إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > البدع > خطبة مكتوبة بعنوان: « منزلة الصحابة في شريعة الملك الرحمن وشيء عن شهر رجب »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « منزلة الصحابة في شريعة الملك الرحمن وشيء عن شهر رجب »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 3 فبراير 2022
  • 3٬797
  • إدارة الموقع

منزلة الصحابة رضي الله عنهم في شريعة الملك الرحمن

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ المُكرِمِ عبادَهُ المُتقينَ، والصلاةُ والسلامُ على المَبعوثِ رحمَةً لِلعالَمينَ، وعلى أزواجِهِ وباقِي آلِ بيتِهِ وأصحابِهِ أكابِرِ المُؤمِنينَ.

أمَّا بعدُ، فيَا أهلَ السُّنَّةِ والقرآنِ:

إنَّ مِن أعظَمِ خِصالِ التقوى، وأجَلِّ صفاتِ أهلِ الإيمانِ، ودلائِلِ جميلِ الدِّيانَةِ وصِدْقِهَا، وشواهدِ صلاحِِ الباطنِ، وعلاماتِ وفُورِ العقلِ وصِحَّتِهِ: «حُبَّ جميعِ أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وسلامَةَ القلوبِ والألسنِ جِهتَهُم، وذِكرَهُم بينَ النَّاسِ بالجميلِ، وإعزازَهُم وإجلالَهُم وتوقيرَهُم، ونَشرَ محاسِنِهِم وفضائِلِهِم، والدِّفاعَ عنهُم، وموالاتَهُم، والاستغفارَ لَهُم، والتَّرَضِّيَ عنهُم، والثناءَ عليهِم».

وعلى هذهِ العقيدَةِ الطيِّبَة: سَارَ السَّلفُ الصالِحُ أهلُ السُّنَّةِ والحديثِ على مَرِّ الأزمَانِ وتَبايُنِ الأقطارِ واختلافِ الأجناسِ والألوانِ واللغاتِ، لا يَختلِفونَ في هذا، وسَيستَمرونَ عليها إلى قيامِ السَّاعَةِ كمَا صَحَّتْ بذلِكَ السُّنَّةُ النَّبويَّةُ.

ومَن قرَأَ القرآنَ فلَنْ يَجدَ إلا هذهِ العقيدَةِ، ومَن نَظرَ أحادِيثَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّحيحَةِ عنهُ زادتُهُ إيمانًا وتَمسُّكًا بهذهِ العقيدَةِ، ومَن وقفَ على أقوالِ أجِلَّةِ أهلِ بيتِ النُّبوَّةِ الثابتَةِ إليهِم وجَدَ أنَّهُم لا يَخرجونَ عن هذهِ العقيدَةِ، ومَن قلَّبَ دَواوِينَ السُّنَةِ والاعتقادِ المُطوَّلَةِ والمُختَصَرَةِ زادَتْهُ ثباتًا إلى ثباتٍ على هذهِ العقيدَةِ، وعلى هذا المَوقِفِ النَّبيلِ جِهةَ الصَّحابَةِ.

حيثُ أثْنَى اللهُ في مواضِعَ عديدَةٍ مِنَ القرآنِ على الصحابَةِ ثناءً زَكَّى بِهِ بواطِنَهُم وظواهِرَهُم، وأخبرَ أنَّهُ قدْ ذَكرَهُم وأثْنَى عليهِم في التورَاةِ والإنجِيلِ، وخَتَمَ بِوَعْدِهِم بالمغفرَةِ والأجْرِ العظيمِ، والرِّضَى عنهُم، والنَّعيمِ في الجِنانِ، فقالَ ــ تبارَكَ وتقدَّسَ ــ: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا }، وقالَ تعالى: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }.

وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ ))، وهذا الحديثُ: ظاهِرٌ في أنَّ الصحابَةَ أفضلُ هذهِ الأُمَّةِ، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( الْأَنْصَارُ لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللهُ ))، وهذا الحديثُ: صَريحٌ في فضلِ الصحابَةِ الأنصارِ أهلِ المدينَةِ، وصَريحٌ بذَمِّ كُلِّ مَن لا يُحِبُّهُم، وصريحٌ بأنَّ مُبغضَهُم مٌنافِقٌ ويُبغِضُهُ اللهُ، وأنَّ مُحِبَّهُم مُؤمِنٌ ويُحِبُّهُ اللهُ، وثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ رَآنِي وَصَاحَبَنِي، وَاللَّهِ لَا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي وَصَاحَبَ مَنْ صَاحَبَنِي ))، وهذا الحديثُ: واضِحٌ في أنَّ الأمَّةَ المُحَمَّدِيَّةَ لا تَزالُ بخيرٍ ما دَامَ فيها صَحابَةٌ أوْ فيها مَن رَأى صَحابَةً وصَاحَبَهُم، وهذا مِن دلائِلِ كبيرِ مَنزِلَتِهِم، وعظيمِ فضلِهِم، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِى مَا يُوعَدُونَ ))، وهذا الحديثُ: ظاهِرٌ في بيانِ فضلِ وفضائِلِ الصحابَةِ ــ رضِيَ اللهُ عنهُم ــ، حيثُ جعلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وجودَ الصحابَةِ أمَنَةً لِمَن في عصرِهِم مِن فُشُوِّ البدَعِ، وغلَبَةِ الأهواءِ، واختلافِ العقائِدِ، وطُلوعِ قرْنِ الشيطانِ، وظُهورِ الكفارِ على المُسلِمينَ، وانتِهاكِ حُرْمَةِ الإسلامِ والمُسلِمينَ.

أهلَ السُّنَّةِ والقرآنِ:

إنَّ مِن الأُصولِ الكُبرى التي اتفقَ عليها السَّلفُ الصالِحُ أهلُ السُّنَّةِ والحديثِ والجماعَةِ وقرَّرُوهَا في كُتبِ الاعتقادِ والسُّنَّةِ جِهَةَ الصحابَةِ ــ رَضِيَ اللهُ عنْهُم ــ هذهِ الثلاثَةُ:

الأصلُ الأوَّل: الذَّمُ والقَدْحُ والتحذير والبُغْضُ والتَّبَرِّي مِن كُلِّ مَن يَذكُرُ الصحابَةَ أوْ أحَدَهُم م بسُوءٍ، وأنَّهُ مُبتَدِعٌ ضَالٌ خارِجٌ السُّنَّةِ والحقِّ.

وقَدْ نَقلَ الإمامُ حَرْبٌ الكَرْمَانيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ في رِسالَةٍ لَهُ في “الاعتقادِ والسُّنَّةِ” الإجماعَ على: «أنَّ مَن سَبَّ الصحابَةِ أوْ أحَدًا مِنهُم أوْ تَنقَّصَهُ أوْ طَعَنَ عليهِم أوْ عرَّضَ بعَيبِهِم أو عَابَ أحَدًا مِنهُم بقليلٍ أوْ كثيرٍ أوْ دَقَّ أوْ جَلَّ مِمَّا يُتَطَرَّقُ بِهِ إلى الوَقِيعَةِ في أحَدٍ مِنهُم فهوَ مُبْتَدِعٌ».

وقدْ بيَّنَ اللهُ حالَ أهلِ الإيمانِ مِمَّن جاءَ بعدَ عصْرِ الصحابَةِ جهَةَ الصحابَةِ ــ رَضِيَ اللهُ عنْهُم ــ، وأرشدَ إليهِ، وأنَّهُ: التَّرحُمُ عليهِم، والاستغفارُ لَهُم، وسلامُةُ القلوبِ مَِن الغِلِّ والحِقْدِ والضَّغِينَةِ معَهُم، فقالَ سُبحَانَهُ بعدَ أنْ أثنَى على الصحابَةِ مِن المُهاجِرينَ والأنصارِ، وذَكَرَ بعضَ كريمِ صفاتِهِم: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }، وصحَّ أنَّ عائِشَةَ ــ رضِيَ اللهُ عنْها ــ قالتْ عنِ الخوارجِ والرَّوافِضِ: (( أُمِرُوا بِالِاسْتِغْفَارِ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَبُّوهُمْ )).

الأصلُ الثاني: السُّكوتُ عمَّا شَجرَ بينَ الصحابَةِ مِن خِلافٍ بعدَ مقْتلِ عثمانَ بنِ عفان، لِئَلَّا تَنْجَرَّ القلوبُ أوِ الألسنُ إلى ذَمِّ أو بُغضِ أو انتقاصِ أحدِ مِنهم فتهلَك، وأنَّ هذا السُّكوتُ واجبٌ.

لأنَّ: أكثرَ ما يُروَى مِنَ الأقاويلِ والقَصَصِ في هذا الخلافِ كذِبٌ عليهِم، ومِنهُ ما قدْ زِيدَ فيهِ أو نُقِصَ حتَّى تغيَّرَ وتحرَّفَ عن معناهُ الصَّحيحِ، والصَّحيحُ مِنهُ قليلٌ جدًّا، وهُم ــ رَضِيَ اللهُ عنْهُم ــ فيهِ: إمَّا مُجتهِدونَ مُصِيبونَ أوْ مُجتهِدونَ مُخطِئونَ، ولَهُم مِنَ السَّوَابقِ والفضائِلِ ما يُوجِبُ مغفرَةَ ما يَصْدرُ مِنهُم مِن خطأٍ إنْ صدَرَ، حتَّى إنَّهُ يُغفَرُ لَهَم مِنَ السَّيِّئات ما لا يُغفَرُ لِمَن بعدَهُم، لأنَّ: لَهُم مِنَ الحسناتِ التي تَمحو السَّيِّئاتِ ما ليسَ لِمَن بعدَهُم، وقدْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ في عُذْرِ أهلِ الاجتهادِ وأنَّ لَهُم أجرًا معَ الخطأِ، (( إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ ))، والصحابَةُ أكابِرُ مُجتهدِي الأُمَّةِ، وقد جاء في عظيمِ أجْرِ وثوابِ الصحابَةِ على المُقامِ معَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم زَمَنًا يسيرًا، ما ثبتَ عنِ ابنِ عمرَ ــ رَضِيَ اللهُ عنْهُما ــ أنَّهُ قالَ: (( لَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، فَلَمَقَامُ أَحَدِهِمْ سَاعَةً خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ عُمْرَهُ ))، وَثَبَتَ أنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيدٍ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( وَاللَّهِ: لَمَشْهَدٌ شَهِدَهُ رَجُلٌ يُغَبِّرُ فِيهِ وَجْهَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ وَلَوْ عُمِّرَ عُمُرَ نُوحٍ ))، وجاءَ في بيانِ عِظَمِ فضلِ نفقَةِ الصحابَةِ اليسيرَةِ معَ رسولِ اللهِ، ما صحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ )).

فوجَبَ علينا: أنْ نَحذَرَ مِن المجالِسِ والمُحاضراتِ والأشرطَةِ والفضائِياتِ ومواقِعِِ الإنترنتِّ التي تخوضُ فيما شَجَرَ بينَ الصحابَةِ مِن خِلافِ، حتَّى ولو لبَّسوا علينا وجعلوا كلامَهُم هذا باسْمِ التاريخِِ ومعرفتِهِ، فلا يُنظرُ إليها، ولا يُستَمعُ لَهَا، ولا يُجلَسُ لِلمُتكلِّمينَ فيها، ولا تُقرَأُ في المواقِعِ، ولا تُرْسَلُ مقاطِعُها الصَّوتِيَّةُ والمكتوبَةُ عبْرَ برامجِِ التواصُلِ الاجتماعِيِّ والهواتفِ، لأنَّ هذا الفِعلَ: قد يُفضِي إلى بُغْضِ أحدٍ مِن الصحابَةِ أوِ الوقيعَةِ فيهِ أوْ تحريشِ الجُهَّالِ عليهِ، وتَحصُلُ لِفاعِلِهِ الهلَكَةُ والخُسْرانُ، ويَبُوءُ بالإثْمُ العظيمُ الكُبَّارُ، ويَقَعُ في الضَّلالِ المُبِينِ، وقدْ نَقلَ الإمامُ ابن بَطَّةَ ــ رحمَهُ اللهُ ــ في كتابِ “الإبانَةِ الصُّغرى”: «اتفاقَ سادَاتِ علماءِ هذهِ الأُمِّةِ على ترْكِ النَّظرِ في الكتبِ التي تتكلَّمُ فيما شَجرَ بينَ الصحابَةِ مِن خِلافٍ».

الأصلُ الثالثُ: التَّمسُّكُ بما كانَ عليهِ الصحابَةُ مِنَ العِلْمِ والعملِ، والعقيدَةِ والمَنهَجِ، والفِقهِ والفَهْمِ، ومُتابَعَتُهُم فيهِ، مِمَّا صَحَّتْ بِهِ الآثارُ عنهُم.

فَتُفْهَمُ آياتُ القرآنِ والأحاديثُ النَّبوِيَّةُ على ضَوءِ ما فهَمُوهُ، ولا يُخرَجُ بها عن أقوالِهِم، ويُتابَعُونَ في الاعتقادِ والقولِ والفِعلِ والترْكِ في جميع أبوابِ الشريعَةِ، لأنَّهُم ــ رَضِيَ اللهُ عنْهُم ــ: شَهِدوا نُزولَ القرآنِ، وتلقَّوا أحاديثَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأحكامَ الشريعَةِ مُشافَهَةً مِنهُ صلى الله عليه وسلم، ووَعَوا ذلِكَ وحَفِظوهُ، وعرَفُوا تفسيرَهُ ومعناهُ، فإنْ اعتقدوا أوْ تكلَّموا أوْ عمِلوا أوْ كَفُّوا وهَجَروا فعَن عِلمٍ وعلى هُدًى، وقد دَلَّ القرآنُ على تقريرِ هذا الأصلِ العظيمِ، حيثُ قالَ اللهُ تعالى: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }، فجَعلَ اللهُ سُبحَانَهُ في هذهِ الآيَةِ: الصحابَةَ متبوعِينَ في الدِّينِ، وأثنَى على مَن بعدَهُم باتِّباعِهِم لَهُم، ووعَدَهُم معَ مَنِ اتَّبَعَهُم إلى يومِ القيامَةِ بِرضَاهُ عنهُم، والخُلودِ في الجنَّةِ.

وما ضلَّ مَن ضلَّ مِنَ الفِرَقِ، ولا انحرَفَ مَن انحرَفَ مِنَ الجماعاتِ، ولا زَاغَ مَن زَاغَ مِنَ النَّاس: إلا حِينَ استَقلَّ بفهمِهِ لِلنُّصوصِ الشَّرعِيَّةِ، وخرَجَ عن فُهْمِ الصحابَةِ لِمعنَاهَا، وما كانوا عليهِ معَهَا مِن القولِ والعملِ، والفِعلِ والترْكِ، وقدْ كانتْ أوَّلُ جُملَةٍ ذَكرَها الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ ــ رحمَهُ اللهُ ــ في رسالتِهِ “أُصولِ السُّنَّةِ” أنْ قالَ: «أُصولُ السُّنَّةِ عندَنا: التَّمسُّكُ بما كانَ عليهِ أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، والاقتِداءُ بِهِم».

فاللهمَّ: اجعلنا مِمَّن يُحِبُّ الصحابَةَ حُبًّا كثيرًا، ويوقِّرُهُم، ويَتَرضَّى ُ، ويَستغفِرُ لَهُم، ويسيرُ على طريقِهِم، إنَّكَ سميعٌ مُجيبُ.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ مُعزِّ أوليائِهِ، ومُحِبِّ أهلِ طاعتِهِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وأفضَلُ خلْقِهِ، اللهمَّ فصَلِّ وسَلِّمْ وبارِكْ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وأتْباعِهِ.

أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:

فاتقوا اللهَ ربَّكُم بامتثالِ أوامرِهِ، واجتنابِ ما نَهَى عنهُ، وتَودَّدوا إليهِ بالإكثارِ مِنَ الصالِحاتِ، والمُسارَعَةِ إلى الخيراتِ، ولُوذُوا بجنابِهِ العظيمِ مُتذَلِلينَ خاشِعينَ خائِفينَ مُنكَسِرينَ تائِبينَ مِن ذُنوبِكُم مُستغفِرينَ، تَنالُوا مغفرتَهُ وعفوَهُ ورحمتَهُ، وتفوزوا برضَاهُ وثوابِهِ ونعيمِهِ وجنَّتِهِ، وتكونوا مِنَ المُفلِحينَ المُتَّقِينَ الذين لا خوفٌ عليهِم ولا هُم يَحزنون، فقدْ قالَ اللهُ ــ جلَّ وعلا ــ آمِرًا لَكُم ومُبشِّرًا: { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ }، وقالَ سُبحَانَهُ: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا }.

هذا، وأسألُ اللهَ: أنْ يُجنِّبنا الشِّركَ والبِدَعَ والمعاصِيَ، وأنْ يَرزُقَنا لُزومَ التوحيدِ والسُّنَّةِ إلى المماتِ، اللهمَّ: اغفرْ لَنَا ولأهلِينا ولِلمُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ أحياءً وأمواتًا، وسَدِدِ الوُلَاةَ ونُوابَهُم وعُمَّالَهُم وجُندَهُم إلى مَراضِيكَ، إنَّكِ سميعُ الدُّعاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.