إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > البدع > خطبة مكتوبة بعنوان: « أحكام الدعاء وسننه وأوقات إجابته وبعض البدع فيه »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « أحكام الدعاء وسننه وأوقات إجابته وبعض البدع فيه »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 4 مارس 2021
  • 11٬546
  • إدارة الموقع

أحكام الدعاء وسُننه وأوقات استجابته وبعض البدع فيه

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ علَّامِ الغُيوبِ، والصلاةُ والسلامُ على عبدِهِ ورسولِهِ محمدٍ الأوَّاهِ المُنيبِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وكُلِّ عبدٍ حَنيفٍ للهِ بعيدٍ عَنَّا أوْ قريبٍ.

أمَّا بعد، أيُّها النَّاسُ:

فإنَّ اللهَ ــ عزَّ وجلَّ ــ قدْ أمرَكُم بدُعائِهِ، فقالَ سُبحانَهُ: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ }، وقالَ تعالى: { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً }، وقالَ ــ جلَّ وعلا ــ: { وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا }، وبَشَّرَ سُبحانَهُ مَن يدعوهُ، فقالَ تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ }، وثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي أَنْ يَمُدَّ عَبْدُهُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ يَسْأَلُهُ خَيْرًا ثُمَّ يَرُدَّهُمَا صِفَرًا ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ فيما يَروِيهِ عن ربِّهِ ــ جلَّ وعَزَّ ــ (( يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ )).

فأكثِروا مِنَ الدُّعاءِ، فَمَا عند اللهِ أكثَرُ وأفضلُ وأعظمُ وآجَرُ، وقدْ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((«مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا»، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِذًا نُكْثِرُ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْثَرُ» ))، ولا تَستعجِلوا فتَترُكوا الدُّعاءَ لاسْتِبْطَاءِ الإجابَةِ، فقدْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((«لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: «قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» ))، بلْ أنتُم مأجُورونَ كثيرًا على مُجرَّدِ فِعلِ الدُّعاءِ، استُجِيبَ لَكُم أوْ لمْ يُستَجَبْ، لأنَّ الدُّعاءَ عبادَةٌ، ويُحِبُّ اللهُ مِن عبادِهِ أنْ يتقرَّبُوا بِهِ إليهِ كثيرًا، وصحَّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ ))، بلْ ثبتَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((مَنْ لَمْ يَدْعُ اللهَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ )).

أيُّها النَّاسُ:

إنَّ الدُّعاءَ الذي بَدأَهُ صاحبُهُ بتمجيدِ اللهِ وحمدِهِ والثناءِ عليهِ، ثمَّ بالصلاةِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم لَمِن أرْجَى الأدْعيَةِ إجابَةً، وأكثرِهَا نفعًا وأجْرًا، فلا تَعْجَلوا في دُعائِكُم، لِمَا ثبتَ عن فَضَالَةَ بنَ عُبيدٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ أنَّهُ قالَ: (( سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللَّهَ تَعَالَى وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَجِلَ هَذَا»، ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ ــ جَلَّ وَعَزَّ ــ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ» ))، وقالَ الفقيهُ النَّوَوِيُّ الشافِعيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «أجمَعَ العلماءُ على استحبابِ ابتداءِ الدُّعاءِ بالحمدِ للهِ تعالى، والثناءِ عليهِ، ثُمَّ الصلاةِ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم».

أيُّها النَّاسُ:

إنَّ مِن أفضَلِ أوقاتِ الدُّعاءِ، وأرْجَاهَا استِجابَةً، هذهِ الأوقاتُ الخَمْسَة:

الأوَّل: الدُّعاءُ في ثُلثِ الليلِ الآخِرِ، وقتِ نُزولِ اللهِ سُبحانَهُ إلى سماءِ الدُّنيا، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( يَنْزِلُ رَبُّنَا ــ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ــ  كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ )).

الثاني: الدُّعاءُ بآخِرِ ساعَةٍ مِن يومِ الجُمُعَةِ قبْلَ مَغِيبِ شمسِهِ، لِمَا ثبتَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً، لَا يُوجَدُ فِيهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا آتَاهُ إِيَّاهُ فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ )).

الثالث: الدُّعاءُ في سُجودِ الصلاةِ فريضَةً ونافِلَةً، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ )).

الرابع: الدُّعاءُ بينَ الأذانِ والإقامَةِ، وحِينَ التِقاءِ الصَّفَّينِ في الجهادِ في سبيلِ اللهِ، لِمَا ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( الدُّعَاءُ لاَ يُرَدُّ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ ))، وما صحَّ أنَّ سَهلَ بنَ سعدٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( سَاعَتَانِ يُفْتَحُ لَهُمَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَقَلَّ دَاعٍ تُرَدُّ عَلَيْهِ دَعْوَتُهُ: حَضْرَةُ النِّدَاءِ لِلصَّلاَةِ، وَالصَّفُّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )).

الخامس: الدُّعاءُ لِلغيرِ بظَهْرِ الغيبِ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ، قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ )).

أيُّها النَّاسُ:

إنَّ مِن أعظَمِ أسبابِ عدَمِ استجابَةِ الدُّعاءِ: أكلَ المالِ الحرَامِ، أكلَ مِالِ الدَّولَةِ العامِّ أوْ مالِ الأيتامِ أوْ مالِ القاصِرينَ عقلًا وسِنًّا أوْ مالِ الزَّبائِنِ أوْ مالِ المَرضَى أوْ مالِ مَن نَعملُ عندَهُم أوْ مالِ مَن نُصلِحُ لَهُم بيتًا أو جِهازًا أوْ سيَّارَةً أوْ مالِ غيرِهِم مِن مُسلِمٍ أو كافرٍ، وبأيِّ طريقِ كانَ الأكلُ، بطريقِ رشوَةٍ أوْ سرِقَةٍ أوْ غِشٍّ أوْ تدلِيسٍ أوْ خِدَاعٍ أوْ حِيلَةٍ أوْ تزويرِ أورَاقٍ وفواتِيرٍ أوْ رِبًا أو شهادَةِ زُورٍ أوْ كَسْبٍ مُحرَّمِ أوْ وظيفَةٍ ومِهنَةٍ مُحرَّمَةٍ أو إعلانٍ مُحرَّمٍ أوْ إعانَةِ على مُحرَّمَاتٍ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ }، وَقَالَ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ }، ثُمَّ ذَكَرَ: «الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟» )).

أيُّها النَّاسُ:

اتقوا اللهَ في عبادِهِ، وإيَّاكُم أنْ تظلِمُوهُم بقولٍ أوْ فِعلٍ، فإنَّ الظُّلمَ ذنْبٌ كبيرٌ، وخطِيئَةٌ شدِيدَةُ القُبْحِ، ودعوةُ المظلومِ خطيرَةٌ عليكُم، إذْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ))، وصحَّ أنَّ عمرَ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( إِنَّ دَعْوَةَ المَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ ))، واحذَرُوا أنْ تأتُوا يومَ القيامَةٍ ظالِمينَ، فقدْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ )).

اللهمَّ: إنَّا نسألُكَ عِيشَةً هنِيَّةً، ومِيتَةً سَوِيَّةً، ومَرَدًّا غيرَ مُخْزٍ.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ العظيمِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ الرَّحيمُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ بالمُؤمِنينَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ، فصَلَّى اللهُ وسلَّمَ عليهِ وآلِهِ وأصحابِهِ.

أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:

فقدْ صحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ»، ثُمَّ قَرَأَ: { وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } ))، والعبادَةُ حقُّ خالِصٌ للهِ وحْدَهُ، لا تُصرَفُ إلا إليهِ، وبهذا قضَى وحَكَمَ، فقالَ سُبحانَهُ: { إِنِ الحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ }، وقال تعالى: { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا }، ومِن أكثَرِ صُوَرِ الشِّركِ باللهِ والكُفرِ المُنتشِرَةِ بين النَّاسِ: صَرْفُ عبادَةِ الدُّعاءِ لِلملائِكِةِ والأنبياءِ والصحابَةِ والأولِياءِ الصَّالِحينَ وغيرِهِم، حيثُ يُشرِكونَهُم معَ اللهِ فيها، فيَدعونَهُم قائِلينَ: “فَرِّجْ عَنَّا يا رسولَ اللهِ، مَدَد يا بَدوِي، أغِثْنَا يا جَيْلانِي، اشْفِنَا يا حُسين، احْمِنَا يا عَيدرُوس، اكْشِفْ ما أصابَنَا يا مِيرْغَنِي، شيئًا للهِ يا رِفاعِي، اشْفَعِي لَنَا يا زَينَب”.

أيُّها النَّاسُ:

إنَّ الدُّعاءَ بعدَ الانتهاءِ مِن صلاةِ الفريضَةِ: مشروعٌ باتفاقِ العلماءِ، بحيثُ يَدعو العبدُ لِوَحْدِهِ سِرًّا لا جهْرًا، بينَهُ وبين نفسِهٍ، يَدعو بما ثبتَ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ في هذا الموضِعِ، وما تَيسَّرَ، وقالَ الإمامُ الطَّبَرِيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «كرَاهِيَةُ رفْعِ الصوتِ بالدُّعاءِ هوَ قولُ عامَةِ السَّلفِ مِن الصحابَةِ والتابِعينَ»، وهوَ أيضًا قولُ الأئمَّةِ الأربعَةِ، وأمَّا دُعاءُ الإمامِ معَ المأمُومِينَ جهْرًا وجماعِيَّا بعدَ السلامِ مِن صلاةِ الفريضَةِ، بحيثُ يَدعو ويُؤمِّنونَ خلفَهُ فلا يُعرَفُ في الإسلامِ، ولا فعلَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُهُ، ولا أهلُ القُرونِ الأُولَى، ولا أئِمَّةُ المذاهبِ الأربعَةِ وتلامِذَتُهُم، بلْ هوَ مِن البدَعِ المُحرَّمَةْ، وقالَ الفقيهُ الشاطِبِيُّ المالِكِيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «دُعاءُ الإمامِ لِلجماعَةِ في أدبْارِ الصلواتِ ليسَ في السُّنَةِ ما يَعضُدُهُ، بلْ فيها ما يُنافِيهِ، فإنَّ الذي يَجبُ الاقتِداءُ بِهِ سيِّدُ المُرسَلِينَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، والذي ثبتَ عنهُ مِن العملِ بعدَ الصلواتِ: إمَّا ذِكْرٌ مُجرَّدٌ لا دُعاءَ فيهِ، وإمَّا دُعاءُ يَخُصُّ بِهِ نفسَهُ، ولمْ يَثبتْ أنَّهُ دَعَا لِلجماعَةِ، وما زَالَ كذلِكَ مُدَّةَ عُمرِهِ، ثُمَّ الخُلفاءُ الرَّاشدِونَ بعدَهُ، ثُمَّ السَّلفُ الصَّالِحُ»

أيُّها النَّاسُ:

أنَّ مِنَ الأُمورِ المُحرَّمَةِ في بابِ الدُّعاءِ عندَ أهلِ العلمِ مِن أهلِ السُّنَّةِ والحديثِ وعُمومِ الفقهاءِ: دُعاءَ اللهِ وسُؤالَهِ بجَاهِ أوْ حَقِّ أحْدٍ مِن الخلْقِ، كقولِ بعضِهِم حِينَ يَدعو اللهَ: “اللهمَّ إنِّي أسألُكَ بِجَاهِ أوْ بحقِّ نبيِّكَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم أو بِجَاهِ الأنبياءِ أو بِجَاهِ عبادِكَ الصالِحينَ أو بحقِّ هذهِ الجُمُعَةِ أوْ حقِّ هذا اليومِ والشَّهرِ الفضيلِ”، لأنَّ: إدخالَ الجَاهِ أو الحَقِّ في الدُعاءِ لمْ يأتِ في القرآنِ والأحادِيثِ النَّبوِيَّةِ الصَّحيحَةِ معَ كثرَةِ الأدْعِيَةِ فيهما، ولا جاءَ عنِ الصحابَةِ ولا في أدْعِيَتِهِم الثابتَةِ، وما كانَ كذلِكَ فالعلماءُ يَحكمونَ عليهِ بأنَّهُ بدْعَةٌ مُحرَّمَةُ، والبدَعُ أعظمُ مِن المعاِصي باتفاقِ العلماءِ.

هذا، وأسألُ اللهَ لِي ولَكُمُ ولجميعِ المُسلِمينَ: المغفِرَةَ والرَّحمَةَ ودخولَ الجنَّةِ، رَبَّنَّا: هَبْ لَنَا مِن أزواجَنَا وذُرِّيَاتِنَا قُرَّةَ أعيُنٍ، واجعلْنَا لِلمُتقينَ إمامًا، رَبَّنَا: لا تُزِغْ قُلوبَنَا بعدْ إذْ هدَيتَنَا وهَبْ لَنَا مِن لَدُنكَ رحمًةً إنَّكَ أنتَ الوهابُ، اللهمَّ: اكفِنَا بالحلالِ عنِ الحرَامِ، واغْنِنَا بفضْلِكَ عمَّن سِواكَ، وارفَعِ الضُّرَ عنِ المُسلِمينَ وبلادِهِم، يا جوادُ يا كريمُ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.