إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > العقيدة > خطبة مكتوبة بعنوان: « أمور اتفق وأجمع العلماء على تحريمهاكالشرك والبدع والدعاء بالرحمة للميت الكافر والموسيقى والغناء والسفر بلا محرم »، ملف: [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « أمور اتفق وأجمع العلماء على تحريمهاكالشرك والبدع والدعاء بالرحمة للميت الكافر والموسيقى والغناء والسفر بلا محرم »، ملف: [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 2 يونيو 2022
  • 4٬506
  • إدارة الموقع

أمور اتفق العلماء على تحريمها كالشرك والبدع والدعاء بالرحمة للميت الكافر والموسيقى والغناء والسفر بلا محرم

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ العالِمِ بما يُصلِحُ عبادَهُ في جميعِ الأزمانِ، الزَّاجِرِ لَهُم عن جميعِ المَضَارِّ والقِباحِ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على النبيِّ محمدٍ المَبعوثِ رحمَةً لِلعالَمينَ بشريعَةٍ لا أصلَحَ مِنها لِلمخلوقِينَ، وعلى الآلِ والأصحابِ فالتابِعينَ.

أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:

فإنَّ الشِّرْكَ هوَ: صرْفُ العبادَةِ أو شيءٍ مِنها لِغيرِ اللهِ حتَّى ولَو كانتْ عبادَةً واحِدَةً، كالدُّعاءِ، والشِّرْكُ مُحرَّمٌ بنصِّ القرآنِ والسُّنَّةِ النَّبويَّةِ واتِّفاقِ العلماءِ، ومِنَ الأُمورِ الواضِحِ تَحرِيمُهُا في الدِّينِ، ومعَ ذلِكَ فقدْ وُجِدَ كثيرونَ يَفعلُونَهُ، وتَسمَعُهُم يَدعُونَ غيرَ اللهِ معَ اللهِ، فيقولونَ: “فرِّجْ عَنَّا يا رسولَ اللهِ، مَدَد يا بدَوِيُّ، أغِثنَا يا جَيلانِيُّ، اشْفِنَا يا حُسينُ، شيئًا للهِ يا سَيدَّةُ، ووُجِدَ أئِمَّةُ ضَلالٍ يُفتونَهُم بجوازِهِ ويَدعونَهُم إليهِ ويُشارِكونَهُم فيهِ معَ أنَّ اللهَ تعالَى قالَ آمِرًا وزاجِرًا: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا }، وقالَ سُبحانَهُ ناهِيًا: { فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا }، وقالَ تعالَى مُتَوعِّدًّا: { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ }، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ آمِرًا وزاجِرًا: (( اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ مُتوعِّدًّا: (( مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ ))، وقالَ الفقيهُ سليمانُ بنُ عبدِ اللهِ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «نَصَّ العلماءُ مِن أهلِ المذاهبِ الأربعَةِ وغيرِهِم على: أنَّ مَن أشرَكَ باللهِ فهوَ كافرٌ، أي: عَبدَ معَ اللهِ غيرَهُ بنوعٍ مِن أنواعِ العبادَاتِ، وقدْ ثبتَ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماع: أنَّ دعاءَ اللهِ عبادَةٌ لَهُ، فيكونُ صْرفُهُ لِغيرِ اللهِ شِركًا».

أيُّها النَّاسُ:

إنَّ إحدَاثَ وفِعلَ البدَعِ في الدِّين: مُحرَّمٌ بنصِّ السُّنةِ النَّبويَّةِ واتِّفاقِ العلماءِ، ومِنَ الأُمورِ الواضِحِ تَحرِيمُهَا في الدِّينِ، ومعَ ذلِكَ فقدْ وُجِدَ كثيرونَ يُحدِثُونَ البِدَعَ ويفعلونَهَا، ووُجِدَ أئِمَّةُ ضَلالٍ يُفتونَهُم بجوازِ ذلِكَ ويَدعونَهُم إليهِ ويُشاركُونَهُم فيهِ، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يقولُ في حُطَبِهِ مُرَهِّبًا مِن البِدَعِ ومُحرِّمًا لَهَا: (( إنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ في وَصِيَّتِهِ الوَدَاعِيِّةِ: (( إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ))، وقالَ الفقيهُ السِّجْزيُّ الحَنفيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «لا خِلافَ في أنَّ الأُمَّةَ ممنوعونَ مِن الإحدَاثِ في الدِّينِ»، وقالَ الفقيهُ ابنُ تيمِيَّةَ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «البِدَعُ أعظمُ مِن المعاصِي بالكتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ الأُمَّةِ».

أيُّها النَّاسُ:

إنَّ الدُّعاءَ لِلكافرِ المَيِّتِ بالمغفرَةِ والرَّحمَةِ والصلاةِ عليهِ: مُحرَّمٌ بنَصِّ القرآنِ والسُّنَّةِ النَّبويَّةِ واتِّفاقِ العلماءِ، ومِنَ الأُمورِ الواضِحِ تَحرِيمُهَا في الدِّينِ، ومعَ ذلِكَ فقدْ وُجِدَ كثيرونَ يفعلونَهُ، ووُجِدَ أئِمَّةُ ضَلالٍ يُفتونَهُم بجوازِهِ ويَدعونَهُم إليهِ ويُشاركُونَهُم فيهِ، وقدْ قالَ اللهُ تعالى ناهِيًا عنهُ: { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ }، وقالَ سُبحَانَهُ زاجِرًا: {  مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى }، وقالَ تعالَى عن عدَمِ قَبولِهِ الخيرَ الذي عمِلَهُ الكفارُ في دُنياهُم: { وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ }، وأخرجَ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ أنَّهُ لَمَّا ماتَ أبو طالِبٍ عَمُّ رسولِ اللهِ، قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((«أَمَا وَاللهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»، فَأَنْزَلَ اللهُ: { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى } ))، وأخرجَ الإمامُ مُسلِمٌ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي ))، وقالَ الفقيهُ النَّوَوِيُّ الشافِعيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «الصلاةُ على الكافرِ والدٌّعاءُ لَهُ بالمغفرَةِ حرامٌ بنصِّ القرآنِ والإجماع»، وقالَ الفقيهُ ابنُ تَيمِيَّةَ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «الاستغفارُ لِلكفارِ لا يجوزُ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ»، وقالَ الفقيهُ النَّفرَاوِيُّ المالِكيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «حُرْمَةُ الاستغفارِ لِلكافرِ بعدَ موتِهِ مُجْمَعٌ عليها، ولَو لِلأبَوَينِ»، والاستغفارُ: دُعاءٌ بالمغفِرَةِ والرَّحْمَةِ.

أيُّها النَّاسُ:

إنَّ سَمَاعَ المُوسِيقَى والعَزْفَ على آلاتِها: مُحرَّمٌ بنصِّ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ واتِّفاقِ العلماءِ، ومِنَ الأُمورِ الواضحِ تَحرِيمُهَا في الدِّينِ، ومعَ ذلِكَ فقدْ وُجِدَ كثيرونَ يَفعلونَهُ، ووُجِدَ أئِمَّةُ ضَلالٍ يُفتونَهُم بجوازِهِ ويَزعُمونَ كذِبًا أنَّ العلماءَ اختلفوا في تحريمِهِ، حيثُ قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مُرَهِّبًا وزاجِرًا: (( لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ: الحِرَ وَالحَرِيرَ وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ ))، وهو حديثٌ صحيحٌ، صحَّحَهُ عشرَاتُ أوْ مِئاتُ الأئِمَّةِ والمُحدِّثينَ، والمَعازِفُ هِيَ: آلاتُ المُوسِيقَى، وقُرِنَ تَحرِيمُهُا واستِحْلالُهَا معَ استِحْلالِ الزِّنَى والخَمْرِ والحَريرِ، وجاءَ بإسنادٍ صحيحٍ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ: الْخَمْرُ، وَالْمَيْسِرُ، وَالْكُوبَةُ ))، والكُوبَةُ هِيَ: الطَّبْلُ، وقالَ الفقيهُ ابنُ رجَبٍ الحنبلِيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «وأمَّا استِماعُ آلاتِ المَلاهِي المُطْرِبَةِ فمُحَرَّمٌ مُجْمَعٌ على تحريمِهِ، ولا يُعلَمُ عن أحَدٍ مِنهُم الرُّخْصَةُ في شيءٍ مِن ذلِكِ، ومَن نَقلَ الرُّخْصَّةَ فيهِ عن إمامٍ يُعتَدُّ بِهِ فقدْ كذَبَ وافترَى»، ونَقلَ الإجماعَ أيضًا على التحريمِ: عشراتُ الأئمَّةِ مِن الفقهاءِ والمُحدِّثين مِن مُختلِفِ العُصورِ والبُلدانِ والمذاهبِ.

أيُّها النَّاسُ:

إنَّ الغِنَاءَ المشهورَ المعروفَ في أيِّامِنَا هذهِ والأيِّامِ التي قبْلَهَا: الذي يُهيِّجُ الطِّبَاعَ، ويُثيرُ الهَوى، ويَدعو إلى الفُسوقِ والرَّذيلَةِ، بِذِكْرِ النِّساءِ والحُبِّ والعِشْقِ والغَرَامِ وأوصافِ النِّساءِ والقُبَلِ والعِنَاقِ، مُحرَّمٌ بنصِّ القرآنِ واتفاقِ العلماءِ، ومِنِ الأُمورِ الواضِحِ تَحرِيمُهَا في الدِّينِ، فإنْ كانَ معَهُ صُوَرٌ وأفعَالٌ وعورَاتٌ مُحرَّمَةٌ أوْ مُوسِيقَى كانَ التحريمُ أشدَّ وأغلَظَ، ومعَ ذلِكَ فقدْ وُجِدَ كثيرونَ يَفعلونَهُ، ووُجِدَ أئِمَّةُ ضَلالٍ يُفتونَهُم بجوازِهِ ويَزعُمونَ كذِبًا أنَّ العلماءَ اختلفوا في تحريمِهِ، وقدْ قالَ اللهُ عن هذا الغِناءِ: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ }، وصحَّ أنَّ الصحابِيَّ ابنَ مسعودٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ كانَ يُقْسِمُ بِرَبِّهِ على أنَّ المُرَادَ بَلَهْوِ الحديثِ في هذهِ الآيةِ: الغِناءُ، فيقولُ: (( هُوَ وَاللهِ: الغِنَاءُ ))، ووَجْهُ تحريمِ الغِناءِ مِن هذهِ الآيَةِ: أنَّ اللهَ سَمَّى الغِناءَ لَهْوًا، وجعَلَهُ مِن اللَّهوِ المُضِلِّ عن سبيلِهِ، ولا يكونُ هذا الوصْفُ إلا في حقِّ شيءٍ مُحرَّمٍ شديدِ التحريمِ، وقالَ الفقيهُ أبو العبَّاسِ المالِكيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ وغيرُهُ مِن العلماءِ: «الغناءُ المُعتادُ عند المُشتهرِينَ بِهِ، الذي يُحرِّكُ النُّفوسَ، ويَبعثُها على الهَوَى والغَزَلِ والمُجُونِ، الذي يُحرِّكُ السَّاكِنَ، ويَبعَثُ الكامِنَ، وهذا النَّوعُ إذا كان في شِعْرٍ يُشَبَّبُ فيهِ بِذكرِ النِّساءِ ووصْفِ محَاسِنِهنَّ وذِكِر المُحرَّماتِ: لا يُختَلَفُ في تحريمِهِ، لأنَّهُ: اللَّهوُ واللَّعبُ المَذمومُ بالاتفاق»، وأمَّا إذا كانَ الغناءُ مِن امرأَةٍ: كانَ أشدَّ وأغلَظَ في التحريمِ باتِّفاقِ العلماءِ، لأنَّ اللهَ نَهَى النساءَ عن الخُضُوعِ بالقولِ، والغِناءُ مِن أشَدِّ أنواعِ الخُضُوعِ، فقالَ اللهُ سُبحانَهُ: { فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ }، وقالَ الفقيهُ الطَّرْطُوشِيُّ المالِكيَّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «وأمَّا سماعُهُ مِن المرأَةِ فكُلهُ مُجْمَعٌ على تَحرِيمِهِ».

{ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ العالِمِ بالبواطِنِ والظواهِرِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ الحليمُ الغافِرِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ المبعوثُ بالإسلامِ الظاهِرِ.

أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:

فإنَّ سَفرَ المَرأَةِ مِن غيرِ مَحْرَمٍ: لا يجوزُ بنصِّ السُّنَّةِ النَّبويَّة واتِّفاقِ العلماءِ، ومعَ ذلِكَ فقدْ تساهَلَ فيهِ كثيرونُ، حيثُ أخرجَ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ  ))، ومَسِيرَةُ اليومِ: تقرُبُ مِن ثمانِينَ كِيلو مِتر، وإنَّما اختلَفَ العلماءُ في سفرِ المرأَةِ لِحَجِّ الفريضَةِ، وعُمرَةِ الفريضَةِ عندَ مَن يُوجِبُ العُمرَةِ، إذا لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا لَهَا، وأمَّا باقِي الأسفَارِ: فقدْ نُقِلَ اتِّفاقُ العلماءِ وإجماعُهُم على تَحرِيمِهِ، واستَثْنَوا بعضَ المواضِعِ لِلضَّرورَةِ، ودَفْعِ الشَّرِ والفسادِ الأعظَمِ، وقالَ القاضِي عِياضٌ المالِكيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «لمْ يَختلِفوا ــ أي: العلماء ــ أنَّهُ ليسَ لَهَا أنْ تَخرجَ في غيرِ فرْضِ الحَجِّ إلَّا معَ ذِي مَحْرَمٍ»، وقالَ الفقيهُ ابنُ حَجَرٍ العَسقلانِيُّ الشافِعيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «عدمُ جوَازِ السَّفرِ بلا مَحْرَمٍ هو إجماعٌ في غيرِ الحجِّ والعُمرَةِ»، وقالَ الفقيهُ ابنُ قاسمٍ الحنبلِيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «أجمَعوا ــ يَعنِي: العلماء ــ على عدَمِ جوازِ السَّفرِ لِلمرأَةِ بلا مَحْرَمٍ في غيرِ الحَجِّ والعُمرَةِ»، بلْ وحتَّى الحَجَّ، فالصَّحِيحُ أنَّ المرأَةَ لا تُسافِرُ إليهِ إلا معَ ذِي مَحْرَمٍ، لِمَا أخرجَهُ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((«لاَ تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ»، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً، قَالَ: «اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» ))، والعُمرَةُ عندَ أكثرِ العلماءِ سُنَّةٌ ولا تجَِبُ، وصَحَّ ذلِكَ عن جمْعٍ مِنَ الصحابَةِ.

أيُّها النَّاسُ:

اتَّقوا اللهَ بفِعلِ ما فرَضَهُ عليكُم، واجتِنابِ ما حرَّمَ أنْ تَفعلوهُ، والتكميلِ بفِعلِ السُّنَنِ والفضائِلِ والمَكارِمِ والآدابِ، واعلَمُوا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يَمُتْ إلا وقدْ ترَكَنَا على دِينٍ كامِلٍ واضِحٍ، كأنَّ وضُوحَهُ نَهارٌ، إذْ صحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ ))، وقالَ اللهُ تعالَى: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا }، ولقدْ خافَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم علينا صِنْفًا مِنَ النَّاسِ فخافوهُم على دِينِكُم، فصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ مُرهِّبًا لَنَا: (( إِنِّي لَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي إِلَّا الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ ))، والأئِمَّةُ المُضِلُونَ، هُم: الدُّعَاةُ إلى الشِّركِيَّاتِ والبِدَعِ والضَّلالاتِ والفِسْقِ والفُجورِ والمُحرَّماتِ عن طريقِ تحريفِ نُصوصِ شريعَةِ اللهِ، وتبدِيلِ معانِيهَا، والكذِبِ في العلمِ، وعلى العلماءِ، والقولِ في دِينِ اللهِ بالهَوَى، وما يُريدُهُ النَّاسُ والأحزابُ والجماعاتِ.

هذا، وأسألُ اللهَ الكريمَ: أنْ يُعِينَنَا على الاستمرارِ على الإكثارِ مِن طاعتِهِ إلى ساعِةِ الوفِاةِ، وأنْ يَقِيَنَا شَرَّ أنفُسِنَا، وشَرَّ أعدَائِنَا، وشَرَّ الشيطانِ، اللهمَّ: اغفِرْ لَنَا ولأهلِينَا ولِجميعِ المُؤمِنينَ والمُؤمِناتٍ أحياءً وأمواتًا، اللهمَّ: ارفَعِ الضُّرَّ عنِ المُتضرِّرينَ مِن المُسلِمينَ في كُلِّ مكانٍ، ووَفِّقْ الحُكَّامَ ونُوَّابَهُم وجُندَهُم لِمراضِيكَ، وتُبْ علينا إنَّكَ أنتَ التوابُ الرَّحيمُ، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولَكُم.