الزَّجر عن تتبُّع عيوب المؤمنين وإشاعتها وعِظم فضل السَّتْر عليهم
الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ المُطلِّعِ على خفايا الأُمورِ، وأسْرَارِ العبيدِ، وهوُ بكُلِّ شيءِ عليمِ، والصلاةُ والسلامُ على عبدِهِ ورسولِهِ النَّبيِّ الأُمِّيِّ الذي يُؤمِنُ باللهِ وكلِماتِهِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ الذينَ آمنوا بِهِ وعزَّرُوهُ ونصرُوهُ.
أمَّا بعدُ، فيَا أيُّها النَّاسُ:
إنَّنَا لا نَخلو مِنَ الخَطأِ والزَّلَلِ، ولا نَسلَمُ مِن العُيوبِ واللَّمَمِ، ويَحصُلُ مِنَّا التقصيرُ في جَنْبِ اللهِ، ونَقعُ في ظُلمِ أنفُسِنَا بشيءٍ مِنَ الذُّنوبِ، وقدْ تَتنَافَرُ نُفُوسُنَا وتَضِيقُ ويَصْدُرُ عنها ما لا يجوزُ معَ بعضِ مَن نُجالِسُ مِن أهلٍ وقرَابَةْ ورِفْقَةٍ، أو بعضِ مَن نُعامِلُ ونُجاوِرُ ونُجادِلُ، وكُلُّ ابنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائِينَ التوَّابُونَ.
والتفتِيشُ عن عثرَاتِ عبادِ اللهِ المُؤمِنينَ، وتَتبُّعُ عَورَاتِهِم، واستِقصَاءُ زَلَلِهِم، واللَّهَجُ بمَساوِئِهِم، وكشْفُ المَستورِ مِن عُيوبِهِم، خُلُقٌ مذمومٌ، وطبْعٌ مَرذُولٌ، وفِعلٌ مَشِينٌ، وطريقٌ قَبيحٌ، ودليلٌ على ضَعفِ إيمانِ فاعلِهِ، ونقْصِ أدبِهِ وتأدُّبِهِ، ناهِيكَ عمَّا هوَ أشدُّ كفَضْحِ صاحِبِ العَيبِ ومُقتَرِفِ الخَطأِ بينَ العِبادِ، وهتْكِ سِتْرهِ المُغِطَّى وإشاعَةِ فاحِشَتِهِ عبْرَ الحديثِ في مجالِسِ النَّاسِ أوِ الهاتِفِ ورَسائِلِهِ، فكيفَ بما هوَ أشَرُّ وأضَرُّ وأظْلَمُ وأطْغَى كالفضْحِ لَهُ والهَتْكِ والإشاعَةِ لِعيبِهِ وسَقْطَتِهِ في أنحاءِ المَدينَةِ أوِ البلَدِ كُلِّهَا أوِ العالَمِ جميعِهِ بملايينِ سُكَّانَهِ، عَبرَ الأجهزَةِ المَعلوماتِيِّةِ الذَّكِيَّةِ التي تحفَظُهُ لِمِئاتِ السِّنين، وبرامِجِ التواصُلِ الاجتماعِيِّ المُتنوِّعَةِ، ومواقِعِ شبكَةِ الإنْترنِيتِّ، ثُمَّ المُعلِّقونَ فيها على العَيبِ والخَلَلِ هذا يَسُبُّ ويلْعَنُ، وهذا يزيدُ فيهِ بالكذِبِ والافتراءِ أوِ الجَهْل والغَبَاءِ أو التقليدِ والتَّبعِيَّةِ لِلغيرِ، وهذا يُصَّفِي حساباتٍ ويَنتَقِمُ ويُحرِّضُ، وهذا يُصوِّرُ لِيوَثِّقَ ويأتِيَ بسَبْقٍ ويَشتَهِرُ.
ألَمْ يَرْدَعْ هؤُلاءِ القومَ أصحابَ هذهِ الفِعالِ القبيحَةِ قولُ رِبِّهِم سُبحانَهُ مُرَّهِبًا وزاجِرًا: { وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ }، أمَا أفزَعَهُم قولُ رَبِّهِم سُبحانَهُ: { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ }، أمَا طرَقَ أسمَاعَهُم قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّحيحِ: (( وَلاَ تَحَسَّسُوا وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ تَنَاجَشُو وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَانًا ))، أمَّا يَخشَونَ أنْ تدورَ الدائِرَةُ عليهِم فيُعاقبُهُم اللهُ بفَضْحِهم حتَّى في جَوفِ بُيوتِهِم، ويُخْزَونَ بينَ زوجاتِهِم وأبنائِهِم وبناتِهِم وآبائِهِم وأُمَّهاتِهِم وقرَابَتِهِم وعَشيرَتِهِم وقبيلَتِهِم ورِفَاقِهِم وجِيرَانِهِم، فقدْ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ واصِفًا إيمانَ هؤلاءِ ومُهدِّدًا لَهُم: (( يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ ))، وثبتَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ زاجِرًا لَهُم: (( لَا تُؤْذُوا عِبَادَ اللهِ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَطْلُبُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ طَلَبَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ طَلَبَ اللهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ ))، وقالَ بعضُ السَّلفِ الصالِحِ الأوَّلِينَ: «رَأَيْت أَقْوَامًا مِن النَّاس لَهُم عُيُوب فَسَكَتُوا عَن عُيُوب النَّاس فَسَترَ الله عُيوبهم وزالَت عَنْهُم تِلْكَ الْعُيُوب، وَرَأَيْت أَقْوَامًا لم تَكُنْ لَهُم عُيُوب اشْتغَلوا بعُيوب النَّاس فَصَارَت لَهُم عُيُوبٌ».
أيَّها النَّاسُ:
إنَّ شريعَةَ الإسلامِ جليلَةٌ فيما قَضَتْ بِهِ، رفيعَةٌ في ثِمَارِ أحكامِهَا، لا تعودُ على النَّاسِ إلا بما يُصلِحُهُم، ويُقوِّي لُحْمَتَهُم، ويزيدُ في أُلْفَتِهِم وتآلُفِهِم، ويَشرَحُ صُدورَهُم ويُطَمئِنُهُم، حيثُ صانَتِ العورَاتِ شديدًا، وحَمَتِ المُستَتِرينَ بِسَترِ اللهِ مِنَ الفضْحِ والفضيحِةِ، فنَهَتْ عن تَتبُّعِ العورَاتِ، وحرَّمَّتْ التَّجَسُّسَ والتَّحَسُّسَ على المُؤمِنينَ، وهدَّدَتْ المُشِيعَ لِلقبائِحِ وقبَّحَتْهُ، وأهدَرَتْ حَقَّ مَنِ اطَّلَعَ على عَورِاتِهِم بغيرِ إذْنٍ مِنهُم ورِضًا، فصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَوِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِكَ أَحَدٌ وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ، خَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ ))، وصحَّ: (( أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي جُحْرٍ فِي بَابِ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ رَسُولِ اللهِ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ الله قَالَ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْتَظِرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنَيْكَ» ))، وأعظَمَتْ الشريعَةُ الأجْرَ والعاقِبَةَ لِمَن سَتَرَ أخاهُ المُسلِمَ، ورَغَّبَتِ المُسلِمينَ في سَتْرِ بعضِهِم على بعضٍ، فصَحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ))، وصح َّأنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))، ومعنَى هذا الحديثِ: أنَّ اللهَ يَستُر معاصِي وعُيوبَ العبدِ يومَ القيامَةِ بينَ أهلِ المَوقْفِ جَزاءَ سَتْرِهِ على أخيهِ المُسلِمِ عُيوبَهُ في الدُّنيا.
والسَّتْرُ على أهلِ العُيوبِ مِن الصِّفاتِ الكريمَةِ، والأخلاقِ الجليلَةِ، والآدابِ الجميلَةِ التي يُحبُّهَا اللهُ ــ جلَّ وعلا ــ، فقدْ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ ))، وثبتَ أنَّ ابنَ عباسٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( إِنَّ الله حَلِيمٌ رَحِيمٌ بِالْمُؤْمِنِينَ يُحِبُّ السَّتْرَ ))، بلْ وزجَرَتِ الشريعَةُ العبدَ عن فضْحِ نفسِهِ بإظهارِ فوَاحِشِهِ وقبائِحِهِ ومعاصِيهِ بالمُجاهَرَةِ بفِعِلِهَا أوِ التَّحَدُّثِ أمامَ النَّاس بفِعْلِهِ لَهَا، ودَعَتْهُ إلى سِتْرِ نفسِهِ، فصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: يَا فُلاَنُ عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ الله عَنْهُ ))، وبالإسناد الصَّحيح إلى ابنِ المُسيِّبِ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: (( أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ أَتَى أَبَا بَكْرٍ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ زَنَى، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: اسْتَتِرْ بِسِتْرِ الله وَتُبْ إِلَى الله فَإِنَّ النَّاسَ يُغَيِّرُونَ وَلَا يُعَيِّرُونَ، وَالله يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، فَلَمْ تَقَرَّ نَفْسُهُ حَتَّى أَتَى عُمَرَ فَذَكَرَ مِثْلَ مَا ذَكَرَ لِأَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مِثْلَ مَا قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمْ تَقَرَّهُ نَفْسُهُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ مِرَارًا، فَلَمَّا أَكْثَرَ بَعَثَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُمْ: هَلِ اشْتَكَى؟ أَبِهِ جِنَّةٌ؟، فَقَالُوا: لَا وَالله يَا رَسُولَ الله إِنَّهُ لَصَحِيحٌ، قَالَ: أَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ؟، قَالُوا: بَلْ ثَيِّبٌ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ )).
أيُّها النَّاسُ:
قالَ عبدُ اللهِ بنُ المَبارَكِ ــ رحمَهُ اللهُ ــ عن حالِ السَّلَفِ معَ أهلِ العُيوبِ: (( كانَ الرَّجلُ إذا رَأى مِن أخيهِ ما يَكرَهُ أمَرَهُ في سِتِرٍ ونَهَاهُ في سِتْرٍ، فيُؤجَرَ في سَتْرِهِ ويُؤجَرَ في نَهيِهِ، فأمَّا اليوم فإذا رَأى أحَدٌ مِن أحَدٍ مَا يَكْرَهُ أسْتَغْضَبَ أخَاهُ وهتَكَ سِتْرَهُ ))، وقالَ الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: (( الْمُؤْمِنُ يَسْتُرُ وَيَنْصَحُ، وَالْفَاجِرُ يَهْتِكُ وَيَفْضَحُ ))، فاتقوا اللهَ في أنفُسِكُم ولا تُهلَكوهَا وتَظلِموهَا وتُسِيئُوا إليها فتُوقِعُونَهَا فيما حرَّم اللهُ عليها مِن التعدِّي على أعراضِ النَّاسِ، بَتَتبُّعِ عورَاتِهِم، والتنقِيبِ عن عُيوبِهِم، والاستِمتاعِ بزَلاتَهِم، ونَشرِ سقَطَاتِهِم، وهتْكِ سِتِرِهِم، وفضحِهِم بينَ العِبادِ، فحُقوقُ النَّاسِ لا يُسقِطُهَا كثْرَةُ العباداتِ، ولا أعمالُ الخيرِ، وإنَّما تَسقُطُ بعَفوِهِم، وقدْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ )).
اللهمَّ: جَمِّلْنَا بأحَاسِنِ الأخلَاقِ وكرِيمِ الآدَابِ وقَوِيمِ الطِّباعٍ، يا سَميعَ الدُّعاءِ.
الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الذي وسِعَ كُلَّ شيءٍ رحمَةً وعِلمًا، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وباللهِ نَستعِينُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ.
أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:
فإنَّ تحذيرَ المُسلِمينَ مِن أهلِ البِدَعِ والأهواءِ، ومِنَ الدُّعَاةِ إلى البِدَعِ والضَّلالاتِ الذينَ يَنتسِبونَ لِلعلمِ الشَّرعِيِّ، وذَمَّهُم وعَيبَهُم، وبيانَ ما هُم عليه مِن ضَلالٍ وانحِرافٍ عنِ الإسلامِ والسُّنَّةِ لا يَدخُلُ في الغِيبَةِ المُحرَّمَةِ، ولا في الطَّعنِ المَمنوعِ شرْعًا، ولا هوَ مَذمومٌ في الشريعَةِ باتفاقِ العلماءِ، لا خِلافَ بينَهُم في ذلِكَ، وقدْ نَقلَ اتفاقَهُم جَمْعٌ عديدٌ مِنَ العلماءِ مِن مُختلفِ المذاهِبِ والبُلدانِ والعُصورِ، بلْ أنَّهُ مِن الأُمورِ المطلوبَةِ والمَمدُوحَةِ شرْعًا باتفاقِ العلماءِ، ومِنَ الأعمالِ التي يُؤجَرُ عليها الفاعِلُ كثيرًا إنْ قصَد بذلِكَ وجَهَ اللهِ، ونصيحَةَ الخلْقِ، وإبعادَهُم عنِ البَدَعِ وأهلِهَا ودُعاتِهَا وأماكِنِهَا، والتحذيرُ مِن الشَّرِ وأهلِهِ في الأُمورِ الدُّنيَوِيَّةِ مطلوبٌ ومُسْتحْسَنٌ شرْعًا وعقلًا، وهوَ مِنَ النَّصيحَةِ وحُبِّ الخيرِ لِلنَّاسِ، فكيفَ بتحذِيرِهِم مِنَ الشَّرِ الذي يَضُرُّ بالدِّينِ والآخِرَةِ وأهلِهِ ودُعاتِهِ، لا رَيبَ أنَّهُ مطلوبٌ ومَمدُوحٌ أكثرُ وأوْلَى وآكَدُ، وعلى هذا السَّبيلِ سَارَ أهلُ السُّنَّةِ مُنذ عهدِ الصحابَةِ وإلى اليومِ، وقدْ قالَ الإمامُ ابنُ أبي زَمَنِينَ المالِكيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ في كتابِهِ “أُصولِ السُّنَّةِ”: «ولَمْ يَزَل أهلُ السُّنة يَعِيبون أهلَ الأهواءِ المُضِلَّةِ، ويَنهونَ عن مُجالَسَتِهِم، ويُخوِّفُونَ فِتنتَهُم، ويُخبِرونَ بخِلافِهِم، ولا يَرونَ ذلِكَ غِيبَةً لَهُم، ولا طعْنًا عليهِم»، وقالَ الإمامُ ابنُ تَيميَّةَ ــ رحمَهُ اللهُ ــ في “فتاويهِ”: «ومِثلُ أئمَّةِ البِدَعِِ مِن أهلِ المقالاتِ والعِبادَاتِ المُخالِفَةِ لِلكتابِ والسُّنَّةِ فإنَّ بيانَ حالِهِم وتحذيرَ الأُمَّةِ مِنهُم واجِبٌ باتفاقِ المُسلِمينَ، حتَّى قيلَ لأحمدَ بنِ حَنبلٍ: “الرَّجُلُ يصومُ ويُصلِّي ويَعتكِفُ أحَبُّ إليكَ أو يتكلَّمُ في أهلِ البَدَعِ؟ فقالَ: إذا قامَ وصلَّى واعتكَفَ فإنَّما هو لِنفسِهِ، وإذا تكلَّمَ في أهلِ البِدَعِ فإنَّما هوَ لِلمُسلِمينِ، هذا أفضَلُ”، فبيَّنَ: أنَّ نَفعَ هذا عامٌ لِلمُسلِمينَ في دِينِهِم، مِن جِنسِ الجهادِ في سبيلِ اللهِ»، وثبتَ عن غيرِ واحِدٍ مِنَ التَّابعينَ تلامِذِةِ الصحابَةِ ومَن بعدَهُم أنَّهُم قالوا: (( لا غِيبَةَ لِمُبتِدِعٍ ))، ومعنى كلامِهم هذا: أنَّ عَيبَ وذَمَّ أهلِ البِدَعِ والتحذيرَ مِنهُم ومِن دُرُوسِهِم وكُتُبِهِم وصَوتِيَّاتِهِم ومَجالِسِهِم والاستماعِ والقراءَةِ لَهُم لا يَدخلُ في بابِ الغِيبَةِ المُحرَّمَةِ، وأنَّهُ جائِزُ شرْعًا، لأنَّهُ مِن صِيانَةِ الدِّينِ عن الأخطاءِ المَنسوبَةِ إليهِ زُورًا، ومِن نصيحَةِ المُسلِمينَ وحِمايَتِهِم مِن المُبتَدِعِ وبِدَعِهِ في الدِّينَ حتى لا يَضلُّوا مِثْلَهُ، ومِن رحمَةِ المُبتَدِعِ لِيَرجِعَ عن بدَعِهِ وتقِلَ آثامُهُ بتقليلِ مُتابِعِيهِ على بدَعِهِ، إذْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ )).
اللهمَّ: طَهِّرْ قُلوبَنَا مِنَ الغِلِّ والحِقْدِ والحسَدِ والضَّغِينَةِ، اللهمَّ: اغفِرْ لَنَا ولِمَن أسَأنَا إليهِ بقولٍ أو فِعلٍ، وتجاوَزْ عنَّا وعنهُ، واجعَلَنَا وإيَّاهُ مِمَّن يَعفو ويَصفَحُ، اللهمَّ: ارفَعِ الضُّرَ والشَّرَ عنَّا وعنِ المُسلِمينَ، واجعَلْ خيرَ أعمَارِنَا وأعمَالِنَا آخِرَهَا، وجَمِّلْنَا في الآخِرَةِ برِضَوانِكَ والتَّنعمِ في الجنَّاتِ، إنَّكَ رَبٌّ رَحِيمٌ جَوادٌ كريمٌ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولِكُم.