طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ إِلَى دِينِ رَبِّهِ الْإِسْلَامِ
الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ـــــــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ الْإِنْسِ وَالْجَانِّ، أَحْمَدُهُ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الرَّحْمَنُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَبْعُوثُ بِالْقُرْآنِ، أَرْسَلَهُ وَالْعَرَبُ عَاكِفَةٌ عَلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، مُعْلِنَةٌ الْكُفْرَ وَالْعِصْيَانَ، فَدَعَاهُمْ بِأَوْضَحِ الْبَيَانِ، رَحْمَةً بِهِمْ وَإِحْسَانًا، وَنَسَخَ بِدِينِهِ جَمِيعَ الْأَدْيَانِ، فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ الْأَعْيَانِ، صَلَاةً دَائِمَةً عَلَى مَرِّ الْأَزْمَانِ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
فَإِنَّ أَعْظَمَ نِعْمَةٍ حَصَلَتْ لَكُمْ، وَأَفْضَلَ شَرَفٍ حُزْتُمُوهُ، وَأَكْبَرَ مِنَّةٍ وُفِّقْتُمْ لَهَا، وَأَجَلَّ مَكْسَبٍ فُزْتُمْ بِهِ وَرَبِحْتُمُوهُ: أَنْ هَدَاكُمْ رَبُّكُمْ لِاعْتِنَاقِ دِينِهِ الْإِسْلَامِ، وَأَكْرَمَكُمْ فَكُنْتُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَجَمَّلَكُمْ فَعَمِلْتُمْ بِشَرِيعَتِهِ إِلَى انْقِضَاءِ الْآجَالِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ مُمْتَنًّا عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْجَلِيلَةِ، وَالرَّحْمَةِ السَّابِغَةِ الْكَبِيرَةِ: { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ }، وَقَالَ ــ جَلَّ وَعَلَا ــ مُتَفَضِّلًا: { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ }، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي شَأْنِ بُيُوتَاتِ النَّاسِ مُبَشِّرًا: (( أَيُّمَا أَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْعَرَبِ أَوِ الْعَجَمِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ ))، وَثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ لِلْإِسْلَامِ ))، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْأَنْصَارِ مِن أصحابِهِ مُذَكِّرًا لَهمُ بِنِعْمَةِ الْهِدَايَةِ لِلْإِسْلَامِ وَأَحْكَامِهِ: (( أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي، كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ ))، وَلِعِظَمِ نِعْمَةِ الْهِدَايَةِ لِلْإِسْلَامِ كَانَ الصَّحَابَةُ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ــ يَتَذَاكَرُونَ فِيمَا بَينَهُمْ تَفَضُّلَ اللهِ عَلَيهِمْ بِهَا، وَيَحْمَدُونَهُ أَنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِهَا، فَصَحَّ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟» قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا، قَالَ: «آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟» قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللهَ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ» ))، وَصَحَّ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ــ كَانُوا يَرْتَجِزُونَ فِي غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ وَهُمْ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ وَالْكُفَّارُ يُحَاصِرُونَهُمْ، فَيَقُولَونَ شَاكِرِينِ للهِ: (( اللهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا ))، وَقَالَ يُوسُفُ ــ عَلَيهِ السَّلَامُ ــ نَاسَبًا نِعْمَةَ الْإِسْلَامِ لِرَبِهِ وَشَاكِرًا لَهُ عَلَيهَا: { وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ }.
فَاعْرِفُوا ــ يَا عِبَادَ اللَّهِ ــ: قَدْرَ نِعْمَةِ الْهِدَايَةِ لِلْإِسْلَامِ، وَاسْتَمْسِكُوا مَا عِشْتُمْ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَالْمِنَّةِ الْوَافِيَةِ، وَالْهَجُوا بِشُكْرِ رَبِّكُمْ عَلَيْهَا كَثِيرًا، وَاحْمَدُوهُ بِهَا بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَكُونُوا بِهَا فَرِحِينَ، وَلِأَحْكَامِهَا مُتَعَلِّمِينَ وَعَامِلِينَ، وَفِي إِصْلَاحِهَا مِنَ النَّشِطِينَ السَّبَّاقِينَ، وَلَهَا مُقَوِّينَ لَا مُضْعِفِينَ، مُحْسِنِينَ غَيْرَ مُسِيئِينَ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ )).
وَاسْتَمِرُّوا عَلَى: الِاعْتِصَامِ بِهَذَا الْإِسْلَامِ بِالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ بِأَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ حَتَّى يَتَوَفَّاكُمْ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ يُرِيدُ رَحْمَتَكُمْ وَإِكْرَامَكُمْ وَالْإِنْعَامَ عَلَيْكُمْ وَأَنْ تَسْعَدُوا الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }.
وَأَكْثِرُوا مِنْ: سُؤَالِ رَبِّكُمْ سُبْحَانَهُ تَثْبِيتَكُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالْعَمَلِ بِمَا يُقَوِّيهِ حَتَّى تَمُوتُوا، فَقَدْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَلْ كَانَ يُكْثِرُ مِنْهُ، حَيْثُ صَحَّ عَنْ أَنَسٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» ))، وَصَحَّ عَنْ نَافِعٍ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: (( أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ــ وَهُوَ عَلَى الصَّفَا يَدْعُو، يَقُولُ: “اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ: { اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ }، وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ كَمَا هَدَيْتَنِي لِلْإِسْلَامِ أَنْ لَا تَنْزِعَهُ مِنِّي حَتَّى تَتَوَفَّانِي وَأَنَا مُسْلِمٌ” )).
وَاعْلَمُوا: أَنَّ مَنْ زَاغَ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ هَالِكٌ وَخَاسِرٌ لَا مَحَالَةَ، وَهُوَ مَنْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ وَسَبَّبَ خُسْرَانَهَا الْكَبِيرَ، وَتَسَبَّبَ فِي بَوَارِهَا الشَّدِيدِ، بَلْ وَظَلَمَهَا ظُلْمًا عَظِيمًا بَيِّنًا، وَأَخْزَاهَا بَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ أَجْمَعِينَ، وَسَعَى فِي شَقَائِهَا وَعَذَابِهَا الْأَبَدِيِّ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى زَاجِرًا عَنْ رَدِّ نِعْمَةِ دِينِهِ الْإِسْلَامِ، وَمُرَهِّبًا مِن ابْتِغَاءِ غَيْرِهِ: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ: لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ))، وَإِنَّ مِنْ كَبِيرِ فَضْلِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَزِيلِ إِكْرَامِهِ لَهُمْ، وَرَحْمَتِهِ الْوَاسِعَةِ بِهِمْ، تَكْرِيهَ الْكُفْرِ إِلَى قُلُوبِهِمْ، وَتَحْبِيبَهُمْ فِي الْإِيمَانِ بِهِ وَبِشَرِيعَتِهِ، حَيْثُ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُمْتَنًّا عَلَيْهِمْ: { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ }، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ ــ وَذَكَرَ مِنْهُنَّ ــ: وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ )).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ مَنْ عَرَفَ الْإِسْلَامَ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ، وَشَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لَهُ: فَلَا يَزْدَادُ لَهُ مَعَ تَقَدُّمِ الْعُمُرِ إِلَّا حُبًّا وَتَمَسُّكًا وَعَمَلًا، وَلِرَبِّهِ عَلَيْهِ حَمْدًا وَشُكْرًا، وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قُبَيلَ إِسْلَامِهِ أَنَّ هِرَقْلَ مَلِكَ الرُّومِ حِينَ سَأَلَهُ عَنِ الدَّاخِلِينَ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ لَهُ: (( وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ ))، وَلَمَّا حَصَلَتِ الْكِتَابَةُ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَلَبِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ قَالَ لَهُ: (( يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟ ))، فَقَالَ حَاطِبٌ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ: (( لَا تَعْجَلْ، وَاللَّهِ مَا كَفَرْتُ وَلَا ازْدَدْتُ لِلْإِسْلَامِ إِلَّا حُبًّا )).
وَإِنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ: لَيَحْسُدُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ أَشَدَّ الْحَسَدِ عَلَى نِعْمَةِ الْهِدَايَةِ لِلْإِسْلَامِ، وَالْعَمَلِ بِشَرِيعَةِ الْإِيمَانِ، وَخَاتِمَةِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْجِنَانِ، وَيَسْعَوْنَ فِي صَرْفِهِمْ عَنْهَا، وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا، بِمَا يَسْتَطِيعُونَ مِنْ سُبُلٍ وَأَقْوَالٍ وَفِعَالٍ وَتَرْغِيبٍ وَتَرْهِيبٍ، حَيْثُ قَالَ اللَّهُ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ عَنِ الْمُنَافِقِينَ: { وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً }، وَقَالَ سُبْحَانَهُ عَنْ أَهْلِ الشِّرْكِ: { وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ }، وَقَالَ ــ عَزَّ شَأْنُهُ ــ عَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ }، وَقَالَ عَن جَمِيعِهِمَا: { مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }.
اللَّهُمَّ: آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ـــــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نَعْمَائِهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ أَنْبِيَائِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
فَلَقَدْ رُحِمْتُمْ بِالْإِسْلَامِ أَكْبَرَ رَحْمَةٍ، وَأُكْرِمْتُمْ بِالْإِيمَانِ أَعْظَمَ إِكْرَامٍ، فَنُقِلْتُمْ بِهِ مِنْ نَجَاسَةِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَقَذَارَتِهِ إِلَى طَهَارَةِ التَّوْحِيدِ وَجَمَالِهِ، وَمِنْ تَعَاسَةِ وَشَقَاءِ وَضَنْكِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ وَنَكَالِهَا وَبُؤْسِهَا إِلَى نَعِيمِ الْجَنَّةِ وَطِيبِهَا وَسُؤْدَدِهَا.
فَاحْذَرُوا أَشَدَّ الْحَذَرِ: أَنْ تَنْقُضُوا إِسْلَامَكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الشِّرْكِ، وَتُبْطِلُوا إِيمَانَكُمْ بِالْكُفْرِ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ سَيَنَالُهُ غَضَبٌ شَدِيدٌ مِنْ رَبِّهِ وَلَعْنَةٌ، وَتَحْبَطُ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ وَتَفْسُدُ، وَلَا يُغْفَرُ لَهُ، وَلَنْ يُرْحَمَ، وَمُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ الْخَالِدِينَ فِي عَذَابِهَا أَبَدًا، حَيثُ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: { وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }، وَقَالَ تَعَالَى: { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ }، وَقَالَ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا }.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
مَنْ تَبَدَّلَ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ، وَارْتَدَّ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَعَاقِبَتُهُ الدُّنْيَوِيَّةُ حَزُّ رَأْسِهِ بِالسَّيْفِ مِنْ قِبَلِ الْحَاكِمِ، طَاعَةً لِلَّهِ رَبِّهِ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ: لَا يَحِلُّ دَمُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَّا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: التَّارِكُ الْإِسْلَامَ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ ))، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ))،
اللَّهُمَّ: إِنَّكَ قُلْتَ: { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ } وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ وَإِنَّا نَسْأَلُكَ كَمَا هَدَيْتَنَا لِلْإِسْلَامِ أَنْ لَا تَنْزِعَهُ مِنَّا حَتَّى تَتَوَفَّانَا وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ، اللَّهُمَّ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، اللَّهُمَّ: يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ، رَبَّنَا: لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، اللَّهُمَّ: أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِأَهْلِينَا وَالمُؤمِنِينَ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.