الْفَوَائِدُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنْ آيَةِ كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ
الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ـــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَزَّلَ الْقُرْآنَ تَبْصِرَةً لِأُولِي النُّهَى وَالْأَلْبَابِ، وَتَذْكِرَةً لِمَنْ خَافَ الْوَعِيدَ وَالْعَذَابَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى مِنْ أَشْرَفِ الشُّعُوبِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ إِلَى يَوْمِ الْحَشْرِ وَالْمَآبِ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
فَقَدْ قَالَ رَبُّكُمْ سُبْحَانَهُ عَنِ الْحَلِفِ بِهِ وَالْقَسَمِ وَالْيَمِينِ فِي آيَةِ الْأَيْمَانِ وَالْكَفَّارَةِ مِنْ سُورَةِ “الْمَائِدَةِ”: { لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ }.
وَمِنْ فَوَائِدِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ اللَّهَ لَا يُؤَاخِذُ الْعَبْدَ عَلَى الْيَمِينِ الَّتِي صَدَرَتْ عَنْهُ عَلَى وَجْهِ اللَّغْوِ، وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِيهَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: { لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ }.
وَيَمِينُ اللَّغْوِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، هِيَ: الْيَمِينُ بِاللَّهِ الَّتِي تَجْرِي عَلَى لِسَانِ الْمُتَكَلِّمِ فِي عَرَضِ حَدِيثِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَلَا قَصْدٍ جَازِمٍ عَلَى عَقْدِهَا.
وَهَذِهِ الْيَمِينُ: لَا كَفَّارَةَ فِيهَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَيَدْخُلُ فِي حُكْمِ يَمِينِ اللَّغْوِ أَيْضًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ: الْيَمِينُ الَّتِي أَوْقَعَهَا الْعَبْدُ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّ صِدْقَ نَفْسِهِ فِيهِ، ثُمَّ يَظْهَرُ لَهُ أَنَّ الْوَاقِعَ خِلَافَ مَا ظَنَّ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَلَا كَفَّارَةَ.
وَمِنْ فَوَائِدِ هَذِهِ الْآيَةِ: بَيَانُ نَوْعٍ ثَانٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْيَمِينِ، وَهِيَ: الْيَمِينُ الْمُنْعَقِدَةُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ }.
وَالْيَمِينُ الْمُنْعَقِدَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، هِيَ: الْيَمِينُ الَّتِي صَدَرَتْ عَنِ الْمُقْسِمِ بِاللَّهِ وَالْحَالِفِ عَنْ نِيَّةٍ وَقَصْدٍ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ تَرْكِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
وَتُسَمَّى هَذِهِ الْيَمِينُ أَيْضًا: بِالْيَمِينِ الْمُكَفَّرَةِ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَى مَنْ حَلَفَ بِهَا ثُمَّ نَقَضَ وَخَالَفَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } الْآيَةَ.
وَهَذِهِ الْيَمِينُ: إِذَا صَدَرَتْ مَنَ الْمُسْلِمِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهَا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا }، وَمَنْ عَقَدَ هَذِهِ الْيَمِينَ ثُمَّ رَأَى أَنَّ فِعْلَ أَوْ تَرْكَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا رَآهُ أَفْضَلُ، وَيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ )).
وَهُنَاكَ نَوْعٌ ثَالِثٌ لِلْيَمِينِ، وَهِيَ: الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ أَوِ الْفَاجِرَةُ.
وَالْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، هِيَ: الْيَمِينُ الَّتِي يَعْقِدُهَا الْحَالِفُ بِاللَّهِ وَهُوَ يَعْلَمُ كَذِبَ نَفْسِهِ، وَعَدَمَ صِحَّةِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
وَهَذِهِ الْيَمِينُ: يَأْثَمُ عَاقِدُهَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَتُسَمَّى أَيْضًا: بِالْيَمِينِ الْغَمُوسِ، لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ ثُمَّ فِي النَّارِ، وَهِيَ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( الْكَبَائِرُ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ )).
وَتَزْدَادُ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ إِثْمًا: إِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهَا إِضَاعَةُ حُقُوقِ الْغَيْرِ أَوْ أَكْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ تَشْوِيهٌ لِلْأَعْرَاضِ أَوْ إِفْسَادٌ بَيْنَ النَّاسِ وَقَطِيعَةٌ، حَيْثُ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ )).
وَتَكْثُرُ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ: فِي أَمَاكِنِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، إِذْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ )).
وَالْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ: لَا كَفَّارَةَ فِيهَا، لِأَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفَّرَ، وَلَا يَجُبُّهَا وَيَمْحُوهَا إِلَّا التَّوْبَةُ، وَثَبَتَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( كُنَّا نَعُدُّ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ كَفَّارَةٌ: الْيَمِينَ الْغَمُوسَ، قِيلَ: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَالَ: الرَّجُلُ يَقْتَطِعُ بِيَمِينِهِ مَالَ الرَّجُلِ ))، وَنَقَلَ عَدِيدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: «اتِّفَاقَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ».
وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَى الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ ضَيَاعُ حَقٍّ أَوْ أَكْلُ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ تَشْوِيهُ سُمْعَةٍ وَعِرْضٍ: فَلَا بُدَّ مَعَ التَّوْبَةِ مِنْ رَدِّ الْحُقُوقِ إِلَى أَهْلِهَا، وَبَيَانِ سَلَامَةِ الْأَعْرَاضِ الَّتِي شُوِّهَتْ ظُلْمًا، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ مَالِهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ حِينَ لَا يَكُونُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَجُعِلَتْ عَلَيْهِ )).
اللَّهُمَّ: اغْفِرْ لَنَا، وَلِأَهْلِينَا، وَلِلمُؤمِنِينَ وَالْمُؤمِنَاتِ، أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، يَا رَحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ذُو الْإِكْرَامِ وَالْجَلَالِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ كَرِيمُ الْخِصَالِ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَالْآلِ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى حَقَّ تُقَاتِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْفِقْهَ فِي أَحْكَامِ شَرِيعَتِهِ مِنْ أَعْظَمِ خِصَالِ تَقْوَاهُ، وَأَكْثَرِهَا أَجْرًا، وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ.
ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّ مِنْ فَوَائِدِ آيَةِ كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ فِي سُورَةِ “الْمَائِدَةِ” أَيْضًا: أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ عَلَى التَّخْيِيرِ فِي الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ فَقَطْ، وَهِيَ: الْإِطْعَامُ وَالْكِسْوَةُ وَعِتْقُ الرَّقَبَةِ، يَفْعَلُ مُكَفِّرُ الْيَمِينِ أَيَّهَا شَاءَ لِقَوْلِ اللهِ: { فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ }.
وَمِنْ فَوَائِدِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ الْكَفَّارَةَ بِالْإِطْعَامِ أَوِ الْكِسْوَةِ لَا تَحْصُلُ بِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَفْرَادٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى الْعَدِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: { فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ }، فَلَوْ كَرَّرَ الْمُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ الْإِطْعَامَ أَوِ الْكِسْوَةَ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ عَشَرَ مَرَّاتٍ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَبَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ إِكْمَالُ تِسْعَةِ مَسَاكِينَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَمِنْ فَوَائِدِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ انْتِقَالَ الْمُكَفِّرِ عَنْ يَمِينِهِ إِلَى صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يَنْفَعُهُ إِلَّا إِذَا عَجَزَ عَنِ الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ وَعِتْقِ الرَّقَبَةِ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ بَعْدَ التَّخْيِيرِ: { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ }، وَمَنْ كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ بِالصِّيَامِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْإِطْعَامِ أَوِ الْكِسْوَةِ أَوِ الْعِتْقِ لَمْ يُجْزِئْهُ الصِّيَامُ، وَبَقِيَتِ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ وَلَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَمِنْ فَوَائِدِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ الْإِطْعَامَ مُطْلَقٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَيْلًا، بِأَنْ يُعْطِيَ الْمُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ أُرْزٍ وَنَحْوِهِ، وَيَجُوز أَنْ يَكُونَ وَجْبَةَ غَدَاءٍ أَوْ عَشَاءٍ مَطْبُوخَةٍ أَوْ نِيئَةٍ تُعْطَى لِلمِسْكِينِ، وَكَذَلِكَ الْكِسْوَةُ مُطْلَقَةٌ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جَدِيدَةً أَوْ مُسْتَعْمَلَةً جَيِّدَةٍ، وَلِلصَّغِيرِ والْكَبِيرِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالْمَرْجِعُ فِي نَوْعِ اللِّبَاسِ: عُرْفُ الْبِلَادِ الَّتِي تُخْرَجُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ.
وَمِنْ فَوَائِدِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْإِطْعَامِ هُوَ: الْوَسَطُ، فَلَا يَجُوزُ أَرْدَؤُهُ أَوْ مَا لَا يَكْفِي لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ الْمِسْكِينُ، وَلَا يَجِبُ أَجْوَدُهُ أَوِ الزَّائِدُ عَنِ الْقَدْرِ لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ الْمُكَفِّرُ، إِلَّا إِنْ أَرَادَ الْمُكَفِّرُ الْأَجْوَدَ وَالزِّيَادَةَ فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَعْظَمُ فِي الْأَجْرِ، فَرَاعَتِ شَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ الْمُخْرِجِينَ لِلْكَفَّارَةِ، وَالْمُخْرَجَ عَلَيْهِمُ الْكَفَّارَةُ، وَهَذَا مِنْ تَمَامِ الْعَدْلِ.
وَمِنْ فَوَائِدِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِعْطَاءُ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينَ نُقُودًا بَدَلَ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ، وَمَنْ فَعَلَ هَذَا لَمْ تَبْرَأْ عُهْدَتُهُ، وَبَقِيَتِ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّ اللَّهَ: قَدْ حَدَّدَ وَبَيَّنَ وَعَيَّنَ الْأَنْوَاعَ الَّتِي تُخْرَجُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَالنُّقُودُ لَيْسَتْ مَعَهَا، بَلْ وَحَدَّدَ سُبْحَانَهُ نَوْعِيَّةَ الطَّعَامِ، وَأَنَّهُ مِنْ مُتَوَسِّطِ الطَّعَامِ الَّذِي نُطْعِمُ بِهِ أَهْلِينَا، وَكُلُّ هَذَا لَا فَائِدَةَ لَهُ إِلَّا وُجُوبُ ذَلِكَ، وَلَا يُعْرَفُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَنْ أَصْحَابِهِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ــ إِخْرَاجُ النُّقُودِ فِي الْكَفَّارَاتِ أَبَدًا.
وَمِنْ فَوَائِدِ هَذِهِ الْآيَةِ: عِظَمُ شَأْنِ الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ بِنَقْضِهَا وَمُخَالَفَةِ مَا حُلِفَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالْهَيِّنِ السَّهْلِ، وَأُخِذَ هَذَا التَّعْظِيمُ مِنْ جِهَتَيْنِ: الْأُولَى: التَّغْلِيظُ بِهَذِهِ الْكَفَّارَةِ فِي حَقِّ الْحَانِثِ، وَالَّتِي مِنْهَا: عِتْقُ الرَّقَبَةِ، وَالثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى آمِرًا بِحِفْظِ الْأَيْمَانِ: { وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ }.
وَمِنْ فَوَائِدِ هَذِهِ الْآيَةِ: الْأَمْرُ بِحِفْظِ الْيَمِينِ وَاحْتِرَامُهَا وَعَدَمُ اسْتِسْهَالِهَا، حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي خِتَامِ آيَةِ أَحْكَامِ الْيَمِينِ وَالْكَفَّارَةِ: { وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ }.
وَالْمُرَادُ بِالْحِفْظِ لِلْيَمِينِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عُمُومُ الْآيَةِ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ:
الْأَوَّلُ: حِفْظُهَا مِنَ الْحِنْثِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَالثَّانِي: حِفْظُهَا مِنَ الْإِكْثَارِ الَّذِي يُهَوِّنُهَا وَيُقَلِّلُ مِنْ شَأْنِهَا، فَلَا تُفْعَلُ إِلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْحَاجَةِ وَالْأَسْبَابِ الدَّاعِيَةِ، وَالثَّالِثُ: حِفْظُهَا بِعَدَمِ تَرْكِ كَفَّارَتِهَا إِذَا حُنِثَ فِيهَا.
اللَّهُمَّ: طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنْ قَبَائِحِ الْأَقْوَالِ، وَجَوَارِحَنَا مِنَ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَخُصُومَاتِنَا مِنَ الْفُجُورِ، اللَّهُمَّ: رُدَّ الْمُسْلِمِينَ إِلَى التَّوْحِيدِ وَالسُّنَّةِ، وَجَنِّبْهُمُ الشِّرْكَ وَالْبِدْعَةَ، وَأَدْخِلْهُمْ فِي الطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، إِنَّكَ جَوَادُ كَرِيمٌ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.