الترغيب في ذكر الله وبيان فضائله وأحكامه والبدع فيه
الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يَذْكُرُوهُ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَأَعَدَّ لَهُمْ عَلَى ذِكْرِهِ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا كَبِيرًا، وَجَعَلَ الْقُلُوبَ تَطْمَئِنُّ بِذِكْرِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَذْكُرُ مَنْ ذَكَرَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَكْرَمُ مَنْ وَحَّدَ رَبَّهُ، وَأَجَلُّ مَنْ ذَكَرَهُ، اللَّهُمَّ فَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْبَرَرَةِ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }، وَصَحَّ أَنَّ ابْنِ مَسْعُودٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( وَحَقُّ تُقَاتِهِ: أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَأَنْ يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَأَنْ يُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ )).
وَاعْلَمُوا أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ: مِنْ أَجَلِّ الْعِبَادَاتِ، وَأَيْسَرِهَا عَمَلًا، وَأَكْثَرِهَا أَجْرًا، فَكُونُوا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا }، وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ بُسْرٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ: (( أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ: إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ فَأَنْبِئْنِي مِنْهَا بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ: لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ ))، وَاحْذَرُوا أَشَدَّ الْحَذَرِ مِنَ الْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ ))، وَقِلَّةُ ذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، حَيْثُ قَالَ اللَّهُ ــ جَلَّ وَعَلَا ــ عَنْهُمْ: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا }، وَاعْمُرُوا أَوْقَاتَكُمْ وَبُيُوتَكُمْ وَمَجَالِسَكُمْ وَمَرَاكِبَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَاذْكُرُوهُ فِي كُلِّ حِينٍ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا مِنْ قَوْمٍ جَلَسُوا مَجْلِسًا وَتَفَرَّقُوا مِنْهُ لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ إِلَّا كَأَنَّمَا تَفَرَّقُوا عَنْ جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))، وَصَحَّ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ ))، وَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُرَهِّبًا: { وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ }.
أَيُّهَا النَّاسُ:
إِنَّ فَضَائِلَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنَافِعَهُ لِلْعَبْدِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، قَرَّرَتْهَا آيَاتُ الْقُرْآنِ، وَنُصُوصُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الثَّابِتَةِ، وَحَفِلَتْ بِهَا كُتُبُ الْحَدِيثِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ، وَصَنَّفَ الْعُلَمَاءُ فِي مُخْتَلَفِ الْعُصُورِ كُتُبًا عَدِيدَةً عَنِ الذِّكْرِ وَفَضَائِلِهِ وَأَلْفَاظِهِ وَأَحْكَامِهِ وَأَوْقَاتِهِ.
فَمِنْ فَضَائِلِ ذِكْرِ اللَّهِ: أَنَّهُ يَجْلِبُ لِلقَلْبِ الْفَرَحَ وَالسُّرُورَ وَالرَّاحَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ وَالْأُنْسَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ }.
وَمِنْ فَضَائِلِ ذِكْرِ اللَّهِ: أَنَّهُ يُورِثُ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى لِعَبْدِهِ الذَّاكِرِ لَهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ: { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ }، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( يَقُولُ اللَّهُ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ )).
وَمِنْ فَضَائِلِ ذِكْرِ اللَّهِ: أَنَّهُ يَخْنِسُ بِهِ الشَّيْطَانُ، وَتَنْحَلُّ بِسَبَبِهِ عُقَدُهُ، إِذْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ــ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: { مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ }: (( الشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِذَا سَهَا وَغَفَلَ وَسْوَسَ، وَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ ))، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ مَكَانَهَا: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ )).
وَمِنْ فَضَائِلِ ذِكْرِ اللَّهِ: أَنَّهُ يَثْقُلُ بِهِ مِيزَانُ حَسَنَاتِ الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُكَثِّرُ أُجُورَ الذَّاكِرِ، إِذْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ ))، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: يُسَبِّحُ مِئَةَ تَسْبِيحَةٍ فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ ))، وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مِرَارٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ )).
وَمِنْ فَضَائِلِ ذِكْرِ اللَّهِ: أَنَّهُ يَحُطُّ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ وَيُذْهِبُهَا وَلَوْ كَثُرَتْ، إذْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ ))، وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ: تَمَامَ الْمِئَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ )).
وَمِنْ فَضَائِلِ ذِكْرِ اللَّهِ: أَنَّهُ يَرْفَعُ دَرَجَةَ الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَرْضَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَمِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )).
وَمِنْ فَضَائِلِ ذِكْرِ اللَّهِ: أَنَّهُ يَحْفَظُ الْعَبْدَ مِنَ الشُّرُورِ وَيَدْفَعُهَا عَنْهُ، إِذْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ قَالَ صَبَاحَ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءَ كُلِّ لَيْلَةٍ ثَلَاثًا ثَلَاثًا: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ ))، وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا نَزَلَ أَحَدُكُمْ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ ))، وَصَحَّ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: (( يَا رَسُولَ اللهِ: مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ، فَقَالَ لَهُ: أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ تَضُرَّكَ ))، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِئَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِئَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ إِلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ )).
فَاللَّهُمَّ: أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الذَّاكِرِينَ لَكَ كَثِيرًا.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ــــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَابِعِ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ إِعَانَتَهُ وَإِمْدَادَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ خَيْرِ بَرِيَّاتِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ إِرْشَادَهُ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ:
فَهَذِهِ أُمُورٌ ثَلَاثَةٌ يَنْبَغِي أَنْ تَتَنَبَّهُوا لَهَا، وَتَعْرِفُوا حُكْمَهَا، وَتَعْمَلُوا بِهَا عِنْدَ ذِكْرِكُمْ لِلَّهِ:
الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: الْأَصْلُ فِي ذِكْرِ الْعَبْدِ لِلَّهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ بِهِ صَوْتَهُ، وَيُقَرِّرُ هَذَا الْأَصْلَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: { وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ }، وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ الصَّحِيحُ أَنَّهُ قَالَ: (( كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي غَزَاةٍ فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شَرَفًا وَلَا نَعْلُو شَرَفًا وَلَا نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا ))، وَقَالَ الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ: كَرَاهِيَةُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ، وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ»، وَصَحَّ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ أَنَّهُ قَالَ: (( كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ الذِّكْرِ ))، وَإِلَى عَدَمِ رَفْعِ الْعَبْدِ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ ذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْأَصْلِ: الْمَوَاضِعُ الَّتِي وَرَدَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ بِأَنْ يُجْهَرَ فِيهَا بِبَعْضِ الْأَذْكَارِ، فَالْمُسْتَحَبُّ حِينَهَا أَنْ يَجْهَرَ الذَّاكِرُ، وَهِيَ مَوَاضِعُ مَعْدُودَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: قَوْلُ الْأَذْكَارِ جَمَاعِيًّا بِصَوْتٍ وَاحِدٍ مُرْتَفِعٍ يُوَافِقُ النَّاسُ فِيهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ الَّتِي حَصَلَتْ فِي الْعُصُورِ الْمُتَأَخِّرَةِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الْبِدَعِ عِنْدَ النَّاسِ الْيَوْمَ:
أَوَّلًا ــ النُّطْقُ جَمَاعِيًّا بِالْأَذْكَارِ الَّتِي تُقَالُ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ.
ثَانِيًا ــ أَنْ يَجْلِسَ النَّاسُ فِي مَسْجِدٍ أَوْ بَيْتٍ أَوْ زَاوِيَةٍ فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ ذِكْرًا جَمَاعِيًّا.
ثَالِثًا ــ ذِكْرُ اللَّهِ جَمَاعِيًّا فِي الطَّوَافِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ أَوِ في السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَوْ صَعِيدِ عَرَفَةَ أَوْ مَوْقِفِ مُزْدَلِفَةَ.
رَابِعًا ــ تَكْبِيرُ النَّاسِ جَمَاعِيًّا فِي يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ عِيدِ الْأَضْحَى وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَمَنْ بَحَثَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى جَمَاعِيًّا بِصَوْتٍ مُتَوَافِقٍ وَمُرْتَفِعٍ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَالْأَحْوَالِ الْمَذْكُورَةِ وَغَيْرِهَا، فَلَنْ يَجِدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُنَّتِهِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهُ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ مَعَ أَصْحَابِهِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَلَنْ يَجِدَهَا عِنْدَ الصَّحَابَةِ مَعَ بَعْضٍ، وَلَا عَنِ التَّابِعِينَ وَبَاقِي سَلَفِ الْأُمَّةِ الصَّالِحِ، وَلَا عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنَّمَا سَيَجِدُهَا عِنْدَ أَقْبَحِ النَّاسِ عَقِيدَةً وَمَذْهَبًا، وَهُمُ: الشِّيعَةُ الرَّافِضَةُ، ثُمَّ غُلَاةُ الصُّوفِيَّةِ، فَهُمْ مَنْ بَدَأَهَا وَجَاءَ بِهَا إِلَى النَّاسِ وَنَشَرَهَا فِي الْبُلْدَانِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْمَجَالِسِ.
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: الْحِرْصُ الشَّدِيدُ عَلَى الْأَذْكَارِ الصَّحِيحَةِ الْوَارِدَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهَمِّ الْأَشْيَاءِ وَأَفْضَلِهَا وَأَكْثَرِهَا أَجْرًا، وَلَا خَطَأَ فِيهَا، بِحَيْثُ: تُحْفَظُ، وَيُذْكَرُ اللَّهُ بِهَا، وَمَا قُيِّدَ مِنْهَا بِزَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ أَوْ عَدَدٍ فَيُقَالُ كَمَا وَرَدَ، وَمَا أُطْلِقَ مِنْهَا فَيُذْكَرُ اللَّهُ بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَفِي أَيِّ وَقْتٍ إِلَّا حِينَ البَوْلِ وَالْغَائِطٍ والْجِمَاعِ فَلَا، لِأَنَّ أَذْكَارَ رَسُولِ اللَّهِ: أَلْفَاظُهَا جَامِعَةٌ، وَمَعَانِيهَا شَامِلَةٌ، وَمَعْصُومَةٌ مِنَ الْخَطَأِ، لِأَنَّهَا جَاءَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَسَهْلَةُ الْحِفْظِ وَالنُّطْقِ، وَمَعْلُومٌ: فَضْلُهَا فِي نَفْسِهَا، وَعَلَى غَيْرِهَا، وَأَنَّهَا أَفْضَلُ الذِّكْرِ وَأَعْظَمُهُ وَأَجْمَلُهُ، وَمَعْرُوفٌ: كَبِيرُ أَجْرِهَا، وَجَزِيلُ ثَوَابِهَا، وَإِنَّ مِمَّا يُؤْسَفُ لَهُ: أَنْ تَجِدَ الْكَثِيرَ قَدْ أَهْمَلُوا حِفْظَ أَذْكَارِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَضَعُفَ ذِكْرُهُمْ لِلَّهِ بِهَا، وَاعْتَاضُوا عَنْهَا بِأَوْرَادٍ وَأَذْكَارٍ كَتَبَهَا أُنَاسٌ، بَلْ إِنَّ بَعْضَهُمْ يَعْتَاضُ عَنِ الْأَذْكَارِ وَالْأَوْرَادِ النَّبَوِيَّةِ بِأَوْرَادِ وَأَحْزَابِ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ وَشُيُوخِ طُرُقِهَا، إِذْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِزْبٌ وَوِرْدٌ قَدْ كَتَبَهُ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا يَعُجُّ بِالْأَلْفَاظِ الْمُحَرَّمَةِ، وَالْأُمُورِ الْمُخَالِفَةِ لِلْعَقِيدَةِ، وَالْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ، وَهَؤُلَاءِ مُهَدَّدُونَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: { أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ }، حَيْثُ اسْتَبْدَلُوا الذِّكْرَ وَالْوِرْدَ النَّبَوِيَّ الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِأَوْرَادِ وَأَحْزَابِ شُيُوخِ طُرُقِهِمُ الَّتِي لَا تَخْلُو عَنِ الْبِدَعِ وَالْمُحَرَّمَاتِ، وَرُبَّمَا الشِّرْكِيَّاتِ.
هَذَا، وَأَسْأَلُ اللَّهَ: أَنْ يُوَفِّقَنَا لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ، وَمَعْرِفَةِ الْبَاطِلِ وَاجْتِنَابِهِ، اللَّهُمَّ: أَكْرِمْنَا بِذِكْرِكَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمُنَّ عَلَيْنَا بِالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ وَالْخَشْيَةِ، اللَّهُمَّ: تَجَاوَزْ عَنْ تَقْصِيرِنَا وَسَيِّئَاتِنَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِأَهْلِينَا وَجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَعْمَارِنَا وَأَعْمَالِنَا وَأَمْوَالِنَا وَأَوْقَاتِنَا، اللَّهُمَّ: اكْشِفْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا نَزَلَ بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ وَبَلَاءٍ وَوَسِّعْ لَهُمْ فِي الْأَمْنِ وَالرِّزْقِ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.