إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > خطبة مكتوبة بعنوان: « خطبة أول جمعة تقام في المساجد وقت وباء كورونا وحال الناس وما اتخذ من إجراءات »، ملف: [ word – pdf ] مع ىنسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « خطبة أول جمعة تقام في المساجد وقت وباء كورونا وحال الناس وما اتخذ من إجراءات »، ملف: [ word – pdf ] مع ىنسخة الموقع.

  • 2 يونيو 2020
  • 7٬490
  • إدارة الموقع

خُطبة أوَّل جٌمعة تقام في المساجد وقت وبَاء كورونا وحال الناس وما اتُّخِذ مِن إجراءات

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ كاشِفِ الشِّدَّاتِ، وفارِجِ الكُربَاتِ، ودافِعِ البَلِيَّاتِ، وهوَ حسْبُنا ونِعمَ الوكيل، ولا حولَ ولا قوَّة لَنَا إلا بِهِ، وأُصلِّي وأسلِّمُ على عبدِهِ ورسولِهِ محمدٍ الأوَّهِ المُنِيبِ، وعلى آلِهِ وصحابتِهِ الكِرامِ.

أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:

فإنَّ سلامةَ العِبادِ والبلادِ مِن الشُّرورِ والكُروبِ والبأسِاءِ والضَّرَّاءِ تكونُ بتقوى اللهِ تعالى، باتِّباع أوامِرهِ، واجتنابِ نواهيهِ، والقيامِ بفرائضِهِ، والإكثارِ مِن طاعتِهِ، والتوبَةِ إليهِ واستغفارِهِ، والإقلاعِ عن معصيتِهِ، والأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِّ عن المُنكرِ بطُرقِهِ الشَّرعيَّةِ الصَّحيحَةِ السَّديدَةِ، حيثُ قالَ اللهُ سُبحانَهُ: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا }، وقال تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }، وقال سُبحانَهُ: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ }.

أيُّها المُسلِمونَ:

إنَّ الجُرأةَ على فِعلِ المعاصِي، والإقدامَ على ارتكابِ الفواحشِ، والتفريطَ في ما أوجَبَ اللهُ تَتسبَّبُ في نُزولِ العقوباتِ الشديدَةِ المُتنوِّعَةِ، والتي مِنها الأمراضُ المُختلِفَةِ، والأوبِئَةُ المُعدِيَةِ، والموتُ المُتكاثِرِ، لِقولِ اللهِ سُبحانَهُ: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ }، وثبَت: (( أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ــ رَضِيَ اللهُ عْنْهُ ــ ابْتُلِيَ فِي جَسَدِهِ، فَقَالَ: مَا أُرَاهُ إِلَّا بِذَنْبٍ وَمَا يَعْفُو اللَّهُ أَكْثَرُ، وَتَلَا: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } ))، وجاء في حديثٍ صحَّحه جمْعٌ مِنَ العلماءِ أنَّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (( لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا ))، وثَبَّتَ عنِ ابنِ عباسٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ أنَّهُ قالَ: (( وَلَا فَشَتْ الْفَاحِشَة فِي قوم إِلَّا أَخذهم الله بِالْمَوْتِ ))، وقال الله تعالى مُحذِّرًا لَنَا مِن عُقوباتِ الآثام ومُنبِّها: { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ }.

أيُّها المُسلِمونَ:

إنَّ الناظرَ إلى حالِ أقوامٍ كثيرَةٍ اليومَ مع وبَاءِ كُورُونَا لَيَرَى ضَعْفَ اللٌّجوءِ إلى اللهِ في كشفِهِ عنِ العِباد، ودفعِهِ عنِ البلادِ، وهذا حالٌ مذمومٌ شرْعًا، ونذيرُ شَرٍّ، إذْ قد يَتسبَّب في زيادَةِ هذا الوبَاء، وسُرعَةِ انتشارِه، وتأخُّرِ اكتشافِ علاجِهِ، فقدْ قالَ اللهُ سُبحانَهُ مُحرِّضًا لَنَا إلى التَّضرُّعِ إليهِ عندَ حُصولِ البأسَاءِ والضَّراءِ ومُرهِّبًا مِن تَرْكِهِ: { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ }، وقالَ تعالى ذامًّا لِمَن زادَ بُعْدُهُم عن طاعتِه وزادَتْ ذُنوبُهُم حِينَ البَأسِ بِهِم: { فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }.

أيُّها المُسلِمونَ:

لقدِ اتَّخذَتِ الدَّولَةُ ــ سدَّدَهَا الله وزادَها توفيقًا ــ معَ الجهاتِ المَعْنيةِ بالشؤونِ الدِّينيَّةِ والمساجدِ عِدَّةَ أنظمَةٍ وإجراءاتٍ تتعلَّقُ بالمساجدَ والمُصلِّينَ فيها، تُخفِّفُ مِنَ انتقالِ عَدوَى هذا الوبَاءِ إليهِم، حِمايَةً لِصحَّتِهِم، وصِحَّةِ أهلِيهِم إذا رَجَعوا إليهِم، ودفْعًا لانتشارِهِ في النَّاسِ والبلادِ، ولِئَلَّا يَنحدِرَ اقتصادُ البلادِ بزيادةِ المُصابينَ بِه، وتَكلِفَةِ عِلاجِهِم.

ومِن هذهِ الإجراءاتِ: لبسُ الكِمَامَةِ مِن حينِ دخولِ المسجدِ إلى الخروجِ مِنهَ.

وقد نصَّ الفقهاءُ مِن أهلِ المذاهبِ الأربعَةِ وغيرِهَا على: أنَّ تغطيةَ الفَمِ والأنْفِ في الصلاةِ مكروهَةٌ إلا إذا وُجِدَت حاجَةٌ فتزُولُ الكراهَةُ حِينَها وتجوزُ التغطِيَةُ مِن غيرِ حرَجٍ، ومِنَ الحاجَاتِ: البَرْدُ والمَرضُ والتأذي برائحةٍ كريهَةٍ وخشيَةُ العَدوى وكثرَةِ العُطاس وحسَاسِيَّةُ الصَّدرِ وأشبَاهُا.

مع العِلمِ: بأنَّه لا يَصِحُّ حديثُ النَّهيِّ عن تغطِيَةِ الفَمِ في الصلاةِ، وقدْ ضعَّفهُ أئِمَّةُ الحديثِ، كأحمدَ بنِ حنبلٍ وابنِ المُنذرِ والحازِميِّ والأشبيليِّ وابنِ بازٍ ومُقبلٍ الوادِعِيِّ وغيرِهِم، وإنَّما ثبَتتِ كراهَةُ التغطِيَةِ لِلفَمِ في الصلاةِ عن بعض الصحابَةِ والتابعينَ، والكراهَةُ هيَ مذهبُ الأئِمَّةِ الأربعِةِ وغيرِهِم.

ومِن هذهِ الإجراءاتِ أيضًا: المُباعَدَةُ بينَ المُصلِّينَ بِتَرْكِ فُرْجَةٍ ومسافَةٍ في الصَّف بين كلِّ مُصَّلٍ والذي بجانِبهِ

وَسَدُّ الفُرَجِ مِن السُّنَنِ لا الوجباتِ عندَ عامَّةِ الفقهاء، وعلى رأسِهِم المذاهبُ الأربعَةُ المشهورةُ، بلْ حَكَى جمْعٌ مِن الفقهاءِ الإجماعَ على هذا.

والإخلالُ بسُّنَّةِ سَدِ فُرَجِ الصَّفِ: مكروهُ عندَ مَن تقدَّمَ مِن الفُقهاءِ، والكراهَةُ عندَهُم تَزولُ وتَرتفعُ إذا وُجِدَت حاجَةٌ، فيُصبِحُ الحُكمُ هوَ جوازُ التباعُدِ بينَ المُصلِّينَ، وصَحَّةُ صلاتِهِم مِن غيرِ كراهَةٍ ولا حرَجٍ، ومِن أعظَمِ الحاجاتِ خوفُ انتشارِ عَدوى وبَاء كُورونا بينَ المُصلِّين، لِمَا يَترتَّب عليهِ مِن ضَرَرٍ لَهُم ولأهلِيهِم والنَّاسِ والبلادِ والاقتصادِ.

ومِن هذهِ الإجراءاتِ أيضًا: المُباعَدَةُ بينَ الصُّفوفِ بتَرْكِ مسافَةٍ بينَ كُلِّ صَفٍّ والذي يلِيهِ.

والتَّقارُبُ بينَ الصفوفِ: مِن السُّنن لا الواجباتِ عندَ المذاهبِ الأربعَةِ وغيرِهَا، وتَصِّحُ الصلاةُ مع تَباعُدِ الصُّفوفِ وعدمِ الحاجَةِ ما دامَ المُصلُّونَ معَ إمامِهِم في نفسِ المسجدِ باتفاقِ العلماءِ، ولكنْ معَ الكراهَةِ، كما نقلَهُ غيرُ واحدٍ مِنَ الفقهاءِ، وأمَّا إذا وُجِدَت حاجَةٌ كخشيَةِ انتشارِ وبَاءِ كُورونا بينَ المُصلِّينَ، فالصلاة صحيحَةٌ مِن بابٍ أولَى، ويَجوز هذا التباعُدُ ولا يُكرَهُ.

اللهُمَّ: فاغفِرْ لَنَا ولِأهلِينَا ولِلمُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ أحياءً وأمواتًا، فأنتَ الغفَّارُ.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي لا إلهَ إلا هُوَ، وإليهِ المَصيرُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وصَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وسلَّمَ كثيرًا.

أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:

فإنَّ الدَّولَةَ ــ سدَّدَها اللهُ ــ بوُلَاتِها ووزرائِهَا ورِجالِ أمْنِها وجميعِ قطاعاتِها الأمنِيَّةِ والصِّحِيَّةِ والدِّينِيَّةِ والخَدَمِيَّةِ وغيرِهَا: قدْ بذلوا جُهدًا كبيرًا، ووقتًا واسِعًا، وإرشَادًا ونُصحًا مُستمرًّا، وتَعِبوا في سبيلِ هذا شديدًا، ولا يَزالونَ على ذلِكَ في دفْعِ شَرِّ وبَاءِ كُورونا عن البلادِ والعِبادِ، وتخفيفِ آثارِهِ على النَّاسِ مُواطِنينَ ومُقيمينَ، ومُعالجَةِ تَبعاتِهِ الصِّحيَّةِ والاقتصاديَّةِ والأمنِيَّةِ، وفي الحاضِرِ والمُستقبَلِ، فشَكرَ اللهُ لَهُم  جميعًا صَنيعَهُم هذا، وأعظمَ لَهُمُ الأجرَ، ورفعَ دَرجاتِهِم، بلْ إنَّ شُكرَهُم والثناءَ على جميلِهِم هذا، والإقرارَ بِهِ، والدُّعاءَ لَهُم بسبِبهِ حَقٌّ ودِينٌ وقُربَةٌ إلى اللهِ، وهوَ سُبحانَهُ الذي أرشدَنَا إلى هذا الخُلقِ الجميلِ، خُلُقِ الكرامِ لا الِّلئامِ، فقالَ تعالى: { هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ }، وأصحابُ هذا الخُلُقِ الرَّفيعِ معَ مَن أحسَنَ إليهِم، وفَعَلَ الجميلَ معَهُم، هُمْ أيضًا أولَى النِّاسِ بشُكرِ ربِّهم، إذْ صحَّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ لَا يَشْكُرُ اللهَ ))، بخلافِ الِّلئامِ، فإنَّهم يَتعاملونَ معَ الإحسانِ إليهِم، والجميلِ معَهُم بخسَاسَةِ الطَّبع والجُحودِ والتَّعمِيَةِ على النَّاسِ، غِلًّا وحِقْدًا وحسَدًا، حتَّى غَفلوا عن أنَّ اللهَ قدْ جعَلَ نُكرَانَ النِّساءِ لِمعروفِ وإحسانِ وفضلِ الأزواجِ عليهِنَّ مِن أعظمِ أسبابِ كونِهنَّ أكثرَ أهلِ النَّارِ، فصحَّ أنَّ رسولَهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِالله؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ )).

هذا، وأسألُ اللهَ: أنْ يَجعلَنا مِنَ الصابرينَ على أقدارِهِ، وعلى البَلاء، وأنْ يَدفعَ عنَّا وعنِ المُسلِمينَ كُلَّ شَرٍّ ومكروهٍ، وأنْ يُسدِّدَ الوُلاةَ ونُوَّابَهُم وعُمَّالَهُم وجُندَهُم إلى حفظِ البلادِ والعِبادِ مِن الأوبِئَةِ والأمراضِ والأعداءِ والمُفسِدينَ وإقامَة الدِّينَ والدُّنيا على وجْهٍ يُرضِيهِ، وأنْ يُعظِمَ الأجْرَ لِلأطباءِ والمُمرِّضينَ وجميعِ مَن يقومُ على إدارتِهِم وإعانَتِهِم، إنَّهُ سميعُ الدُّعاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.