إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > خطبة مكتوبة بعنوان: ” فضل العلم وأهله وثماره مع تنبيهات للآباء والمعلمين والأبناء والبنات عند العام الدراسي الجديد ” ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” فضل العلم وأهله وثماره مع تنبيهات للآباء والمعلمين والأبناء والبنات عند العام الدراسي الجديد ” ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 20 أغسطس 2025
  • 4٬065
  • إدارة الموقع

فضل العلم وأهله وثماره مع تنبيهات لِلآباء والمُعلِّمين والأبناء والبنات عند العام الدراسي الجديد

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي علَّمَ القرآنَ، خلقَ الإنسانَ، علَّمَهُ البيانُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ المَلِكُ الرَّحمنُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ المبعوثُ رحمَةً لِلإنسِ والجَانِّ، اللهمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وأتباعِهِ إلى آخِرِ الزَّمان.

أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:

فاتقوا اللهَ ربَّكُم حقَّ التقوى، فإنَّ تقوى اللهِ خيرُ لِباسٍ لَكُم، وأجملُ زادٍ، وأفضلُ وسيلَةِ إلى رِضَا اللهِ رَبِّ العِبادِ، وقدْ قالَ اللهُ ــ جلَّ وعلا ــ آمِرًا لَكُم: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ }.

واعلَموا ــ يا عِبادَ اللهِ ــ: أنَّ طلبَ العلمِ الشَّرعيِّ والتفقهَ في الدِّينِ وأخذَهُ عن أهلِهِ الرَّاسخينَ الأكابرِ وطُلَّابِ العلمِ الأقوياءِ مِن أهلِ السُّنةُ السائِرينَ على منهجِ السَّلفِ الصَّالِحِ مِن الصحابَةِ والتابِعينَ فمَن بعدَهُم لَمِن أعظَمِ وأهمِّ خِصالِ التقوى، وأكبَرِ حسناتِ المُتقينَ، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ يُرْدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِهُ فِي الدِّين ))، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ )).

والعِلمُ الشَّرعيُّ هو: المِيراثُ الذي تركَهُ جميعُ الأنبياءِ لِأتباعِهِمُ الذينَ بُعِثوا فيهِم وإليهِم، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ )).

وقدْ كانَ العلماءُ فيما مضَى يُفضِّلونَ طلبَ العلمِ الشَّرعِيِّ على العباداتِ المُستحبَّةِ، فصحَّ أنَّ التابِعِيَّ مُطَرِّفَ ابنَ الشِّخِّيرِ ــ رحمَهُ اللهُ ــ قالَ: (( حَظٌّ مِنْ عِلْمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَظٍّ مِنْ عِبَادَةٍ ))، وصحَّ أنَّ الإمامَ الشافعيَّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ قالَ: (( طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ النَّافِلَةِ ))، وقالَ الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: (( تَذَاكُرُ الْعِلْمِ بَعْضُ لَيلَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِحْيَائِهَا )) يَعْني: أحبَّ مِن إحيائِهَا بقيامِ الليلِ، وصحَّ أنَّ التابِعِيَّ الزُّهرِيَّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ قالَ: (( مَا عُبِدَ اللَّهُ بِمِثْلِ الْفِقْهِ ))، ومِن حُجَّتِهِم على ذلكَ قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الثابتِ: (( إِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ )).

واحذَرُوا ــ يا عِبادَ اللهِ ــ: أنْ تأخُذوا العلمَ الشَّرعِيَّ الشريفَ عنْ أهلِ البدعِ والأهواءِ، وأصحابِ الجماعاتِ والأحزابِ والتنظيماتِ، وأهلِ التَّصوفِ والطُّرقِ الصُّوفيَّةِ، وأربابِ التكفيرِ والخوارجِ، وأبْعِدوا أنفُسَكُم عن كُتبِهِم وصَوتِياتِهِم، وبرامِجِهِم في الفضائيات، ومَقاطعِهِم في برامجِ التواصُلِ الاجتماعِيِّ، وفتاوِيهِم وخُطبِهِم ودُروسِهِم ومُحاضَراتِهِم، حتى لا تَضِلُّوا بسبَبِهِم، فإنَّ الدِّينَ أعزُّ ما تَملِكونَ، وأثْمَنُ ما تُحصِّلونَ، ولِأجلِهِ خُلِقتُم، وبِهِ تخسَرونَ أو تربَحونَ يومَ القيامَةِ، وقدْ صحَّ عنْ التابِعِيِّ محمدِ بنِ سِيرِينَ ــ رحمَهُ اللهُ ــ أنَّهُ قالَ: (( إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ )).

ولا تَنسَوا ــ يا عبادَ اللهِ ــ: أنَّ تقوى اللهِ ــ عزَّ وجلَّ ــ باتِّباعِ أوامِرِهِ واجتنابِ نواهِيهِ والتكميلِ بالسُّننِ المُستحبَّةِ مِن أنفعِ طُرقِ حفظِ العلمِ وفهمِهِ وزيادَتِهِ وبقائِهِ حتَّى الموتَ، لِقولِ اللهِ سُبحانَهُ: { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ }، وتقواهُ سُبحانَهُ هيَ المقصودَةُ مِن طلبِ العلمِ، وقد وثبتَ عن الإمامِ سفيانَ الثوريِّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ أنَّهُ قالَ: (( إِنَّمَا يُتَعَلَّمُ الْعِلْمُ لِيُتَّقَى اللَّهُ بِهِ، وَإِنَّمَا فُضِّلَ الْعِلْمُ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ يُتَّقَى اللَّهُ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ بِهِ ))، و صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( وَاللهِ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي ))، وتصديقُ ذلِكَ مِنَ القرآنِ قولُ اللهِ سُبحانَهُ: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ }، والحياةُ قصيرَةٌ، وسُرْعانَ ما تذهَبُ، ومُشغِلاتُهَا الدُّنيويَّةُ كثيرةٌ جدًّا، ولَمْ نُخْلَقْ أصلًا إلَّا لعِبَادَةِ اللهِ وحدَهُ، لِقولهِ سُبحانَهُ: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }، والعِبادةُ لا تُؤخذُ إلا عنْ طريقِ العلمِ الشَّرعِيِّ، ولَا تَصِحُّ وتُصَحَّحُ إلا بِهِ، ولا تقومُ إلا عليهِ.

فأَكْثِروا ــ يا عِبادَ اللهِ ــ: مِن طلَبِ العِلمِ الشَّرعِيِّ، بدراسَتِهِ على أهلِ العلمِ الرَّاسخينَ الأثباتِ عقيدَةً ومنْهجًا وعملًا، وبسَماعِ صَوتِياتِهِم، وقِراءَةِ كُتبِهِم، وسُؤالِهِم واستِفتائِهِم، واهتَمُّوا بقراءَةِ كُتبِ العِلمِ الشرعيَّةِ المُختصَرَةِ المشهورَةِ النافعَةِ معَ أهلِيكُم في بُيوتِكُم، ومعَ أصدِقائِكُم في المجالِسِ، وكلُّ مَنْ فعلَ ذلكَ مِنكُم فهوَ يطلُبُ العلمَ، ويَتفقَّهُ في الدِّينِ، ويَنالُ مِنْ أجرِ طلبِ العلمِ، ويدخلُ في أحاديثِ فضلِهِ، وهوَ في عبادَةٍ للهِ جليلَةٍ، ومِنْ أكثَرِهَا ثوابًا، وأعلاهَا درجَةً.

مَنَّ اللهُ عليَّ وعليكُم: بتحقيقِ التقوى، وجعلَنِي وإيَّاكُم مِن المُتقينَ الذينَ لا خوفٌ عليهِم ولا هُم يَحزنُون، إنَّهُ سميعٌ مُجِيبٌ.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الفتَّاحِ العليمِ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على نبيِّهِ محمدٍ الكريمِ، ورَضِيَ اللهُ عنْ آلِ بيتِهِ وأصحابِهِ وأتباعِهِ على الصِّراطِ المُستقيمِ.

أمَّا بعدُ، فيَا أيُّها الآباءُ ــ سَدَّدَكُمُ اللهُ ــ:

إنَّ أبناءَنَا وبناتَنَا على أبوابِ الدِّراسَةِ النِّظامِيَّةِ، فَحَرِّضُوهُم على هذهِ الأمورِ الثلاثَةِ شديدًا:

الأوَّل: على ضَبطِ جميعِ العلومِ والمعارِفِ النَّافِعَةِ مِن كُلِّ فَنٍ ونوعٍ، لاسِيَّما العلومُ الشرعيَّة.

الثاني: أنْ تكونَ لَهُم نِيَّةُ صالِحَةُ في طلبِ العلمِ الدِّينِيِّ والدُّنيويِّ النافِعِ، حتى لا تذهبَ عليهِم سِنينُ الدِّراسَةِ الكثيرَةِ بلا أجْرٍ أو بأجْرٍ قليلٍ.

الثالث: أنْ يكونوا صُورَةً جميلة لِلنَّاسِ تُظهِرُ حُسنَ أهلِيهِم، وجليلَ بُيوتِهِم، وجميلَ تربيَتِهِم، وكريمَ أخلاقِهِم.

أيُّها المعلمونَ ــ سَدَّدَكُمُ اللهُ ــ:

استَشْعِروا ما بينَ أيديكُمْ مِن أمانَةٍ عظيمَةٍ، وهيَ: الطُّلَّابُ والطالِباتُ، فقَدْ اشْرَأَبَّتْ أعناقُهُم وشَخَصَتْ أبصارُهُم وفرَّغوا أوقاتَهُم الكثيرَةَ لِلتَّلَقِّي والأخْذِ عنكُمْ، والاستفادَةِ مِنكُم عِلمًا وأدَبًا وعملًا، معَ تعَبِ أهلِيهِم في تجهِيزِهِم لِلدِّراسَةِ، وفي النَّفقةِ على دِراسَتِهِم، وفي الذَّهابِ بِهِم إلى المدرسَةِ وإعادَتِهِم مِنها إلى البيتِ كُلَّ يومٍ، فكونُوا قُدْوَةَ خيرٍ لَهُم ولِلأُمَّةِ، وعلِّموهُم ما ينفَعُهُمْ في دِينِهِم ودُنياهُم، ولا تبخَسُوا العلمَ والتعليمَ والأدَبَ والطُلابَ حقَّهُم، فإنَّكُم مأجُورُونَ شرْعًا، ومَمدُحونَ عُرْفًا، وتأخُذونَ أيضًا أُجْرَةً دُنيويِّةً تُعِينُكُم على حياتِكُمُ الدُّنيا، وإنَّهُم بِناءُ الأُسَرِ والمُجتمعِ والدُّوَلِ في المُستقبَلِ، فأحْسِنُوا البِنَاءَ وشَيِّدُوهُ لِتَرتَقِيَ مُجتمَعاتُنَا وتتقدَّمَ في كُلِّ خيرٍ.

أيُّها الأبناءُ ومعَهُم البناتُ ــ سَدَّدَكُمُ اللهُ ــ:

إنَّ كريمَ الأدبِ وحُسنَ الأخلاقِ وجميلَ المُعامَلَةِ معَ المعلِّمينَ والمُعلِّماتِ ومعَ الدَّارِسينَ معَكُم عنوانٌ على كريمِ نُفوسِكُم، وجليلِ شَخصِيَّتِكُم، ودليلُ تربيَتِكُم الطَّيِّبَةِ الجليلَةِ، وشاهِدُ صِدْقٍ على حُسنِ بيوتِكُم، وسَليلِ أهلِيكُم، ومفخَرَةٌ لَهُم ولكُم، فكُونوا كذلكَ، وازدادُوا مِنهُ، واستمِرُّوا عليه.

اللهمَّ: إنَّا نعوذُ بِكَ مِن علمٍ لا يَنفعُ، ومِن قلبٍ لا يَخشعُ، ومِن دُعاءٍ لا يُسمَعُ، ومِن نفسٍ لا تَشبعُ، اللهمَّ: اغفرْ لَنَا ولأهلِينا ولِلمؤمنينَ والمؤمناتِ، الأحياءِ مِنهُم والأمواتِ، اللهمَّ: إنَّا نسألُكَ عِيشةً هنيَّةً، ومِيتَتَةً سَوِيَّةً، ومَرَدًّا غير مُخْزٍ، اللهمَّ: ادْفَعْ عنَّا وعنْ بلادِنا الشُّرورَ والفتنَ، ورُدَّ عنَّا وعن بلادِنا كيدَ الكُفَّارِ، ومكْرَ الفُجَّارِ، وإضرارَ الأعداءِ، وإضلالَ المُبتدِعَةِ، وإفسادَ المُنحلِّينَ، اللهمَّ: أصلِحْ الولَاةَ ونُوّاَبَهُم وجندَهُم وسدِّدهُم إلى مَراضِيكَ، إنَّكَ سميعُ الدُّعاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولَكُم.