الفضائل والأحكام والأخطاء الخاصة بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام
الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ـــــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُسْتَحِقِّ لِجَمِيعِ الْكَمَالَاتِ، بَارِئِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، الْمُدَبِّرِ لِكُلِّ الْمَخْلُوقَاتِ الْعُلْوِيَّاتِ وَالسُّفْلِيَّاتِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَظِيمُ الصِّفَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلَى الْعَالَمِينَ بِالْهُدَى وَالْبَيِّنَاتِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ أَفْضَلَ الصَّلَوَاتِ وَأَبْلَغَ التَّسْلِيمَاتِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْعَامِلِينَ بِالصَّالِحَاتِ، وَأَزْوَاجِهِ الطَّيِّبَاتِ، وَإِنْ رَغِمَتْ أُنُوفُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ:
فإِنَّ مِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْنَا بِبَعْثِهِ فِينَا وَإِلَيْنَا عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَظِيمَةٌ وَجَلِيلَةٌ، وَمَرْحُومٌ وَمَنْصُورٌ وَسَعِيدٌ مَنْ آمَنَ بِهَا وَصَدَّقَهَا وَاتَّبَعَهَا، وَقَدْ نَوَّهَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْمِنَّةِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ }، لَقَدْ كُنَّا ضُلَّالًا فَهَدَانَا اللَّهُ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُتَفَرِّقِينَ أَعْدَاءً فَجَمَعَنَا اللَّهُ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِنَا بِهِ، عَالَةً فَأَغْنَانَا اللَّهُ بِهِ، أَذِلَّةً فَأَعَزَّنَا اللَّهُ وَنَصَرَنَا بِهِ، أَهْلَ جَهَالَةٍ بِاللَّهِ وَعَمًى فَبَصَّرَنَا اللَّهُ بِهِ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَنِ اصْطَفَاهُ مِنْ بَيْنِ خَلْقِهِ فَبَعَثَهُ إِلَيْنَا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَنْ أَكْرَمَنَا بِالْإِيمَانِ بِهِ وَمُتَابَعَتِهِ فِي أَحْوَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَاعْتِقَادَاتِهِ وَعِبَادَاتِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَآدَابِهِ، وَلَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }.
أَيُّهَا النَّاسُ:
إِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِبَادَةٌ وَطَاعَةٌ جَلِيلَةٌ، وَإِنَّ أَجْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ كَبِيرٌ، وَفَضْلَهَا عَظِيمٌ، وَمَنْزِلَتَهَا عَالِيَةٌ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ))، فَلَا تَبْخَلُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ لَاسِيَّمَا عِنْدَ ذِكْرِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ الْبَخِيلَ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ ))، وَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ ))، وإِنَّ الصَّلَاةَ عَلَيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُشْرَعُ وَتَتَأَكَّدُ فِي مَوَاطِنَ وَأَوْقَاتٍ عِدَّةٍ.
مِنْهَا: فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ )).
وَمِنْهَا أَيْضًا: بَعْدَ الْأَذَانِ مَعَ أَذْكَارِهِ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ )).
وَمِنْهَا أَيْضًا: فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ مِنْ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ، إذْ صَحَّ أَنَّهُ: (( قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: قُولُوا: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» )).
وَمِنْهَا أَيْضًا: فِي قُنُوتِ رَمَضَانَ فِي رَكْعَةِ الْوِتْرِ الْأَخِيرَةِ، لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّرَاوِيحِ زَمَنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ.
وَمِنْهَا أَيْضًا: فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا صَلَّاهَا يُكَبِّرُ لَهَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ ثُمَّ يُكَبِّرُ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى رَسُولِ اللهِ بِالصَّلَاةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ ثُمَّ يُكَبِّرُ، ثُمَّ يَدْعُو لِلْمَيِّتِ ثُمَّ يُكَبِّرُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ ثَابِتَةٌ عَنْ الصَّحَابَةِ، كَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ــ.
أَيُّهَا النَّاسُ:
إِنَّ مِنْ الْأَخْطَاءِ الَّتِي تَحْصُلُ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ مَعَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «زِيَادَةَ لَفْظِ سَيِّدِنَا فِي الصَّلَاةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ مِنْ الصَّلَاةِ»، وَزِيَادَتُهَا لَمْ تَرِدْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَصْحَابِهِ وَلَا التَّابِعِينَ وَلَا أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، وذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ الشَّافِعِيُّ: «أَنَّ فُقَهَاءَ الْمُسْلِمِينَ الْأَوَائِلَ قَاطِبَةً لَمْ يَقَعْ فِي كَلَامِ أَحَدِهِمْ زِيَادَةُ لَفْظِ سَيِّدِنَا مَعَ الصَّلَاةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّةِ عِنْدَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ مِنْ الصَّلَاةِ»، وَلَا رَيْبَ عِنْدَ كُلِّ مُحِبٍّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَمُعَظِّمٍ أَنَّ الِاقْتِصَارَ فِي الْعِبَادَاتِ عَلَى مَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَمُوَافَقَتَهَا هُوَ الْوَاجِبُ وَالْأَكْمَلُ وَالْآجَرُ.
وَمِنْ الْأَخْطَاءِ أَيْضًا: قَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ لِبَعْضٍ إِذَا نَسِيَ شَيْئًا «صَلِّ: عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، قُلْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ»، وَهَذَا غَيْرُ مُنَاسِبٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّ مَقَامَ النِّسْيَانِ يُنَاسِبُهُ الِاسْتِعَانَةُ بِاللَّهِ عَلَى التَّذْكِيرِ، وَذِكْرُهُ سُبْحَانَهُ وَحْدَهُ، فَاللَّهُ هُوَ الْمُذَكِّرُ، وَهُوَ مَنْ نَحْتَاجُ إِلَيهِ أَنْ يُذَكِّرَنَا، وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِذِكْرِهِ وَحْدَهُ عِنْدَ النِّسْيَانِ، فَقَالَ ــ جَلَّ وَعَلَا ــ آمِرًا لَنَا وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ }.
وَمِنْ الْأَخْطَاءِ أَيْضًا: «الْجَهْرُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثْنَاءَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ إِذَا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ»، وَالْعُلَمَاءُ ــ رَحِمَهُمُ اللَّهُ ــ لَهُمْ فِي صَلَاةِ الْمُسْتَمِعِ لِلْخُطْبَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَانِ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: «إِنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهِ سِرًّا فِي نَفْسِهِ»، لِلْأَحَادِيثِ الْعَامَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ دُعَاءٌ، وَالدُّعَاءُ السُّنَّةُ فِيهِ الْإِسْرَارُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: «إِنَّهُ يَسْكُتُ وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ»، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحَّ أَنَّهُ قَالَ: (( إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ )) فَمَنَعَهُ رَسُولُ اللهِ مِنْ تَسْكِيتِ الْمُتَكَلِّمِ أَثْنَاءَ الْخُطْبَةِ مَعَ أَنَّ تَسْكِيتَهُ لَهُ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، وَهُوَ وَاجِبٌ، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ سُنَّةٌ، وَالسُّنَّةُ أَوْلَى بِالسُّكُوتِ مِنْ الْوَاجِبِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ الْمَاضِينَ وأَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ: «بإنَّهُ يُجْهَرُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثْنَاءَ الْخُطْبَةِ».
وَمِنْ الْأَخْطَاءِ أَيْضًا: «الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعِيًّا بِصَوْتٍ وَاحِدٍ مُتَوَافِقٍ مُرْتَفِعٍ، يَبْدَؤُونَ فِيهَا وَيَنْتَهُونَ سَوِيًّا»، وَمَنْ بَحَثَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ: فَلَنْ يَجِدَهَا عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَصْحَابِهِ وَلَا التَّابِعِينَ وَبَاقِي سَلَفِ الْأُمَّةِ الصَّالِحِ وَلَا عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَتَلَامِذَتِهِمْ وَمَنْ فِي زَمَنِهِمْ وَبَعْدَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ، وَإِنَّمَا سَيَجِدُهَا عَنْ أَقْبَحِ النَّاسِ عَقِيدَةً وَمَذْهَبًا، وَهُمُ الشِّيعَةُ الرَّافِضَةُ، وَمَنْ تَلَقَّاهَا عَنْهُمْ مِنْ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ، فَهُمْ مَنْ بَدَأَهَا وَجَاءَ بِهَا إِلَى النَّاسِ وَنَشَرَهَا فِي بُلْدَانِهِمْ وَمَسَاجِدِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ، بَلْ قَالَ الْإِمَامُ الْمُفَسِّرُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: «كَرَاهِيَةُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ، بِهِ قَالَ عَامَّةُ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ»، فَكَيْفَ إِذَا اجْتَمَعَ مَعَ رَفْعِ الصَّوْتِ التَّرْدِيدُ جَمَاعِيًّا، هَذَا أَشَدُّ فِي الذَّمِّ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُعَاءٌ لَهُ، وَالدُّعَاءُ يَكُونُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، وَقَدْ أَنْكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، فَصَحَّ عَنْ أَبِي مُوسَى ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: (( كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ))، وَصَحَّ أنَّ قَيْسَ بْنَ عَبَّادٍ قَالَ: (( كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ الذِّكْرِ )).
وَمِنْ الْأَخْطَاءِ أَيْضًا: «زِيَادَةُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَلْفَاظِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ مِنْ الْمُؤَذِّنِ، وَعِنْدَ صُعُودِ خَطِيبِ الْجُمُعَةِ الْمِنْبَرَ»، وَقَدْ تَكَاثَرَتْ الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي صِيَغِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَفِي الْخُطْبَةِ وَلَيْسَ فِيهَا الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، وَلَا قَالَ بِهَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَلَا أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا أَئِمَّةُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ فِي زَمَنِهِمْ وَمَا بَعْدَهُ، وَلَا وَرَدَتْ فِي كُتُبِهِمْ، وَإِنَّمَا أَحْدَثَهَا وَابْتَدَعَهَا الشِّيعَةُ الرَّوَافِضُ فِي الْقُرُونِ الْمُتَأَخِّرَةِ، وَأَخَذَهَا عَنْهُمْ غُلَاةُ الصُّوفِيَّةِ فَنَشَرُوهَا فِي النَّاسِ، وَخَالَفُوا بِهَا السُنَّةَ النَّبَِوِيَّةَ، وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ، بِنَصِّ حَدِيثِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحِ، فَقَدْ قَالَ جَابِرٌ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» ))، وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنْ هَذِهِ الْأَخْطَاءِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ: «وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى: أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالدُّعَاءَ كُلَّهُ سِرًّا أَفْضَلُ، بَلِ الْجَهْرُ وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِالصَّلَاةِ بِدْعَةٌ، وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِذَلِكَ أَوْ بِالتَّرَضِّي قُدَّامَ الْخَطِيبِ فِي الْجُمُعَةِ مَكْرُوهٌ أَوْ مُحَرَّمٌ بِالِاتِّفَاقِ».
{ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ــــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الرَّحِيمِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ وَالْيُسْرِ وَالْعُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَالرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَتَتَحَقَّقُ تَقْوَاهُ بِلُزُومِ أَمْرِهِ، وَالْقِيَامِ بِمَا أَوْجَبَ، وَالْعَمَلِ بِمَا رَغَّبَ إِلَيْهِ، وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ، وَالْبُعْدِ عَمَّا كَرِهَهُ وَقَبَّحَهُ، وَتَرْكِ التَّفْرِيطِ فِي دِينِهِ وَشَرْعِهِ: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }.
ثُمَّ اعْلَمُوا: أَنَّ قَوْلَنَا فِي حَقِّ نَبِيِّنَا عِنْدَ ذِكْرِهِ: «صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ»: دُعَاءٌ مِنَّا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّنَا نَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ فِي الْمَلَإِ الْأَعْلَى، وَمَعْنَى: «يُثْنِي عَلَيْهِ»، أَيْ: يَذْكُرُهُ بِالصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ، وَ «الْمَلَإُ الْأَعْلَى» هُمْ: الْمَلَائِكَةُ، فَكَأَنَّكَ تَقُولُ: يَا رَبِّ صِفْهُ بِالصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ، وَاذْكُرْهُ عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى تَزْدَادَ مَحَبَّتُهُمْ لَهُ، وَيَزْدَادَ ثَوَابُهُمْ بِذَلِكَ.
وَاعْلَمُوا أَيْضًا: أَنَّ أَفْضَلَ صِيغَةٍ يُصَلَّى بِهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ: الصَّلَاةُ الْإِبْرَاهِيمِيَّةُ، لِأَنَّهَا الصِّيغَةُ الَّتِي عَلَّمَهَا لأَصْحَابَهِ حِينَ سَأَلُوهُ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، فَقَالَ لَهُمْ قُولُوا: (( اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ )).
هَذَا، وَأَسْأَلُ اللَّهَ: أَنْ يُجَنِّبَنَا الشِّرْكَ وَالْبِدَعَ، وَأَنْ يَشْرَحَ صُدُورَنَا بِالسُّنَّةِ وَالِاتِّبَاعِ، اللَّهُمَّ: يَسِّرْ لَنَا وَلِأَهْلِينَا عِبَادَتَكَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَتَقَبَّلْهَا مِنَّا بِالْأَجْرِ الْعَظِيمِ، اللَّهُمَّ: أَعِذْنَا وَالْمُسْلِمِينَ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، اللَّهُمَّ: احْفَظْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَمِنْ خَلْفِنَا وَعَنْ أَيْمَانِنَا وَعَنْ شَمَائِلِنَا وَمِنْ فَوْقِنَا وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِنَا، وَاحْفَظْنَا بِالْإِسْلَامِ قَائِمِينَ وَقَاعِدِينَ وَرَاقِدِينَ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.