إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > خطبة مكتوبة بعنوان: « بعض المظاهر السيئة في بيوع الناس ومعاملاتهم المالية »،ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « بعض المظاهر السيئة في بيوع الناس ومعاملاتهم المالية »،ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 15 مارس 2015
  • 10٬032
  • إدارة الموقع

بعض المظاهر السيئة في بيوع الناس ومعاملاتهم المالية

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي أحَلَّ الحلالَ وبيَّنَ طريقَهُ، وبالطيِّباتِ أمَرَ، وحرَّمَ الحرَامَ وأوضَحَ سبيلَهُ، وعنِ الخبائِثِ زجَرَ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، بَيَّنَ لِلناسِ أحكامَ ما يَحتاجونَ إليهِ في حياتِهِم، فصَلَّى اللهُ وسلَّمَ عليهِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ، ما لَيلٌ أدْبَرَ، وصُبْحٌ أسْفَرَ.

أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:

فاتقوا اللهَ ربَّكُم في بيعِكُم وشرائِكُم، وفيما تكسِبونَ وتأكلونَ وتُطعِمونَ وتُنفِقونَ وتَدَّخِرونَ، واتقوهُ في جميع عُقودِكُم ومُعاملاتِكُم، فقدْ قالَ سُبحانَهُ: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ }، واعلَموا أنَّ تقواكُم لِربِّكُم لا تَتِمُّ إلا باتِّباعِ شَرعِهِ في العبادَاتِ فيما بينَكُم وبينَهُ، وفي المُعاملاتِ فيما بينَكُم وبينَ خلقِهِ، وذلِكَ بأنْ تُوقِعُوهَا على الوُجوهِ الشرعيَّةِ، والطُّرقِ الصَّحيحَةِ المَرْضِّيَةِ، وتُجنِّبُوهَا الغِشَّ والكذِبَ والخِداعَ والتدلِيسَ والتغرِيرَ، فقدْ قالَ تعالى زاجِرًا لَكُم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ }، وثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ))، وأوجَبَ اللهُ عليكُم في المُعاملاتِ مِن بَيعٍ وشِراءٍ وإجارَةٍ وصِيانَةٍ وعلاجٍ وعُقودٍ وأعمالٍ الصِّدقَ والبَيانَ، ونهاكُم عنِ الغِشِّ والخَديعَةِ والكِتمانِ والتغرِيرِ والتدلِيسِ والتلبيسِ معَ النَّاسِ جميعًا، وقدْ صحَّ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟، قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي ))، فمَن كَتَم عَيبًا في سِلعَةٍ وبِضَاعَةٍ وعَرَضٍ، أوْ خَدَعَ في حِرفَتِهِ وصناعَتِهِ وصِيانَتِهِ، أوْ تلاعَبَ في تطبيبِهِ وعلاجِهِ وأدوِيَتِهِ وتحالِيلِهِ، أوْ دلَّسَ في ثمَنٍ أوْ وصْفٍ أوْ شُروطِ عقْدٍ وصَفقَةٍ ومُناقَصَةٍ، أو كذَبَ في إظهارِ وصْفٍ يُرَغِّبُ وهوَ على غيرِ صَفَتِهِ، فهوَ غاشٌ، والغاشُّ لِلنَّاسِ مُرتكِبُ لِذّنْبٍ مِنَ الكبائِرِ، وتبرَّأَ مِنهُ سَيِّدُ المُرسَلِينَ وعابَهُ وقبَّحَهُ وحقَّرَهُ.

أيُّها المُسلِمونَ:

صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا ))، وقد دَلَّ هذا الحديثُ على: أنَّ الصِّدقَ والبيانَ واجِبٌ في البيعِ والشِّراءِ، ومُوجِبٌ لِلبرَكَةِ والخيرَ والنَّماءَ في البيعِ والمالِ والتِّجَارَةِ، وأنَّ الكذِبَ والكِتمَانَ مُحرَّمٌ، وماحِقُ لِبرَكَةِ البيعِ والمالِ والتِّجَارَةِ.

وإليكُم ــ أيُّها النَّاسُ ــ بعضُ المظاهِرِ المُظلِمَةٍ، والصُّورِ القبيحَةِ، والأعمالِ السَّيِّئَةِ التي تقَعُ مِمَّن ضَعُفَ إيمانُهُ، وغرَّهُ شيطانُهُ، ونَقَصَتْ مُراقَبَتُهُ لِرَبِّهِ وخشيَتُهُ مِنهُ، وفتحَ على نفسِهِ بابَ أكلِ الحرَامِ:

المَظهرُ الأوَّلُ: أنْ تأتيَ إلى طبيبٍ لِعلاجٍ، فترَاهُ في مُدَاوَاتِهَ ودوائِهِ ينظرُ إلى مصلحَةِ نفسِهِ، وزيادَةِ أُجْرَتِهِ ونِسبَتِهِ المالِيَّةِ، ومصلحَةِ المُستشفَى الذي يَعملُ فيهِ، والشَّرِكَةِ الدَّوائِيَّةِ التي يَكتبُ أدْوِيتَهَا، ويكتبُ ويُقرِّرُ لِلمريضِ مِن التحالِيلِ والأشِعَّةِ والأدْوِيَةِ والأجهِزَةِ والقِطَعِ مِن جهَةِ أنواعِهَا وأعدَادِهَا وكُلْفَتِهَا ما لا يُحتاجُ إليهِ أوْ ما غيرُهُ أنفَعُ مِنهُ وأجوَدَ وأرخَصُ ويُحقِّقُ المقصودَ، ويَفِي بالغرَضِ، ناهِيكَ عن زيادَةِ الكسْبِ والتكسُّبِ بلا احتياجِ وحاجَةٍ وسَببٍ مُعتبَرٍ يَسْتَحِقُّ، وذلِكَ عن طريقِ بابِ التنوِيمِ في المُستشفَى وأيامِّهِ والفُحوصَاتَ والعملياتِ، ولا فرْقَ في ذمِّ ذلِكَ كُلِّهِ وتقبيحِهِ بينَ أنْ تكونَ كُلفَةُ العِلاجِ مِن قِبَلِ شركَةِ التأمِينِ أوْ المريضَ أوِ الحُكومَةِ وبيتِ مالِ المُسلِمينَ، أو كانَ دافِعُ المالِ غنِيُّا أو فقيرًا، أوْ أنْ يكونَ المريضُ مِن بلَدِ الطبيبِ أوْ غيرِ بلدِهِ، ومِن مَعارِفِهِ أوِ الأباعِدِ، ومِن بلَدٍ غنِيَّةٍ أو فقيرَةٍ.

المَظهرُ الثانِي: أنْ تذهبَ إلى السُّوقِ لِتشتَرِيَ سِلعَةً فتَرَى البائِعَ لا ينظرُ إلا إلى مصلحَةِ متجرِهِ أوِ الدُّكانِ الذي يَعملُ فيهِ، وكيفَ يُدخِلُ عليهِ رِبْحًا أكثَرَ، وتَحْصُلُ لَهُ مِنهُ عُمولَةٌ أكبرُ، ثُمَّ هوَ يَخرجُ مِن هذهِ البَيعَةَ وقد كذَبَ على المُشترِي في أشياءٍ، أوْ غبَنَهُ في الثّمَنِ فباعَهُ بِربْحٍ فاحِشٍ، أو دَلَّسَ عليهَ بوصْفَ سِلعتَهِ بما ليسَ فيها وما لا تَستحِقُّ، أوْ ذَكرَ أنَّهَا أصلِيَةٌ وهيَ مُقلَّدَةٌ، أو أظهرَ لِلمُشتري أنُّهُ يُريدُ مصلَحتَهُ والأفضَلَ لَهُ، وهوَ في الحقيقَةِ لا يُريدُ إلا وثوقُهُ بِهِ حتَّى لا يَخرجَ مِن عندِهِ إلا وقدِ اشترَى، ورُبَّمَا زادَ معَ ذلِكَ أيمَانًا كاذِبَةً، وذًمًّا لِبضَاعَةِ غيرِهِ، وأنَّهُ ناصِحٌ أمينٌ وهوَ خلافُ ذلِكَ.

المَظهرُ الثالِثُ: أنْ تضَعَ سيارَتَكَ أو جِهازَكَ أو آلتَكَ أو مُعِدَّتَكَ عندَ مَن يقومُ بصيانَتِهَا وإصلاحِهَا، فيَغْبِنُكَ بسِعرٍ فاحِشٍ، ويكونُ العَيبُ يَسيرًا فيُخْبِرُكَ بأنَّهُ كبيرٌ لِيأُخَذَ مِنكَ مالًا أكثرَ أوْ لِيُظهِرَ بأنَّهُ قدْ نَصَحَ لَكَ واجتَهدَ وأصلَحَ بسعرٍ أقَلّ لِتثِقَ بِهِ وتأتِي إليهِ مرَّةً أُخْرَى، وبعضُهُم قدْ يَنْهَبُ مِمَّا أحضَرْتَ عندَهُ قطعَةً أصلِيَّةَ ويَضَعُ مكانَها مُقلَّدَةَ، أو تُكلِّفُهُ بشراءِ قِطعَةٍ جديدَةٍ فيضَعُ مكانَهَا قِطعَةً مُستعمَلَةً، أو يأتِيكَ بفاتورَةٍ فيها سِعرُ القِطعَةَ بعدَ أنْ تَواطأَ معَ البائِعِ على كتابَتِهَا بغيرِ السِّعرَ الذي اشترَاها لَكَ بِهِ معَ أنَّهُ وكيلٌ عنكَ في الشِّراءِ، والوكيلُ ينظرُ لِمَن وكلَهُ كنفسِهِ أو أحسَن.

المَظهرُ الرابِعُ: أنْ تَتفِقَ معَ عاِملٍ مِهَنِيٍّ أو صاحِبِ حِرْفَةٍ وصَنعَةٍ لإصلاحِ شيءٍ أوْ تمديدِ كهرُباءٍ أوْ بِنَاءٍ أوْ صِيانَةِ عقارٍ أوْ نِجَارَةٍ أو إنجازِ عملٍ في مُدَّةٍ مُعيَّنَةٍ، ثُمَّ إذا أبْرَمَ معَكَ العقدَ واتفَقتَ معَهُ إذا بَهِ يَجِدُ عقدًا أوْ صَفقَةً أوْ عمَلًا فيهَ رِبْحٌ أكثرُ فلا يُنْجِزُ لَكَ عملَكَ في مُدَّتِهَ ويُماطِلُكَ ويُتعِبُكَ في البحْثِ عنهُ لِيُكمِلَ ما بَقِي مِن عملِهِ، وكُلَّمَا لَقِيتَهُ أو هاتفتَهُ أعطاكَ مَوعِدًا لا يأتِي فيهِ، ومرَّةً يَعتذِرُ بأنَّهُ مريضٌ، وأُخْرَى بأنَّ قريبًا لَهُ ماتٍ، ومرَّاتٍ لا يرُدٌّ على اتِّصالِكَ، وليسَ بِهِ إلا عِلَّةُ الطَّمَعِ والجَشَعِ والزَّبونِ الأكثرِ رِبْحًا.

المَظهرُ الخامِسُ: أنْ تذْهَبَ إلى مَحَلِّ صِيانَةٍ لإصلاحِ أو بَرمَجَةِ هاتفٍ أو كمبيوتَرٍ فإذا بالرَّجُلٍ يَتسلَّطُ إجرامًا وتجَسُّسًا على ما في جِهازِكَ مِن معلوماتٍ وصُوَرٍ وصوتيَّاتٍ وغيرِهَا بالمُشاهدَةِ والنَّسْخِ لَهَا.

ومَن كانتْ هذهِ حالُهُ مِن أصحابِ هذهِ المظاهرِ السَّيِّئَةِ المَقِيتَةِ: فقدْ أهانَ نفُسَهُ وقبَّحَهَا وأسْفلَهَا وحَقَّرَهَا وأذَلَّهَا وأضَرَّ بِهَا شديدًا، وآذَى النَّاسَ، واعْتدَى عليهِم، وظلَمَهُم، وأجرَمَ في حقِّهِم، ووَعَدَ فأخلَفَ، وكذَبَ وغَشَّ وتَجَسَّسَ وخَانَ، وقدْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ مُرَهِّبًا: َ(( آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ))، وقالَ اللهُ سُبحانَهُ آمِرًا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ }، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ))، وثبتَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ زاجِرًا: ((لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَنَاجَشُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا )).

اللهمَّ: ارزُقْنَا البرَكَةَ في أموالِنَا، والصِّدْقَ في مُعامَلاتِنَا، إنَّكَ سميعٌ مُجِيبٌ.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــ

الحمدُ اللهِ، وسلامٌ على عبادِهِ المُرسَلِينَ، وعلى جميعِ المُؤمِنينَ.

أمَّا بعدُ، فيَا أيُّها المُسلِمونَ:

إنْ طلَبتُمُ المالَ وبرَكَتَهُ ونفعَهُ الطيِّبَ لَكُم ولأهلِيكُم وبلادِكِم فاطلُبوهُ مِن وجْهٍ طيِّبٍ حلالٍ، فإنَّ المالَ الحلالَ مُبارَكٌ إنْ أكلتُموهُ أوْ أطعمتُموهُ لِمَن تعولُونَ أوْ تَصدَّقتُم بِهِ أوْ حفِظتُم بعضَهُ لِلمُستقبَلِ والأُمورِ الطارِئَةِ أوْ وَرَّثتُموهُ لِمَن بعدَكُم، ويُكتَبُ لَكُم الأجْرُ في تحصيلِهِ لِلقيام بما وجَبَ عليكُم مِنَ النَّفقَةِ، وما أرَدْتُم بِه مِن خيرٍ، وإيَّاكُم أنْ تَختارُوا مَقْتَ ربِّكُم وغضَبَهُ وألِيمَ عِقابِهِ فتكْسِبوا المالَ وتكتسِبوهُ مِن وجْهِ حرَامٌ، فإنَّ المالَ الحرَامَ مَنزوعُ البرَكَةِ، وماحِقٌ لِمَا خالطَهُ وحلَّ بِهِ، معَ الإثْمِ العظيمِ فيهِ، والسَّيِّئَاتِ الكِثارِ الكِبارِ، وقدْ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ، النَّارُ أَوْلَى بِهِ ))، ويَعني بذلِكَ صلى الله عليه وسلم: الجِسْمَ الذي تَغذَّى ونَبَتَ بمالٍ حرَامٍ، وصحَّ أنَّ عائِشَةَ ــ رضِيَ اللهُ عنْها ــ قالتْ: (( كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلاَمُ: أَتَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَمَا أُحْسِنُ الكِهَانَةَ إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ ))، فانظُروا إلى أبي بَكْرٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ كيفَ أخرَجَ مِن بطنِهِ طعامًا مِن كسْبٍ فيهِ مُخادَعَةٌ، وكسَبَهُ غيرُه، واعلَموا أنَّ الخيرَ والبرَكَةَ وتيسيرَ الرِّزقِ وازْدِيادَهُ والسعادَةَ بِهِ وانشرَاحَ الصَّدرِ إنَّما هيَ في النُّصْحِ الذي لا غِشَ فيهِ، والصِّدقِ الذي لا كذِبَ معَهُ، وأنَّ القليلَ معَ تقوى اللهَ فيهِ، خيرٌ مِنَ الكثيرِ الذي جاءَ بطُرقٍ لا تَحِلُّ.

اللهمَّ: اغنِنَا بالحلالِ عنِ الحرامِ، ويسِّرْ لَنَا الأرزاقَ، وبارِكْ لَنَا في أقواتِنَا وأوقاتِنَا وأعمارِنَا، ولا تَجعلِ الدُّنيا أكبرَ همِّنَا، ولا نَلتَهِي بحُطامِهَا عن آخِرَتِنَا، اللهمَّ: اغفِرْ لَنَا ولأهلِينا ولِجميعِ المُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ أحياءً وأمواتًا، إنَّكَّ سميعُ الدُّعاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.