًا لِأَجْرِهِ، فَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا سَقَمٍ وَلَا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ ))، وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ إِلَّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا ))، وَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ أَوْ الْمُؤْمِنَةِ فِي جَسَدِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ ))، وَإِذَا عَلِمَ الْمُؤْمِنُ أَنَّ مَا يُصِيبَهُ مِنَ الْبَلَاءِ سَيُكَفَّرُ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ كَثِيرًا، وَتَزْدَادُ بِهِ حَسَنَاتُهُ شَدِيدًا، فَرِحَ وَاسْتَبْشَرَ وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ وَارْتَاحَتْ نَفْسُهُ وَدَخَلَهُ الْأُنْسُ وَزَالَ هَمُّهُ أَوْ خَفَّ، بَلْ قَدْ يَتَلَذَّذُ بِمُصَابِهِ وَيَجِدُ حَلَاوَةً فِي بَلَائِهِ لِزِيَادَةِ قُرْبِهِ حِينَهَا مِنْ رَبِّهِ وَشَدِيدِ لُجُوئِهِ إِلَيْهِ وَعَظِيمِ دُعَائِهِ وَمُنَاجَاتِهِ لَهُ وَكَثِيرِ اسْتِغْفَارِهِ وَتَوْبَتِهِ وَإِنَابَتِهِ وَتَضَرُّعِهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ الذُّنُوبَ وَالْآثَامَ وَالْفَوَاحِشَ وَالْمُنْكَرَاتِ وَالظُّلْمَ وَالْعُدْوَانَ وَالْبَغْيَ وَالْفِسْقَ وَالْفُجُورَ وَالْمُجَاهَرَةَ بِهَا لَتُؤَثِّرُ عَلَى الْعِبَادِ، وَعَلَى بِلَادِهِمْ، فَتَتَسَبَّبُ لَهُمْ بِعُقُوبَاتٍ شَتَّى، وَآلَامٍ تَزْدَادُ وَتَتَابَعُ، تَارَةً تَتَعَلَّقُ بِالْأَمْنِ وَالْخَوْفِ وَالْحَرْبِ وَالِاقْتِتَالِ، وَتَارَةً تَتَعَلَّقُ بِالِاقْتِصَادِ وَزِيَادَةِ الْفَقْرِ وَالْجُوعِ وَالْبَطَالَةِ، وَتَارَةً تَتَعَلَّقُ بِالصِّحَّةِ وَالْأَمْرَاضِ الْمُتَنَوِّعَةِ وَالْأَوْبِئَةِ الْمُعْدِيَةِ، وَتَارَةً تَتَعَلَّقُ بِالْفُرْقَةِ وَالتَّنَازُعِ وَالتَّنَاحُرِ بَيْنَ أَهْلِ الْبَلَدِ الْوَاحِدِ وَانْقِسَامِهِمْ إِلَى أَحْزَابٍ وَجَمَاعَاتٍ، وَلَقَدْ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ فِي تَقْرِيرِ هَذَا وَتَأْكِيدِهِ: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }، وَقَالَ تَعَالَى: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ }، وَثَبَتَ: (( أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ابْتُلِيَ فِي جَسَدِهِ فَقَالَ: مَا أُرَاهُ إِلَّا بِذَنْبٍ وَمَا يَعْفُو اللَّهُ أَكْثَرُ، وَتَلَا: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } ))، وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ صَحَّحَهُ جَمْعٌ مِنَ الُعُلَمَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا ))، وَجَاءَ بِسَنَدٍ صَحَّحَهُ عَدَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ــ أَنَّهُ قَالَ: (( وَلَا فَشَتِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ إِلَّا أَخَذَهُمُ اللَّهُ بِالْمَوْتِ ))، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي “صَحِيحِهِ” أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ عَنْ وَبَاءِ الطَّاعُونِ الْمُعْدِي: (( أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ )).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
لَقَدْ دَهَمَ غَالِبَ الْبُلْدَانِ مَرَضٌ وَوَبَاءٌ سَمَّوْهُ طِبِّيًّا: “بِكُورُونَا”، أُصِيبَتْ بِهِ أَعْدَادٌ عَفِيرَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَمَاتَ بِسَبِهِ خَلْقٌ كَثِيرُونَ، وَلَا زَالَ يَتَوَسَّعُ فِي الْبُلْدَانِ أَكْثَرَ حَتَّى أَصَابَ النَّاسَ مِنْهُ هَلَعٌ شَدِيدٌ، وَحَصَلَ لَهُمْ بِهِ فَزَعٌ عَرِيضٌ، وَانْتَشَرَ لِأَجْلِهِ خَوْفٌ كَبِيرٌ، وَزَادَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُكْتَشَفْ لَهُ بَعْدُ عِلَاجٌ، وَأَنَّ أَعْرَاضَهُ تَتَشَابَهُ مَعَ أَمْرَاضٍ أُخْرَى مَشْهُورَةٍ، بِحَيْثُ يَصْعُبُ تَمْيِيزُ أَهْلِهِ وَالْحَامِلِينَ بِفَيْرُوسَاتِهِ، إِلَّا أَنَّ حَالَ الْمُؤْمِنِ الْحَقِّ مَعَ هَذَا الْوَبَاءِ يَخْتَلِفُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ، إِذْ هُوَ يُؤْمِنُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَحْصُلُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ بِقَدَرٍ، وَأَنَّ مَا قَضَاهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَقَدَّرَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ فَهُوَ صَائِرٌ لَا مَحَالَةَ وَلَوِ احْتَمَى بِمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، وَأَنَّ مَا قَدَّرَ اللهُ أَنْ لَا يَحْصُلَ لَهُ فَلَنْ يَحْصُلَ وَلَوْ كَادَهُ بِهِ جَمِيعُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ))، وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ مُوصِيًا وَمُذَكِّرًا: (( وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ))، وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ أَذِيَّةَ السَّحَرَةِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ }، طَمْأَنَ قُلُوبَ عِبَادِهِ وَرَبَطَ جَأْشَهَا وَقَوَّى عَزِيمَتَهَا فَقَالَ بَعْدَهَا عَلَى الْفَوْرِ: { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ }، أَلَا فَلْنَطِبْ نَفْسًا، وَلَا نُرْعِبْ أَهْلًا، وَلْنَنَمْ سُعَدَاءَ وَلْنَخْرُجْ وَنَدْخُلْ بِاطْمِئْنَانٍ، وَلَا نَخْرُجْ فِي بَلْوَانَا عَنْ قَوْلِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحِ: (( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ )).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ دِينَ الْإِسْلَامَ دِينٌ مُتَكَامِلٌ، حَيْثُ بَيَّنَتْ شَرِيعَتُهُ: أَنَّ كُلَّ مَا يُصِيبُ الْعَبْدَ بِقَدَرٍ، وَأَنَّهُ لَنْ يَخْرُجَ عَمَّا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَدَعَتْهُ إِلَى الصَّبْرِ عَلَى مَا أَصَابَهُ، وَوَعَدَتْهُ عَلَى صَبْرِهِ وَاحْتِسَابِهِ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ، وَأَمَرَتْهُ بِاتِّخَاذِ الْأَسْبَابِ الْوَاقِيَةِ لَهُ، وَأَنَّ وِقَايَتَهَا لَهُ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ، وَشَرَعَتْ لَهُ اتِّخَاذَ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَقِي الْمَرَضَ وَالْوَبَاءَ قَبْلَ حُصُولِهِ وَبَعْدَهُ، وَشَجَّعَتْ نَفْسَهُ لِطَلَبِ الْعِلَاجِ، وَشَجَّعَتِ الطَّبِيبَ مَعَهُ لِيَبْحَثَ لِلْمَرِيضِ عَنْ عِلَاجٍ، وَذَلِكَ بِالْإِخْبَارِ أَنَّهُ مَا مِنْ دَاءٍ إِلَّا وَلَهُ دَوَاءٌ، إِذْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً إِلَّا الْمَوْتَ وَالْهَرَمَ ))، وَبَيَّنَتْ شَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ: بَعْضَ أَسْبَابِ الْوِقَايَةِ مِنَ الْوَبَاءِ الْمُعْدِي عَلَى الْخُصُوصِ قَبْلَ وُقُوعِهِ وَبَعْدَهُ، وَشَرَعَتْ فِي حَقِّ الْمُصَابِينَ بِهِ الْحَجْرَ الْعَامَّ وَالْخَاصَّ، فَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَرَضِ الْجُذَامِ الْمُعْدِي: (( فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الْأَسَدِ ))، وَصَحَّ أَنَّهُ: (( كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ» ))، وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا يُورِدُ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ ))، وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي وَبَاءِ الطَّاعُونِ: (( الطَّاعُونُ رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ))، وَبَيَّنَتْ شَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ: تَقْوِيَةً لِنَفْسِ الْمُؤْمِنِ الْمَرِيضِ الْمَوْبُوءِ عِظَمَ الْأَجْرِ عَلَى وَبَاءِ الطَّاعُونِ الْمُعْدِي، وَفَضْلَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ مَعَ الِاحْتِسَابِ، فَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي “صَحِيحِهِ”، عَنْ عَائِشَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ــ أَنَّهَا قَالَتْ: (( سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَنِي: «أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ» )).
فَاللَّهُمَّ: إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ، وَالْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَسَيِّئِ الْأَسْقَامِ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ـــــــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ كَاشِفِ الشِّدَاتِ، وَفَارِجِ الْكُرُبَاتِ، وَدَافِعِ الْبَلِيَّاتِ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الْأَوَّاهِ الْمُنِيبِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَتَزَوَّدُوا مِنْ تَقْوَاهُ كَثِيرًا، لَا سِيَّمَا عِنْدَ نُزُولِ الْبَلَاءِ، وَتَفَشِّي الْوَبَاءِ، وَكَثْرَةِ الْأَدْوَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ زَوَالِهِ، وَأَقْوَى أَسْلِحَةِ دَفْعِهِ وَرَفْعِهِ.
وَمِنْ تَقْوَى اللهِ الْكَاشِفَةِ لِمَا نَحْنُ فِيهِ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ وَالْإِقْلَاعِ عَنِ الذُّنُوبِ مِنْ شِرْكِيَّاتٍ وَبِدَعٍ وَمَعَاصِي، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: (( مَا نَزَلَ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ وَلَا رُفِعَ إِلَّا بِتَوْبَةٍ ))، وَتَصْدِيقُ هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ }.
وَمِنْ تَقْوَى اللهِ الْكَاشِفَةِ لِمَا نَحْنُ فِيهِ: كَثْرَةُ اللُّجُوءِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ بِدَفْعِ مَا نَزَلَ بِنَا وَكَشْفِهِ عَنْ بُلْدَانِنَا، لِقَولِ اللهِ سُبْحَانَهُ مُرَغِّبًا لَنَا فِي هَذَا: { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ }، وَقَولِهِ تَعَالَى زَاجِرًا وَمُرَهِّبًا: { فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }.
وَمِنْ تَقْوَى اللهِ الْكَاشِفَةِ لِمَا نَحْنُ فِيهِ: الْإِكْثَارُ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ النَّبَوِيَّةِ الثَّابِتَةِ فِي بَابِ الْكَرْبِ وَالْبَلَاءِ وَالْمَرَضِ بِقَلْبٍ حَاضِرٍ وَذِهْنٍ صَافٍ وَنَفْسٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَحْدَهُ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ ))، وَصَحَّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ))، مَعَ الِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ مِنَ الشُّرُورِ وَالْأَمْرَاضِ وَالْأَوْبِئَةِ، إِذْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ وَالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَسَيِّئِ الْأَسْقَامِ ))، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى أَذْكَارِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقَالَ: (( مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: «بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيَضُرَّهُ شَيْءٌ ))، وَصَحَّ أَنَّهُ: (( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ، فَقَالَ لَهُ: أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ» ))، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِصَحَابِيٍّ: (( قُلْ، فَقَالَ: مَا أَقُولُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «قُلْ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» )).
احْذَرُوا: أَنْ يَتَسَلَّلَ الْخَوْفُ وَالْهَلَعُ إِلَى قُلُوبِكُمُ، وَيَتَمَكَّنَ مِنْهَا الرُّعْبُ وَالْجَزَعُ، لِأَنَّكُمْ تُؤْمِنُونَ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَإِيمَانُكُمْ بِهِ هُوَ أَحَدُ أُصُولِ دِينِكُمُ الْكِبَارِ، وَقَدْ ثَبَّتَكُمْ رَبُّكُمْ فَقَالَ تَعَالَى آمِرًا لِنَبِيِّهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَمُذَكِّرًا: { قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا }، وَإِيَّاكُمْ: أَنْ تَكُونُوا مِمَّنْ دَرَجَتْ عَادَتُهُمْ أَوِ اسْتُدْرِجُوا مِمَّنْ لَهُمْ مَآرِبُ أُخْرَى، وَذَلِكَ: بِإِشَاعَةِ الْأُمُورِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالنَّاسِ عَامَّةً، وَإِثَارَةِ النَّاسِ حَوْلَهَا، وَزِيَادَةِ رُعْبِهِمْ مِنْهَا، وَالْخَوْضِ فِيهَا بِكُلِّ مَا يُسْمَعُ وَيُقَالُ، كَالْحُرُوبِ وَالْأَوْبِئَةِ وَالْمُعَاهَدَاتِ وَعَلَاقَاتِ الدُّوَلِ وَمَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ وَالِاقْتِصَادِ وَالْفَقْرِ وَالْبَطَالَةِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ عَبْرَ الْكِتَابَاتِ وَنَشْرِ الصُّوَرِ وَإِرْسَالِ الْمَقَاطِعِ وَمُطَالَبَاتِ الْوُلَاةِ وَالْعُلَمَاءِ، فَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ هَذَا الطَّرِيقَ وَعَابَ مَنْ سَلَكَهُ، وَأَمَرَ بِإِرْجَاعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمَّةِ وَدِينِهَا إِلَى أَهْلِهِ وَهُمْ وُلَاةُ الْأَمْرِ وَأَكَابِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ }.
اللَّهُمَّ: اجْعَلْنَا مِنَ الصَّابِرِينَ عَلَى الأَقْدَار، وَادْفَعْ عَنَّا كُلَّ شَرٍّ وَمَكْرُوهٍ، وَأَعِذْنَا مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَأَعِنْ الْحُكَّامَ وَنُوَّابَهُمْ وَعُمَّالَهُمْ وَجُنْدَهُمْ عَلَى حِفْظِ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ مِنَ الْأَوْبِئَةِ وَالْأَمْرَاضِ وَالْأَعْدَاءِ وَالْمُفْسِدِينَ، وَأَعْظِمِ الْأَجْرَ لِلْأَطِبَّاءِ وَالْمُمَرِّضِينَ وَمَنْ يَقُومُ عَلَى إِدَارَتِهِمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِأَهْلِينَا وَالْمُؤْمِنِينَ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.