إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > البدع > خطبة مكتوبة بعنوان: « لماذا يحذر أهل السنة من جماعة الدعوة والتبليغ وأشباهها ». ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « لماذا يحذر أهل السنة من جماعة الدعوة والتبليغ وأشباهها ». ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 10 ديسمبر 2021
  • 4٬018
  • إدارة الموقع

لماذا يُحذِّر أهل السُّنة مِن جماعة الدعوة والتبليغ وأشباهها

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي بنعمتِهِ اهتدَى المُهتَدونِ، وبعدلِهِ ضَلَّ الضَّالونَ، لا يُسئَلُ عمَّا يَفعلُ وهُم يُسئَلونَ، والصلاةُ والسلامُ على عبدِهِ ورسولِهِ محمدٍ التَّارِكِ أُمَّتَهُ على دِينٍ واضِحٍ مُبِينٍ، وعلى آلِهِ وصحْبِهِ الذينَ على طريقِهِ سائِرونَ.

أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:

فاتقوا اللهَ ــ جلَّ وعلا ــ بحفظِ أعمارِكُم على طاعتِهِ، وعُمرَانِ أوقاتَكُم  بمَرضاتِهِ، فالطاعَةُ تَجُرُّ إلى الطاعَةِ، ومَن تعوَّدَ عليها صغيرًا وشابًّا اعتَادَهَا وسَهُلَتْ عليهِ كبيرًا، والسَّيِّئَةُ بدْعَةً كانتْ أو معصيَةً تدعوا إلى  أُخْرَى، وتَبدأُ صِغيرَةً ثمَّ تُصيرُ كبيرَةً، وتكونُ قليلَةً ثمَّ تُصبِحُ كثيرَةً تُهلِكُ، وساعَةُ موتِكُم بيدِ اللهِ لا بأيدِكُم، وأنتُم تُشاهِدونَ وتَسمعُونَ كيفَ غَيَّبَ الموتُ الشبابَ في أحايينَ عديدَةٍ أكثرَ مِن المُسِنِّينَ، وقدْ قالَ اللهُ سُبحانَهُ آمِرًا: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }، وصحَّ أنَّ ابنَ مسعودٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( وَحَقُّ تُقَاتِهِ: أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَأَنْ يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَأَنْ يُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرُ )).

واعلَموا أنَّ التَّدَيُّنَ إنَّما هوَ: العملُ بما جاءَ في القرآنِ والأحاديثِ النَّبويَّةِ الصَّحيحَةِ مِن الواجِباتِ والمُستحبَّاتِ معَ تَرْكِ الخطِيئاتِ، ولُزومِ طريقِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والسَّلفِ الصَّالِحِ مِنَ الصحابَةِ فمَن بعدَهُم، وليسَ التَّدَيُّنُ: أنْ تَنظَمُّوا إلى حِزْبٍ تَسمَّى باسمٍ إسلامِيٍّ، أو تَسيروا معَ جماعَةٍ وِفْقَ أُصولِهَا ومبادِئِهَا وتعالِيمِ رُموزِهَا ودُعاتِهَا، بلْ ذلِكَ حرَامٌ، ومِن كبائِرِ الآثامِ، وتَفرُّقٌ في الدِّينِ، وبدْعَةٌ غليظَةٌ في الإسلامِ، وتُبعِدُ عنِ اللهِ، وعن نَبيِّهِ صلى الله عليه وسلم، وعن شريعَةِ الإسلامِ التي كانَ عليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُهُ، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ: الْجَمَاعَة ))، وفي لفظٍ آخَر: (( فَقِيلَ لَهُ صلى الله عليه وسلم: مَنِ الْوَاحِدَةُ؟ فَقَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي ))، وقدْ بَرَأَّ اللهُ رسولَهُ صلى الله عليه وسلم مِنَ التَّفرُّقِ في الدِّين وأهلِهِ، فقالَ سُبحانَهُ: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ }، وإنَّما يُستعانُ على الخيرِ والمُصابَرَةِ عليهِ برِفقَةِ ومُصاحبَةِ العبدِ الصَّالِحِ السائِرِ على طريقِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ وباقِي سَلَفِ الأُمَّةِ الصَّالحِ الذي لا يَنتَمِي إلى حِزْبٍ أو جماعَةٍ أو طريقَةٍ صُوفِيَّةٍ، ولا هوَ مُتعاطِفٌ أوْ مُتعاوِنٌ أوْ مُتأثِّرٌ بدُعاتِهَا ورُموزِهَا ومبادِئِهَا وأفكارِهَا، وقدْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال مُرَغِّبًا في مُصاحبَةِ الأخيار: (( مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً ))، وجاءَ بسندٍ حسَّنهُ العلامَةُ الألبانيُّ وغيرُه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ ))، وحسَّنَ جمْعٌ مِن العلماءِ قولَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (( الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ ــ أي: صاحبِهِ ــ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ )).

وإنَّ مِن فضْلِ اللهِ تعالى، وإحسانِ بعضِ الدَّولِ إلى النَّاسِ: أنْ مَنَعَتْ الانتماءَ إلى الأحزابِ والتنظيماتِ والجماعاتِ، ومِن إقامَةَ مَراكِزَ لَهَا، سَواءً نَسَبَتْ نفسَها إلى الدِّينِ والإسلامِ أوْ إلى مذاهبَ لا دِينِيَّةٍ كالعَلمانِيَّةِ واللِّبْرَالِيَّةِ وأشباهِهَا، دَفعًا لأضرارِهَا الدِّينِيَّةِ والدُّنيوِيَّةِ على العِبادِ والبلادِ، وعلى الصِّغارِ والكِبار والذُّكورِ والإناثِ، والتاريخُ والواقعُ القديمُ والمُعاصِرُ شاهِدٌ حَيُّ ومُستمِرٌّ وحاضِرٌ وحافِلٌ بما جرَّتْ هذهِ الانتماءاتُ على الدِّينِ والبلادِ وأهلِهَا وأمنِهَا واقتصادِهَا مِن شُرورٍ كِبارٍ، وأخطارٍ كِثارٍ، وفِتَنٍ عِظامٍ، وهذا الأمرُ يُعتبَرُ مِنَ العملِ بقولِ اللهِ تعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا }، ومِن تحقيقِ قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّحيحِ: (( أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ))، فشَكرَ اللهُ لِكُلِّ دَولَة مِثلَ هذا المنْعِ، وزادَها في أبوابِ الخيرِ إحسانًا، وبالإسلامِ تَمسُّكًا واهتِدَاءً، وقدْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ لَا يَشْكُرُ الله ))، وبابُ الدُّعاءِ لِولَاةِ أمورِ المُسلِمينَ بالسَّدادِ والتوفيقِ إلى الخيرِ بابٌ عظيمٌ في الدِّينِ، واتَّفقَ على استِحسَانِهِ العلماءُ مِن جميعِ المذاهبِ، وأصبَحَ أهلُ السُّنَّةِ يَذكرونَهُ في كُتبِ “الاعتقادِ”، فلا تَترُكوا الدُّعاءَ لَهُم بذلِكَ، وتَحرَّوا أوقاتَ الإجابَةِ، بلْ إنَّ الإمامَ الفُضيلَ بنَ عياضٍ ــ رحمَهُ اللهُ ــ قدْ قدَّمَ الحاكِمَ في الدُّعاءِ المُستجَابِ على نفسِهِ، فقال: «لَوْ أَنَّ لِيَ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً مَا صَيَّرْتُهَا إِلَّا فِي الْإِمَامِ، قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا أَبَا عَلِيٍّ؟ قَالَ: مَتَى مَا صَيَّرْتُهَا فِي نَفْسِي لَمْ تُجْزِنِي، وَمَتَى صَيَّرْتُهَا فِي الْإِمَامِ فَصَلَاحُ الْإِمَامِ صَلَاحُ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ»، وقال إمامُ أهلِ السُّنَّةِ أحمدُ بنُ حَنبلٍ ــ رحمَهُ اللهُ ــ عن دُعائِهِ لِلحاكِمِ بالخيرِ: «وإنِّي لأدْعُو لَهُ بالتسديدِ والتوفيقِ والتأييدِ في الليلِ والنَّهارِ، وأَرَى ذلِكَ واجِبًا علىَّ»، وقالَ الإمامُ البَرْبَهَارِيٌّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «إذا رأيتَ الرَّجُلَ يَدعُو على السُّلطانِ فاعلَمْ أنَّهُ صاحِبُ هَوًى، وإذا سمعتَ الرَّجُلَ يَدعُو لِلسُّلطانِ بالصَّلاحِ فاعلَمْ أنَّهُ صاحِبُ سُنَّةٍ إنْ شاءَ اللهُ».

أيُّها المُسلِمونَ:

إنَّ جماعَةَ الدَّعوَةِ والتَّبلِيغِ ــ أصلَحَ اللهُ أهلَهَا ورَدَّهُم إلى الهُدَى ــ قدْ تأسَّسَتْ في القارَّةِ الهِندِيَّةِ قبلَ مِئَةِ عامٍ بقليلٍ، ومذهبُهَا العَقَدِيُّ ليسَ هوَ مذهبُ السَّلفِ الصَّالِحِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ والحديثِ، بلْ هُمْ ماتُرِيْدِيَّةُ الاعتِقادِ، صُوفِيَّةُ الطريقَةِ، عِندَهُم بَيعَةٌ على أربَعِ طُرُقٍ صُوفِيَّةٍ، وفي كُتبِ كبارِ مشايخِهِم بلُغُةِ بُلدَانِهِم الأعْجَمِيَّةِ شْركِيَّاتٌ وبِدَعٌ وضَلالاتٌ كثيرَةٌ، وأحادِيثُ ضعيفَةٌ ومكذوبَةٌ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ عديدَةٌ جِدًّا، وقدْ انْبَرَى لِتَبيينِهَا والرَّدِ عليها كثيرٌ مِن العلماءِ وطُلابِ العلمِ والباحِثينَ في كُتبٍ مُستَقِلَّةٍ، وفي رسائِلِ ماجِستير ودُكتوراة، فأفادُوا وأجادُوا، وأحسَنُوا إلى مَن أرَادَ أنْ يَعرفَ حقيقَةَ دعوتِهِم، وإلى مَن اغترَّ بِهِم، فسارَ معَهُم، وانتظَمَ في جماعَتِهِم، وقدْ حذَّرَ مِنهُم، وبيَّن انحرافَهُم، وبُعدَهُم عنِ التوحيدِ والسُّنَّةِ أكابرُ العلماءِ مِن أهلِ السُّنةِ المُعاصِرينَ السائِرينِ على طريقةِ السَّلفِ الصَّالِحِ في جميعِ بُلدانِهِم، ومدَحَهُم في بدَايَةِ انتشارِهِم قلِيلونَ جِدًّا لْوجُودِ مَن كذَبَ عليهِم في شأنِهِم مِمَّن يَزعُمُ أنَّهُ يَعرِفُهُم، فلمَّا تبيَّنَ لَهُم حقيقةُ أمرِهِم، رجَعُوا عن مدحِهِم، وأصدَرُوا الفتاوَى المسموعَةِ والمكتوبَةَ في التحذيرِ مِنهُم، وبيانِ ضلالِهِم وانحِرافِهِم.

بارَكَ اللهُ لِي ولَكُم: فيما سَمِعتُم، ونفَعَنَا بِهِ، وغَفَرَ لَنَا، إنَّ ربِّي سَميعُ الدُّعاءَ.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ جامِعِ النَّاسِ لِيومٍ لا رَيبَ فيهِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ الأمينُ، وعليهِ وعلى آلهِ وصَحبِهِ الصلاةُ والسلامُ.

أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:

فإنَّ مِن انحرَافاتِ جماعَةِ الدَّعوَةِ والتَّبلِيغِ المشهورَةِ عنهُم، وذَكرَهَا العلماءُ وطُلابُ العلمِ والباحِثونَ هذهِ الأربَعُ:

الأولى: أنَّهُم لا يَدعُونَ إلى التوحيدِ كما دَعَتْ إليهِ الرُّسُلِ، ولا يُحذِّرُونَ مِن الشِّركيِّاتِ والبدَعِ، وسبَبُ ذلِكَ أنَّ مذهبَهُم في أصلِهِ صُوفِيٌّ، والصُّوفِيَّةُ مِن أكثرِ النَّاسِ شِركيَّاتٍ وبدَعٍ، وقُصُورًا في التوحيدِ والسُّنَةِ.

الثانية: أنَّهُم لا يُنكِرونَ المُنكرَاتِ مِن شِركيَّاتٍ وبدَعٍ ومعاصِي إذا رَأوا أو صاحَبُوا مَن يَفعلُ ذلِكَ، لأنَّ إنكارَ ذلِكَ يُضْعِفُ قبولَهُم عندَ النَّاسِ، ويَنفِرُ عنهُم بسببِهِ كثيرونَ، وهُم يُريدُونَ تجميعَ النَّاسِ، وتكثيرَ أعدادِ حزبِهِم، ولِهذا تَرَى صاحِبَ الشِّركيِّاتِ والبدَعِ يَكونُ معَهم السِّنينَ الطِّوالَ فيعيشَ ويموتَ عليها، لِعدَمِ مَن يدعوهُ مِنهُم إلى ترْكِهَا.

الثالثة: أنَّهُم مِن أضعَفِ النَّاسِ علمًا، وأبعدِهِم عن طلبِ العلمِ على أيدِي العلماءِ، والاستمرارِ على دراستِهِ وتعلُّمِهِ، لأنَّ العلمَ يَفضَحُهُم، ويُبَيِّنُ حقيقَةَ جماعتِهِم، وانحرافَهُم عن الشريعَةِ، ولِهذا عامَّتُهُم في جميعِ البُلدانِ مِن العَوَامِّ، ثمَّ معَ هذا الضَّعفِ العِلمِيِّ يَخرُجونَ لِلدَّعوَةِ بأعدَادٍ كبيرَةٍ جِدًّا وباستِمرَارٍ، ويُسمُّونَ جماعتَهُم بجماعَةِ الدَّعوَةِ والتبلِيغِ، معَ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لمْ يَكُنْ يُرسِلُ لِلدَّعوَةِ إلا الفقهاءُ مِن أصحابِهِ فقط، واللهُ تعالى يقولُ في وصفِهِ صلى الله عليه وسلم ووصْفِ أتباعِهِ على الدَّعوَةِ إلى دِينِ اللهِ: {  قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ }، ومعنى: { عَلَى بَصِيرَةٍ }، أي: على عِلمٍ وفِقهٍ، فدَعوتُهُم على خِلافِ دعوتِهِ صلى الله عليه وسلم، لأنَّ دعوتَهُ أساسُ مُنْطَلَقِهَا هوَ العلمُ، والشِّركِيَّاتُ أيضًا تكثُرُ في صُفوفِ أتباعِهِم، بخلافِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأتباعِهِ الحَقِيقِيينَ، فلا شِرْكَ عندَهُم.

الرابعة: أنَّ جماعتَهُم حِضْنٌ ومَرتَعٌ لِكُلِّ أحَدٍ، فتَرَى معَهُم وبينَهُم مِن جميعِ الطوائِفِ والأحزابِ والفِرَقِ، بلُ وكثيرٌ مِن التكفيرِيينَ كانوا معَهُم، وفي صُفوفِهِم، ونَهَلُوا مِن محَاضِنِهِم، كما شهدَ وأقرَّ بذلِكَ كثيرونَ.

أيُّها المُسلِمونَ:

قدْ يقولُ ضعيفٌ في العلمِ: إنَّ كثيرًا مِن العُصَاةِ قدْ تابُوا على أيدِيِهِم، فيُقالُ لَهُ: توبَةُ أحَدٍ بذهابِهِ أو جُلوسِهِ معَهُم لا يُصحِّحُ مذهبَهُم وطريقتَهُم، وإنَّما يُصحِّحُهَا قالَ اللهُ وقالَ رسولُهُ وقالَ الصحابَةُ، وهذا التائِبُ قدْ كانَ على معصيَةٍ، ثمَّ انَتقلَ عن طريقِهِم إلى بدْعَةِ، وإلى حزْبٍ وتَنظيمٍ وجماعَةٍ صُوفِيَّةِ، وبَعُدَ بسَبَبِهِم عن العلمِ والعلماءِ، فأصبحَ يَرتعُ في اعتقاداتِهِ وعباداتِهِ بالجهلِ، ويَستَسِيغُ معَ الأيامِ الشِّركيِّاتِ والبدَعَ، ويَميلُ إلى أهلِ البدَعِ ودُعاتِهُم، وقدْ ثبَتَ أنَّ الإمامَ سُفيانَ الثورِيَّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ قالَ: «الْبِدْعَةَ أَحَبُّ إلَى إبْلِيسَ مِنْ الْمَعْصِيَةِ، لِأَنَّ الْبِدْعَةَ لَا يُتَابُ مِنْهَا، وَالْمَعْصِيَةُ يُتَابُ مِنْهَا»، وصحَّ أنَّهُ كانَ يُقالُ زَمَنَ السَّلفِ الصَّالِحِ: «يَأْبَى اللَّهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ بِتَوْبَةٍ، وَمَا انْتَقَلَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ إِلَّا إِلَى شَرٍّ مِنْهَا»، واتَّفقَ العلماءُ على أنَّ البِدْعَةَ أعظَمُ مِن المعصِيَةِ.

اللهمَّ: وفِّقْ ولَاةَ أمورِ المُسلِمينَ لِلعملِ بشرِيعَتِكَ ونُصرَتِهَا، ونَشرِهَا في الأرضِ، وأزِلْ بِهِمُ الشَّرَّ والإجرامَ والفسادَ والإرهابَ والبِدَعَ والضَّلالاتِ،  اللهمَّ: جنِّبْنَا الشِّركَ صغيرَهُ وكبيرَهُ، رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِن أزواجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أعْيُنٍ، واجعلْنَا لِلمُتقِينَ إمَامًا، اللهمَّ: ارْحَمِ الضُّعفاءِ والمُستَضعَفِينَ مِنَ المُسلِمينَ في كُلِّ مكانٍ، واكشِفْ كرْبَهُم، وارفَعْ ضُرَّهُم، اللهمَّ: اغفِرْ لَنَا ولِأهلِينا ولِجميعِ المُسلِمينَ والمُسلِماتِ أحيَاءً وأمواتًا، إنَّكَ سميعُ الدُّعاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.