إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > التربية > خطبة مكتوبة بعنوان: « وفي أنفسكم أيها الناس أفلا تبصرون »، ملف: [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « وفي أنفسكم أيها الناس أفلا تبصرون »، ملف: [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 24 مارس 2022
  • 6٬821
  • إدارة الموقع

وفي أنفسكم أيها الناس أفلا تبصرون

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ ذِيِ المحامِدِ كُلِّهَا، أحمَدُهُ على نِعَمهِ الغِزَارِ، وأشكُرُه على خيراتِهِ الكِثارِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ الواحِدُ القهَّار، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ الصادقُ المُصَدَّقُ المُختَار، فصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ وباركَ عليهِ في جميعِ الأدْهارِ، وعلى آلِهِ الأطهارِ، وأصحابِهِ الأخيارِ.

أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:

فاتقوا اللهَ خالقَكُم، وأكثروا مِن شُكرِهِ على نعَمهِ الظاهرَةِ والباطنَةِ، والمُتتابعَةِ المُتزايدَةِ، فقدْ قالَ سُبحانَهُ مُمتنًّا عليكُم: { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ }، وقالَ تعالى: { وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا }، وإنَّها واللهِ نِعَمٌ قدْ عمَّتْ كُلَّ أحدٍ، وشمِلتْ مَن في البَرِّ والبحرِ والجَوِّ، وتنعَّمَ بها الصغيرُ والكبيرُ والأُنْثى والذَّكرُ والضعيفُ والقويُّ والفقيرُ والغَنيُّ والمريضُ والصَّحيحُ والحاكمُ والمَحكومُ، ومَن يعيشُ في المُدُنِ والقُرى والأريافِ والبوادِي والكُهوفِ والمغارَاتِ والفَلاةِ، فكونوا للهِ مِن الشاكِرينَ لِتدُومَ النِّعَمُ، فقدْ قالَ اللهُ ــ جلَّ وعلا ــ واعدًا لكَُم ومُتوَعِّدًا:{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ }.

عبدَ اللهِ أيُّها المُؤمِنُ بربِّهِ:

إنْ كُنتَ: تُؤمن باللهِ، فلَهُ تَركعُ وتَسجدُ، ووحْدَهُ تَدعو وتَستغيثُ، ولَهُ تَذبحُ وتَنذرُ، فغيرُكَ مُشرِكٌ كافرٌ، يَعبُدُ نبيًّا أوْ ثَنًا أوْ يَسجدُ لِنارٍ أوْ شمسٍ أوْ يَعبُدُ بقرَةً، أو يَدعو ويَستغيثُ بِوَلِيٍّ صالح مخلوقٍ مِثلِهٍ، يطلبُ مِنهُ الفرَجَ والمَدَدَ وزوَالَ الشدائدِ أوْ يطوفُ على قبرِهِ ويَذبحُ لَهُ ويَنذُرُ.

وإنْ كُنتَ: لا تطلُبُ الشِّفاءَ إلا من اللهِ، فغيرُكَ يَطلبُهُ مِن الأولياءِ أوِ السَّحرِةِ أوِ الكهَنةِ أوِ الدَجَّالِينَ والمُشعوِذِينَ.

وإنْ كُنتَ: لا تحلِفُ إلا باللهِ، فغيرُكَ يَحلِفُ بنبيٍّ أوْ ولِيٍّ صالحٍ أوِ الكعبَةِ أوْ شَرَفٍ أوْ أبٍ أوْ أمٍّ أوْ جَاهِ مخلوقٍ أو ذِمَّةٍ أوْ أمانَةٍ.

وإنْ كُنتَ: تَسمعُ فغيرُكَ لا يَسمعُ، وإنْ كُنتَ تُبصِرُ فغيرُكَ لا يُبصِر، وإنْ كُنتَ تذهبُ وتَعودُ على قدَميكَ فغيرُكَ لا يِتحرَّكُ، وقدْ يَتبوَّلُ على نفسِهِ ويَتغوَّطُ، غيرُهُ قائِمٌ عليهِ ولا يقومُ إلا بهِ، وأنتَ قائِمٌ على نفسِكَ بنفسِكِ.

وإنْ كُنتَ: تَعبدُ اللهَ على علمٍ وبَصيرَةٍ، تَعرِفُ التوحيدَ مِنَ الشِّركِ، والسُّنَّةَ مِنَ البِدْعَةِ، والحلالَ مِنَ الحرامِ، والشروطَ مِنَ الأركانَ، والواجِبِ مِنَ المَسنونِ، فغيرُكَ يَعبدُ اللهَ على جهلٍ، فيقعُ في الشِّركياتِ والبِدَعِ أوْ يقعُ فيما يُبطلُ عبادتَهُ أو يُنقِصُ أجْرَهَا، تَراهُ عارِفًا بصيرًا بأمورِ عملِهِ وتجارتِهِ ومِهنَتِهِ وتَخصُّصِهِ وأحداثِ العالَمِ وما يَجرِي حولَهُ، لكنَّهُ ضعيفُ العلمِ في دِينِهِ، ضعيفُ التحصيلِ في فقهِ عبادَتِهِ التي خلَقَهُ اللهُ مِن أجْلِهَا.

وإنْ كانَ لكَ: عَقلٌ تَعرِفُ بِهِ ما يُصلِحُ نفسَكَ ومَن تَعولُ، وما يُصلِحُ دُنياكَ وأُخْرَاكَ، فغيرُكَ مجنونٌ، إمَّا في مَشْفًى يَعيشُ أوْ في غُرفَةٍ حبَسَهُ أهلُهُ أوْ في الطُّرقاتِ يُؤذِي ويَهذِي أوْ يُؤذَى مِن صِبْيَةٍ صِغارٍ ضَعُفتْ تَربِيَتُهُم وعقولُهُم، أوْ أضعَفَتْ عقلَهُ وأنهكَتْهُ الوساوسُ فلا يَهدأُ مِنها قليلًا إلا بأدوِيَةٍ نفسيَّةٍ، وأهلُهُ ومَن حولَهُ معَهُ في مُعاناةٍ.

وإنْ كُنتَ: آمِنًا في مَوطِنِكَ ومَسكنِكَ ومَسجِدِكَ ومَقرِّ عملِكَ ومَركبِتِكَ، وفي ذهابِكَ وإيابِكَ، فغيرُكَ لا أمْنَ عندَهُ، يَخافُ على نفسِهِ وأهلِهِ، فبالأمسِ كانَ القتيلُ ولدَهُ، واليومَ قُتِلَ أخوهُ، وغدًا لا يَدرِي أنفسُهُ الذَّاهِبَةُ أمْ أحَدٍ مِن أهلِهِ.

وإنْ كُنتَ: تملِكُ مالًا مِن تجارَةٍ أوْ إرْثٍ أوْ وظيفَةٍ أوْ تقاعُدٍ تأكلُ بِهِ وتَشربُ وتَسكنُ وتلبسُ وتركبُ وتتصدَّقُ وتُهاتِفُ وتَتنعَّمُ، فغيرُكَ لا مالَ لهُ، فهوَ إمَّا مُعاقٌ لا يَقوى على الكسْبِ ولا دولَةَ تَرْعاهُ، أوْ أتلفَتْ قذائِفُ السلاحِ مَتجَرَهُ، أوْ جاء سَيلٌ أوْ إعصارٌ فأذهبَ محصولَ مزرعَتِهِ، أوْ دَكَّ زِلزالٌ أرضَهُ فلمْ يُبْقِ لَهُ مسكنًا ولا مالًا ولا طعامًا ولا عِيالًا، أوْ لمْ يَجِد عملًا لنفسِهِ لا في مَوطِنه ولا في غيرهِِ، أوْ يَجدُ يومًا ولا يَجدُ أُسبُوعًا، أوْ يَسْعَى في أسبابِ الرِّزقِ مِن أوَّلّ النَّهارِ إلى الليلِ ثُمَّ لا يَكفِي ما حصَّلَهُ إلا لِسَدِّ جُوعِ بطِنهِ وبَطنِ ولَدِهِ، ويَنامُ وهوَ يَحمِلُ هَمَّ غَدِهِ، وهَمَّ علاجِ ولَدِهِ المريضِ، وهَمَّ دواءِ أبيهِ أوْ أُمِّهِ، أوْ هَمَّ كِسوَةِ أهلِهِ، أوْ أصابَ أرضَهُ القَحْطُ وانحِباسُ المطرِ وحَلَّتِ المجَاعَةُ بِبَلَدِهِ وانتشرَتِ الأمراضُ والأوبِئَةُ، وَيَرى صِغَارَهُ وأهلَهُ يَبكونَ مِن ألَمِ الجوعِ والمرضِ أوْ يتساقطونَ موتًا واحدًا إثْرَ واحدٍ، وهوَ جريحُ القلبِ دامِعُ العَينِِ مُنكسِرُ الحالِ لا يَقوى على فِعلِ شيءٍ لَهُم.

وإنْ كُنتَ: تَملِكُ دارًا تأوِي إليها وتَباتُ فيها أنتَ وَمَن تَعولُ، وقدْ قَرَّت عُيونُكُم، وسَكنَتْ نُفوسُكٌم، ونِمتُم وأنتُم تضحكونَ وتَمرْحونَ، أوْ كانتْ عندَكَ دراهِمٌ  أوْ لَكَ أُجْرَةٌ وراتِبٌ بِهِ تَستأجِرُ دارًا، فغيرُكَ لا مَسكنَ لَهُ، ولا وظيفَةَ تَكفيهِ، ولا مالَ عندَهُ يُؤوِيهِ ويُؤوِي أهلَهُ، بلْ قدْ يعيشُ في العرَاءِ مشرَّدًا، أخرَجَتهُ الحرْبُ وذخائِرُ السلاحِ مِن منزلِهِ أوْ بَلَدِهِ، وقدْ كانَ مِن قبْلُ ساكِنًا آمِنًا مُطمَئِنًّا، أوْ جاءَ صاروخٌ أو قذيفَةٌ فجعلَتْ منزلَهُ دَكًّا أوِ حَلَّ زِلزالٌ فنَسَفَ دارْهُ نسْفًا أو جاءَ إعصَارٌ أوْ فيَضَانٌ أوْ سَيلٌ فأخرَجَهُ مِن أرضِهِ وعملِهِ ودارِهِ.

وإنْ كُنْتَ: في صِحَّةٍ وعافِيَةٍ وقُوَّةٍ ومتَانَة، تغدُوا وتَروحُ تلعبُ وتمرَحُ وتسافِرُ وتتنزَّهُ، فغيرُكَ على فراشِ المرضِ يأِنُ ويَصرُخُ منَ الألَمِ، يتمنَّى لَو أغفَى إغفاءَةَ، أو هَدَأ ألمُهُ يومًا أو ساعَةً.

وإنْ كانَت لَكَ: ذُرِّيَّةٌ وزوجَةٌ، فغيرُكَ إمَّا عزَبًا لا يَقدُرُ على مَؤنَةِ تحصينِ فرجِهِ وتسَكينِ نفسِهِ، تتجاذَبُهُ الفِتَنُ وداعياتُهًا، أو عَقيمًا تتوقُ نفسُهُ وتتعلَّقُ بِكُلِّ مُعَالجٍ ترجُو الولَدَ ابْنًا أوْ بِنْتًا.

وإنْ كُنْتَ: مُطيعًا للهِ، عاملًا بما يُرضِيهِ، مُجتَنِبًا لِمَا يُسِخِطُهُ، وما تَنتهِى مِن طاعَةٍ إلا وتَتقرَّبُ بأُخْرَى، ولا تأتِي بحسنَةٍ إلا وتَسْعَى في أُختِهَا، فَغيركُ مَحرومٌ مريضُ القلبِ يُرثَى لِحالِهِ، قد استهوَتْهُ الشياطينُ، فَمنَعَ عنِ الخيرِ حَتىَّ نفسَهُ، وغطَّتْهُ ذُنوبُهُ وآثامُهُ، فما يَنتهِي مِن معصِيَةٍ إلا وقد دخلَ في أُخْرِى، وما يَنتهِي مِن فعلِ كبيرَةٍ إلا وهوَ يُعِدُّ لِغيرِهَا، ولا أتَمَّ جريمَةً أوْ فاحِشَةً إلا ويُخطِطُ لِمَا بعدَهَا، يَضرُّ نَفسَهُ بنفسِهِ، ويُهلكُ نَفسَهُ بنفسِهِ.

وإنْ كانَت لَكَ: ذُرِّيَّةٌ قائِمَةٌ بأمْرِ اللهِ، حافِظَةُ لِحُدوِدِهِ، مُطيعَةٌ لأمرِكََ، مُبتعِدَةٌ عمَّا يُسخِطُكَ أوْ يُزرِي بِكَ عندَ النَّاسِ، قدْ رأيتَ بِرَّهَا ونفعَهَا، فغَيرُكَ لَهُ أبناءٌ أوْ بناتٌ ولكِنْ هذا قدْ أعطبَتْهُ المُخدِّراتُ، وهذا قدْ أتلَفتْهُ صُحبَةُ السُّوءِ وأهلُ الانحلالِ والشٌّذُوذِ، وهذا في السِّجنِ، وهذا ورَاءَ النساءِ، وهذا وهذِه قدْ أفسَدَ دِينَهُمَا وعقلَهُمَا أهلُ التكفيرِ والتفجيرِ والبِدَعِ والأحزابِ والجماعاتِ والتغريبِ والإلحادِ، وهذهِ قد أفسدَتْ أخلاقَها وحِجابَهَا وأفعالَهَا مُنظَّماتُ الفسادِ، ودُعاةُ الانحلالِ، وقنوَاتُ التغريبِ، وصاحِباتُ الشَّرِ والفسادِ.

وإنْ كانَتْ لَكَ: نِسوةٌ عَفِيفاتٌ مَصُوناتٌ قد مَنَّ اللهُ عليهنَّ بالسِّترِ والحِجابِ والحياءِ والطُّهرِ والعِفَّةِ، وأكرِمَهُنَّ باللِّسانِ والخُلُقِ الطيِّب، وسلَّمَهُنَّ مِمَّا يُزرِي بِكَ ويَحنِي رأسَكَ، فغَيرُكَ نِساؤُهُ كاسِياتٌ عارِياتٌ، أوْ تُصاحِبُ هذا وتجعلُهُ لَهَا رَفيقًا وخليلًا، أوْ تكونُ معَ شيطانٍ إنسِيٍّ في سيارةٍ أوْ دارٍ أوْ سفَرٍ أوْ سُوقٍ أو مُنتزَهٍ، أوْ تَعرِضُ  جمالَهَا وزِينتَهَا ومَشِينَ أفعالِهَا وأقوالِهَا في قنوَاتِ وبرامجِِ التَّواصُلِ والشُّهرَةِ والمالِ، أوْ تكونُ سبَّابَةً لعَّانَةً قبيحَةَ المنطِقِ عالِيَةَ الصوتِ بذلِكَ، جَرِيئَةً على القبائِحِ.

وإنْ كُنْتَ: تَتحرَّىَ الأكلَ والشُّرْبَ واللبُسَ والسَّكنَ والمَركبَ والسَّفرَ لِنفسِكَ وأهلِكَ مِنَ الحلالِ، فغَيرُكَ لا يُبالِي أَأَكلَ أوْ شَرِبَ أوْ لِبسَ أوْ رَكِبَ أوْ سافرَ أوْ ضَيّفَ مِن حلالٍ أوْ حرَامٍ.

وإنْ كانَ لكَ: أُبٌ أوْ أُمٌّ أو أحدَهُمَا يأمرُكَ بالصلاةِ ويُوقِظُك لأدائِهَا ويُشدِّدُ عليكَ في أمرِهَا ويُتابعُِكَ ويَتعَهَّدُكَ معَهَا، وقدْ يَضرِبُكَ ويَغضَبُ عليكَ لأجلِهَا، ويَسْعَى في تَحفيظِكَ القرآن، وتعلِيمِكَ ما يُقرِّبُكَ إلى ربِّكَ، ويُلزِمُكَ بطاعَةِ اللهِ ويَمنعُكَ عن معصِيَتِهِ، ويُبعِدُكَ عن صُحبَةِ السُّوءِ، ويُحذِّرُكَ مِن أماكنَ الفسادِ رحمَةً بِكَ، وشفقَةً عليكَ، وإحسانًا إليكَ، وخوفًا أنْ تكونَ مِن المُعذَّبينَ في الآخِرَةِ، فغَيرُكَ قدْ أهملَهُ أبوهُ وأهملَتْهُ أُمَّهُ، فلا أمَرَ بصلاةٍ ولا إيقاظَ لَهَا، ولا تحذيرَ مِن فسادٍ وفاسِدينَ ومُفسِدينَ، ولا رَدْعَ عن معصِيَةٍ، ولا مُتابَعَةٍ، بلْ يَدخُلُ ويخرُجُ ويَذهَبُ متى ما شاءَ وكيفَ شاءَ ومعَ مَن شاءَ، حتَّى فسَدَ وأفسَدَ وآذَى وعَقَّ وأتَى بالمتاعِبِ والقبائِحِ وفضَحَ وأزْرَى.

وصدقَ اللهُ القائِلُ في تَنزِيلِهِ: { أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً }.

اللهُمَّ: أطْعَمْتَ وسَْقَيتَ وأغْنَيتَ وأقْنَيتَ وهَدَيتَ وأحْيَيتَ، فلَكَ الحَمْدُ.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الملِكِ الأعلِى، وسلَّمَ على محمدٍ النَّبيِّ وآلِهِ وصحبِهِ وصَلَّى.

أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:

فقابِلُوا نِعَمَ اللهِ عليكُم بشُكرِ اللهِ المُتفضِّلِ بهَا، وبالمحافظَةِ على طاعَةِ اللهِ مُولِيهَا، واجتِنابِ نهيِهِ وما يُغضِبُهُ، وبالتوبَةِ النصوحِ، وكثرَةِ الاستغفارِ، والإقلاعِ والبُعدِ عن الآثامِ والذُّنوبِ، فإنَّهُ بهذا تُستَجلَبُ النِّعمُ، وتُدفعُ النِّقمُ، وتزولُ العُقوباتُ، وتَنشرِحُ الصدورُ، وتأتَلِفُ القلوبُ، وتَقوى الأُمَّةُ، ويَأتِي النَّصرُ، وتَحصلُ العِزَّةُ، وتذهبُ الذِّلَةُ، ويَزدادُ الأمْنُ، ويَنتشِرُ رَغدُ العيشِ، وأعظمُ مِن هذا كُلِّهِ جنَّةُ عَدْنٍ التي فيها ما لا عَينٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سمِعتْ، ولا خطرَ على قلبِ بَشَرٍ.

واعلَموا: أنَّ الذُّنوبَ مِن شِركِياتٍ وبدَعٍ ومعاصي هيَ النُّارُ المُحرِقَةُ لِلنِّعَمِ، والجالِبَةُ للذُّلِ والهَوانِ والتسلُّطِ، وهلْ في الدُّنيا والآخِرَةِ شَرٌ ودَاءٌ إلا وسبَبُهُ الذُّنوبُ والمعاصِي، وصدقَ اللهُ القائِلُ: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ }.{ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ }.

اللهمَّ: أعِنَّا على ذِكرِكّ، وشُكرِكَ، وحُسنِ عبادَتِك، اللهمَّ: لا تُهلِكْنَا بذُنوبِنَا، ولا تُلهِنَا بدُنيَانا عنِ الآخِرَةِ، وقوِّنَا بالتوحيدِ والسُّنَّةِ، وباعِدْ بينَنَا وبينَ الشِّركِ والبدَعِ والمعاصِي ودُعاتِهَا وقنواتِهَا وأماكنِهَا، اللهمَّ: اغفِرْ لَنَا ولِأهلِينَا ولِلمُؤمِنينِ والمُؤمِناتِ أحياءً وأمواتًا، إنَّكَ سميعٌ مُجِيبٌ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.