إِلَى الْخَائِفِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَنْ يَعُولُونَ مِنَ الْفَقْرِ
الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ـــــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ كَاشِفِ الشِّدَّاتِ، مُفَرِّجِ الْكُرُبَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَتْقَى عَبْدٍ للهِ، وَأَعْظَمُ زَاهِدٍ، وَأَخْشَى عَابِدٍ، فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْأَمَاجِدِ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَاخْشَوْهُ حَقَّ الْخَشْيَةِ، وَعَظِّمُوهُ أَحْسَنَ تَعْظِيمٍ، وَأَجِلُّوهُ أَكْبَرَ إِجْلَالٍ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ وَصِدْقِهِ، وَعَلَامَاتِ زِيَادَتِهِ وَقُوَّتِهِ، حُصُولُ هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ لَكُمْ:
الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: «طُمَأْنِينَةُ قُلُوبِكُمْ إِلَى أَنَّ الرِّزْقَ بِيَدِ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ مَا كُتِبَ لَكُمْ مِنْهُ آتٍ، لَنْ يَضِيعَ مِنْهُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ وَلَا أَقَلُّ، وَلَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِهِ يَوْمًا وَلَا سَاعَةً وَلَا أَقَلَّ».
أَعَاشَ أَجْدَادُنَا مِنْ غَيْرِ رِزْقٍ؟ لَا وَاللَّهِ، أَعَاشَ آبَاؤُنَا مِنْ غَيْرِ رِزْقٍ؟ لَا وَاللَّهِ، وَكَذَلِكَ نَحْنُ وَجَمِيعُ مَنْ نَعُولُ لَنْ نَعِيشَ إِلَّا بِرِزْقٍ مِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُؤْنِسًا لَنَا وَمُطَمْئِنًا: { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا }، أَيْ: مَا مِنْ مَخْلُوقٍ يَدُبُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ حَيَوَانٍ بَرِّيٍّ وَبَحْرِيٍّ، يَمْشِي أَوْ يَطِيرُ أَوْ يَسْبَحُ أَوْ يَزْحَفُ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَحْدَهُ رِزْقُهُ وَمِنْهُ، وَقَالَ اللَّهُ ــ جَلَّ وَعَلَا ــ آمِرًا لَنَا وَمُرَغِّبًا فِي طَلَبِ الرِّزْقِ مِنْهُ: { فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }، وَقَالَ اللَّهُ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ مُذَكِّرًا لَنَا وَمُنَبِّهًا: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ }.
أَلَا فَلْتَهْدَأِ النُّفُوسُ، وَلْتَبْرُدِ الْأَكْبَادُ، وَلْتَطِبِ الْخَوَاطِرُ، وَلْتَنْتَظِمْ وَلَا تَتَعَكَّرِ الْعُقُولُ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا وَاللَّهُ مُتَكَفِّلٌ بِرِزْقِهَا وَقُوتِهَا وَغِذَائِهَا وَمَا بِهِ عَيْشُهَا، وَعَلَيْهِ هِدَايَتُهَا إِلَى أَسْبَابِهِ، وَإِعَانَتُهَا فِي تَحْصِيلِهِ، وَلَيسَ عَلَى شَرْقٍ وَغَرْبٍ، وَلَا حَاكِمٍ وَتَاجِرٍ، وَلَا كَرِيمٍ وَجَوَادٍ، وَلَا مُزَكٍّ مَالَهُ وَمُتَصَدِّقٍ، وَلَا قَبِيلَةٍ وَعَشِيرَةٍ، وَلَا شَرِكَةٍ وَمُؤَسَّسَةٍ، وَلَا وَالِدٍ وَوَالِدَةٍ، وَلَا غَيْرِهِمْ، وَإِنَّ تَذَكُّرَ هَذَا الْأَمْرِ وَالِالْتِفَاتَ إِلَيْهِ وَالتَّفَكُّرَ فِيهِ حِينًا بَعْدَ حِينٍ، وَسَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ، وَفِي الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ، وَمَعَ الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَحَالَ الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، يَقْطَعُ عَلَى النَّفْسِ تَعَلُّقَهَا بِالْمَخْلُوقِينَ فِي الرِّزْقِ، وَيُزِيلُ طَمَعَهَا عَمَّا فِي أَيْدِيهِمْ، وَيَكُفُّ جَشَعَهَا، وَيُخْمِدُ حَسَدَهَا، وَيَكْسِرُ ضَرَاوَتَهَا عَلَى الدُّنْيَا.
الْأَمْرُ الثَّانِي: «قَنَاعَةُ قُلُوبِكُمْ بِمَا يَسَّرَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِّزْقِ، مِن: دَخْلٍ وقُوتٍ وَلِبَاسٍ وَمَرْكَبٍ وَمَسْكَنٍ وَوَظِيفَةٍ وَعَمَلٍ وَمِهْنَةٍ وَإِرْثٍ».
فَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ ))، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ أَنَّ مَنْ حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الثَّلَاثَةُ فَقَدْ أَفْلَحَ:
وَأَوَّلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ هُدِيَ إِلَى دِينِ اللَّهِ الْإِسْلَامِ فِي دُنْيَاهُ.
وَثَانِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ: أَنْ يَكُونَ رِزْقُهُ فِي دُنْيَاهُ كَفَافًا، وَالْكَفَافُ مِنَ الرِّزْقِ: “مَا يَسُدُّ الْحَاجَةَ”، فَلَا يَلْحَقُ صَاحِبَهُ بِنَقْصِهِ الْجَهْدُ وَالضَّنْكُ، وَلَا يُعَرِّضُهُ لِلذُّلِّ وَالْخِزْيِ بِمَسْأَلَةِ النَّاسِ أَوْ سَرِقَتِهِمْ، وَلَا يُخْرِجُهُ إِلَى التَّرَفِ وَالتَّنَعُّمِ وَالتَّبَسُّطِ فِي الدُّنْيَا، وَالِانْكِبَابِ عَلَيْهَا، وَأَكْثَرُ مَنْ فِي الْأَرْضِ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ هَذَا الْحَالِ، وَلَا يَنْزِلُونَ عَنْ دَرَجَةِ الْكَفَافِ، وَهُوَ حَالٌ طَيِّبٌ كَرِيمٌ نَفِيسٌ، وَمُسْعِدٌ لِمَنْ عَقَلَ وَتَفَكَّرَ وَأَنْصَفَ وَشَكَرَ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو اللَّهَ لِآلِ بَيْتِهِ فِي زَمَنِهِ وَبَاقِي الْأَزْمَانِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ هَذَا الرِّزْقِ الْكَفَافِ، فَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( اللَّهُمَّ: اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا ))، وَالْقُوتُ مِنَ الرِّزْقِ هُوَ: الْكَفَافُ، وَقَدْ أَخَذَ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَهَاءِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ: أَنَّ الْكَفَافَ فِي الْعَيْشِ أَفْضَلُ مِنَ الْفَقْرِ، وَأَفْضَلُ مِنَ الْغِنَى، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ قَطُّ إِلَّا بُعِثَ بِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يُسْمِعَانِ أَهْلَ الْأَرْضِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ فَإِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى )).
وَثَالِثُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ: أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مِمَّنْ قَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ مِنْ رِزْقٍ كَفَافٍ، وَهَذَا هُوَ الْغِنَى الطَّيِّبُ الْمُسْعِدُ، إِنَّهُ غِنَى النَّفْسِ وَرِضَاهَا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهَا، وَرَاحَتُهَا وَانْشِرَاحُهَا لِمَا قُدِّرَ مِنْ عَمَلٍ وَمِهْنَةٍ وَكَسْبٍ، وَمَا قُدِّرَ مِنْ مَسْكَنٍ بِأُجْرَةٍ أَوْ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ، وَمَا قُدِّرَ مِنْ مَلْبُوسٍ وَمَطْعُومٍ وَمَرْكُوبٍ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ ))، وَالْعَرَضُ هُوَ: مَا فِي الدُّنْيَا مِنْ صُنُوفِ الْأَمْوَالِ وَالْمَرَاكِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ، وَغَيْرِهَا، وَقَدْ كَانَ تِلْمِيذُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ يَقُولُ: «الْقَنَاعَةُ مَالٌ لَا يَنْفَدُ»، وَكَتَبَ أَحَدُ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَى أَبِي حَازِمٍ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ يَعْزِمُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ حَوَائِجَهُ لِيَقْضِيَهَا لَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَازِمٍ: (( أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ جَاءَنِي كِتَابُكَ تَعْزِمُ عَلَيَّ أَنْ أَرْفَعَ إِلَيْكَ حَوَائِجِي وَهَيْهَاتَ قَدْ رَفَعْتُ حَوَائِجِي إِلَى رَبِّي، مَا أَعْطَانِي مِنْهَا قَبِلْتُ وَمَا أَمْسَكَ عَنِّي مِنْهَا قَنِعْتُ ))، وَمَنْ قَنِعَ مِنَ النَّاسِ بِمَا هُوَ فِيهِ مِن عَيشٍ قَلِيلٍ قَرَّتْ عَيْنُهُ، وَعَفَّ وَاسْتَغْنَى عَنِ الْخَلْقِ، وَذَهَبَ عَنْهُ الْحَسَدُ وَطَمَعُ النَّفْسِ، وَتَرَكَ أَكْلَ الْحَرَامِ، وَلَمْ يَغُشَّ أَوْ يَرْتَش أَوْ يَسْرِقْ، وَلَمْ يُدَلِّسْ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَلَمْ يَخُنِ الْأَمَانَة، وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حِبَّانَ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «وَمِنْ أَكْثَرِ مَوَاهِبِ اللَّهِ لِعِبَادِهِ وَأَعْظَمِهَا: الْقَنَاعَةُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَنَاعَةِ خَصْلَةٌ تُحْمَدُ إِلَّا الرَّاحَةُ، وَعَدَمُ الدُّخُولِ فِي مَوَاضِعِ السُّوءِ، لَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يُفَارِقَ الْقَنَاعَةَ فِي حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَمَنْ عَدِمَ الْقَنَاعَةَ لَمْ يُزِدْهُ الْمَالُ غِنًى، فَتَمَكُّنُ الْمَرْءِ بِالْمَالِ الْقَلِيلِ مَعَ قِلَّةِ الْهَمِّ أَهْنَأُ مِنَ الْكَثِيرِ ذِي التَّبِعَةِ، وَالْعَاقِلُ يَنْتَقِمُ مِنَ الْحِرْصِ بِالْقُنُوعِ، وَمَنْ غَنِيَ قَلْبُهُ غَنِيَتْ يَدَاهُ، وَمَنِ افْتَقَرَ قَلْبُهُ لَمْ يَنْفَعْهُ غِنَاهُ، وَمَنْ قَنِعَ لَمْ يَتَسَخَّطْ، وَعَاشَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا».
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: «عَدَمُ خَوْفِ الْفَقْرِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لَا عَلَى النَّفْسِ، وَلَا الْأَهْلِ وَالْعِيَالِ، وَلَا الْوَالِدَيْنِ وَالْإِخْوَانِ وَالْأَخَوَاتِ».
حَتَّى وَلَوْ أَرْهَفَ الِاقْتِصَادِيُّونَ وَالسِّيَاسِيُّونَ بِضَعْفِ الِاقْتِصَادِ، وَغَلَاءِ الْأَسْعَارِ، وَقِلَّةِ الْوَظَائِفِ، وَانْخِفَاضِ الرَّوَاتِبِ، وَتَزَايُدِ الْبَطَالَةِ، وَارْتِفَاعِ نِسْبَةِ الْفَقْرِ، وَفُشُوِّ الْمَجَاعَاتِ، وَكَثْرَةِ الْكَوَارِثِ، وَنُضُوبِ الْمَخْزُونِ الِاحْتِيَاطِيِّ، لِأَنَّ أَرْزَاقَ الْعِبَادِ مَكْتُوبَةٌ، وَلَنْ يَعِيشَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا بِرِزْقٍ يَقْتَاتُ مِنْهُ شَاءَ أَمْ أَبَى، وَلَنْ يُغَادِرَ الدُّنْيَا إِلَّا وَقَدْ أَخَذَ رِزْقَهُ كَامِلًا غَيْرَ مَنْقُوصٍ إِذَ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ )).
أَيُّهَا النَّاسُ:
إِنْ كَانَ بِكُمْ مِنْ خَوْفٍ فَلَا تَخَافُوا مِنَ الْفَقْرِ، وَإِنْ كُنْتُمْ فِي قَلَقٍ فَلَا تَقْلَقُوا مِنَ الْفَقْرِ، بَلْ لَا تَخَافُوا وَلَا تَخْشَوْا إِلَّا مِنَ الدُّنْيَا أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ، وَتَتَوَسَّعُوا فِيهَا، فَتَنَافَسُوهَا فَتَلْتَهُوا بِهَا وَتَهْلِكُوا بِسَبِهَا، حَيْثُ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ: لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ ))، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَسْتُمْ وَاللَّهِ بِأَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا أَكْرَمَ وَأَفْضَلَ وَأَعْظَمَ مَنْزِلَةً عِنْدَهُ مِنْهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَبَضَ رُوحَهُ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي عَيْشٍ يَسِيرٍ، حَيْثُ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ــ أَنَّهَا قَالَتْ: (( لَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ وَزَيْتٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ ))، وَثَبَتَ أَنَّهَا قَالَتْ فِي وَصْفِ عَيْشِهِمْ: (( كَانَ يَمُرُّ بِنَا هِلَالٌ وَهِلَالٌ مَا يُوقَدُ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ، فَقَالَ لَهَا عُرْوَةُ: يَا خَالَةُ فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعِيشُونَ؟ قَالَتْ: عَلَى الْأَسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ ))، ثُمَّ مَاذَا عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ ضَيْرٍ وَمَاذَا يَلْحَقُهُ مِنْ كَدَرٍ لَوْ عَاشَ بَيْنَ النَّاسِ فِي دُنْيَاهُ فَقِيرًا، وَعِنْدَ اللَّهِ فِي آخِرَتِهِ عَزِيزًا مَسْرُورًا، مُنَعَّمًا مُكَرَّمًا؟، أَمَا يَسُرُّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحُ: (( قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةَ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ، وَأَصْحَابُ الْجَدِّ ــ أَيْ: الْغِنَى وَالْوَجَاهَةِ ــ مَحْبُوسُونَ ))، أَمَا يُسْكِنُ خَنِينَ فُؤَادِهِ، وَيَقْطَعُ تَلَهُّفَ نَفْسِهِ، وَيُوقِفُ تَقَلُّبَ نَظَرِهِ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتُ عَنْهُ: (( يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِ مِائَةِ عَامٍ )).
فَاللَّهُمَّ: اجَعَلَنَا مِنَ الْمُتَذَكِّرِينَ الْمُتَّعِظِينَ الشَّاكِرِينَ، أَغْنِيَاءِ النَّفْسِ الْقَنُوعِينَ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ـــــــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَفَّفَ عَنْ عِبَادِهِ الْمُعْضِلَاتِ وَالشَّدَائِدَ، بِمَا قَيَّضَهُ لَهُمْ مِنْ أَرْزَاقٍ مُتَنَوِّعَةٍ، وَخَيْرَاتٍ مُتَتَابِعَةٍ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الشَّاكِرِينَ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمُ الْعَظِيمَ، وَتَفَكَّرُوا فِي نِعَمِهِ وَاشْكُرُوهُ، وَاذْكُرُوا آلَاءَهُ وَتَحَدَّثُوا بِفَضْلِهِ وَلَا تَكْفُرُوهُ، لَعَلَّ النِّعَمَ تَدُومُ، وَلَعَلَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُرْحَمُونَ، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ مُبَشِّرًا لَكُمْ بِتَيْسِيرِ الرِّزْقِ بِسَبَبِ تَقْوَاهُ: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ }، وَقَالَ تَعَالَى مُرَغِّبًا لَكُمْ وَمُرَهِّبًا: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ }، وَقَالَ ــ عَزَّ شَأْنُهُ ــ فِي بَيَانِ غِنَاهُ عَنْ خَلْقِهِ: { وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }.
فَاللَّهُمَّ: اجْعَلْنَا مِنَ الشَّاكِرِينَ لِنَعْمَائِكَ، وَالصَّابِرِينَ عَلَى أَقْدَارِكَ وَابْتِلَائِكَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيْنَا مَعُونَةً لَنَا عَلَى الْخَيْرِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَقْوَاتِنَا وَمَسَاكِنِنَا وَمَرَاكِبِنَا، وَقَنِّعْنَا بِمَا رَزَقْتَنَا، وَلَا تَحْرِمْنَا خَيْرَ مَا عِنْدَكَ مِنَ الْإِحْسَانِ بِشَرِّ مَا عِنْدَنَا مِنَ الْعِصْيَانِ، وَادْفَعْ عَنَّا وَعَنِ الْمُسْلِمِينَ كُلَّ شَرٍّ وَمَكْرُوهٍ، وَأَصْلِحْ فَسَادَ قُلُوبِنَا، وَسَدِّدْنَا فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ، وَاغْفِرْ لَنَا الذُّنُوبَ وَلِأَهْلِينَا وَلِلمُؤمِنِينَ، إِنَّكَ جَوَادٌ كَرِيمٌ، عَظِيمُ الْإِحْسَانِ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.