إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > خطبة مكتوبة بعنوان: « هلكتنا وضعفنا وإذلالنا وتفرقنا وتناحرنا من نتاج ذنوبنا »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « هلكتنا وضعفنا وإذلالنا وتفرقنا وتناحرنا من نتاج ذنوبنا »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 15 أكتوبر 2016
  • 16٬057
  • إدارة الموقع

هلكتُنا وضعفُنا وإذلالُنا وتفرُّقنا وتناحُرنا مِن نِتاج ذُنوبِنا

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ القويِ في أخذِهِ وقهرِهِ، مَن بارزَهُ بالعصيانِ أذاقَهُ عذابًا أليمًا، ومَن استغفرَهُ مِن ذُنوبِه وجدَهُ توابًا رحيمًا، وأشهدُ أنْ لا إله إلى اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، اللهمَّ فصَلِّ وسلِّم وبارِكْ عليه، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ.

أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:

فكَمْ لِبلادٍ عديدَةٍ أرضِ الإسلام وهيَ تأِنُّ وتَنزِفُ، وكَمْ لَهَا وهيَ تَحترِقُ، وكَمْ مرَّ عليها مِن سِنينَ وهيَ تَضْطرِبُ وتَتوجَّعُ وتُصْرُخُ وتتقلَّبُ، وكَمْ لَهَا وهيَ تُدمَّرُ وتُفكَّكُ وتُمزَّقُ وتُقسَّمُ، وكَمْ فيها مِن فِتَنٍ واقتِتالٍ ومِحَنِ وبَلاءٍ، وإلى أيِّ حالٍ وصَلَ ضعفُ المُسلِمينَ، وهوانُهُم على النَّاسِ.

وإنَّ مِنَ المعلومِ ضرورَةً مِن نصوصِ القرآنِ والسُّنَّةِ النَّبويَّةِ: أنَّهُ ما سُلِّطَ وتَسلَّطَ علينا أعداءُ الإسلامِ والسُّنَّةِ الله، ولا حَلَّتْ بدِيارِنَا الحُروبُ، وكَثُرَ القتلُ في صُفوفِنَا، وتوسَّعَتْ آلامُنُا، وازدَادتْ نَكَباتُنَا، وعَظُمَتْ مِحَنُنَا، وضَعُفتْ قُوَانَا، وتَردَّى اقتِصادُنَا، وأُخِذَتْ خيرَاتُنَا وأفَلَتْ، وتَناحَرْنَا فيما بينَنَا وتَفَرَقْنَا وتَعادَينَا، إلا مِن عندِ أنفُسِنَا، إلا بما عَملَتُهُ أيدِينَا، إلا بسببِ ذُنوبِنَا، إلا لأجْلِ ترْكِنَا ما فرَضَ اللهُ وأوجَبَ علينَا، وارتِكَابِنَا ما نَهَانَا عنهُ وزَجَرَنَا، وصدَقَ اللهُ، وكذَبَ المُتخرِّصُونَ أو أخطؤوا، حيثُ قالَ اللهُ ــ عزَّ شأنُهُ ــ في تقريرِ هذا: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ }، وقالَ سُبحانَهُ: { وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }، وثبتَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ بشأنِ أُمَّتِهِ معَ الذُّنوبِ: (( وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ وَيَأْخُذُ بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بَيْنَهُمْ بِكِتَابِ اللهِ إِلَّا جَعَلَ بِأَسَهُمْ بَيْنَهُمْ ))، وثبتَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَاد،َ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ )).

أيَّها المُسلِمونَ:

إنَّ الذُّنوبَ والآثامَ، والفواحِشَ والمُنكرَاتِ، والقبائِحَ والرَّذائلَ، والجرائِمَ والمَخازِيَ، والظُّلمَ والعُدوانَ، والبَغْيَ والفِسقَ والفُجورَ، لَتُؤثِّر في أمْنِ البلادِ، ورَخَائِهَا واقتِصَادِهَا، وقُلوبِ أهلِهَا، وإنَّ ما يُصِيبُ النَّاسَ مِن المَصائِبِ العامَّةِ أوِ الخاصَّةِ، الفرْدِيَّةِ أو الجماعِيَّةِ، فإنَّه بما كسَبَتْ أيدِيهِم، هُم سَببُهُ وأهلُهُ، هُم سَببُهُ حيثُ فعلوا ما يُوجِبُهَ مِن شِركِيَّاتٍ وبِدَعٍ ومَعاصٍ، وهُم أهلُهُ حيثُ كانوا مُستحقِّينَ لَهُ جزاءً مِنَ اللهِ، وقدْ قالَ اللهُ ــ جلَّ وعلا ــ في تقريرِ هذا: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }، وقالَ تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ }، وثبتَ: (( أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ ابْتُلِيَ فِي جَسَدِهِ، فَقَالَ: مَا أُرَاهُ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو اللَّهُ أَكْثَرُ، وَتَلَا: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } ))، وصحَّحَ جمعٌ مِنَ العلماءِ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( وَلَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا ))، وصحَّحَ العلامَةُ الألبانيُّ وغيرُه، عنِ ابنِ عباسٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ أنَّهُ قالَ: (( وَلَا فَشَتْ الْفَاحِشَة فِي قوم إِلَّا أَخذهم الله بِالْمَوْتِ ))، وقالَ جمعٌ مِنَ الصحابَةِ والتابعينَ: (( مَا نَزَلْ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَا رُفِعَ إِلَّا بِتَوْبَةٍ )).

أيُّها المُسلِمونَ:

مَن نظرَ إلى حالِ أهلِ الإسلامِ، وقلَّبَ بصرَهُ وعقلَهُ وقلبَهُ إلى عُمومِ بلادِهِم، وفي البيوتِ والمُدُنِ والقُرَى والأريافِ والبوادِي والطُّرُقِ والبِحارٍ والأنهارٍ والمُنتزَهاتِ والحدائِق والأسواقٍ والمُولاتِ والاحتفالاتِ والمَهرَجَاناتِ فسَيرَى ما يَندَى لَهُ الجَبِينُ، وتَحزَنُ لِعِظَمِهِ القلوبُ، وتَرجُفُ مِنهُ الأفئِدَةُ، ، وتَنكَمِدُ لأجلِهِ النُّفوسُ، إنَّها ذُنوبٌ تتواصَلُ وتتكاثَرُ، ومُنكرَاتٌ تتَجدَّدُ، وقبائِحُ تتلاحَقُ، وجهلٌ بقالَ اللهُ وقالَ رسولُهٌ يَكْبُرُ ويكْثُر ويتوسَّعُ.

وانظُرْ إذا شِئْتَ في أقطارٍ كثيرَةٍ مِن بلادِ الإسلامِ، وقد بُنِيَتْ المساجِدُ على القبورِ أو بُنِيَتْ عليها الأبنِيَةُ والقِبابُ المُزيَّنَةُ المُزَخرَفة، وكأنَّهَا أمكِنَةُ عُرْسٍ وفرَحٍ لا عذابٍ أوْ نَعيمٍ، والنَّاس عندَهَا يُشرِكونَ برَبِّهِم بدُعاءِ غيرِهِ معَهُ، فهذا يطلُبُ مِن الميِّتِ الصالِحِ العَونَ، وهذا يطلُبُ الفرَجَ، وذاكَ يطلُبُ الولَدَ، وهذهِ تطلُبُ الشِّفاءَ، وتَلكَ تطلُبُ المَدَدَ، وآخَرونَ يطوفونَ على القبورِ كأنَّهَا الكعبَةُ، ومعَ كُلِّ هذا الشَّرِ وأكثر مِنهُ، فالمُنكِرُ عليهِم أقلُّ مِنَ القليلِ، والسَّاكِتُ والمُثبِّطُ والمُخَذِّلُ عن بيانِ الحقِّ لَهُم كثيرٌ، وألْحِقْ بالبدَعِ في المساجِدِ والمَوالِدِ والمَآتِمِ والأعيادِ والجنائِزِ وزيارَةِ القبورِ والجُمَعِ والجماعاتِ والخِطْبَةِ وعُقودِ النِّكاحِ والأذكارِ والأدعِيَةِ والحَجِّ والعُمرَةِ وشهرِ مُحرِّمٍ وعاشورَاء ورَبيعٍ الأوَّلِ ورجَبٍ وشَعبانَ ورمضانَ، وانظُرْ كَمْ يذهبُ إلى السَّحرَةِ والكَهَنَةِ والمُشعوذِينَ يَسأَلُهُم ويَتعامَلُ معَهُم، أوْ يتَّصِلُ بِهِم لِطلَبِ علاجٍ أو معرفَةِ ما سُرِقَ أوْ ضاعَ مِنهُ أو مَن سَحرَهُ، أوْ عن بُرْجِهِ لِمعرفَةِ نمَطِ حياتِهِ وشخصِيَّتِهِ ومُستقبَلِهِ.

وانظُرْ كَمْ مِن مُتهاوِنٍ بالصلاةِ ونائِمٍ ومُنشَغِلٍ عنها أوْ تارِكٍ لِجمِيعِهَا أوْ بعضِها وجمَاعَتِهَا وجُمَعِهَا، وكيفَ حالُ النَّاسِ إذا أُقِيمَتِ الصلاةُ، فكَمْ في المساجدِ وكَمْ في الأسواقِ والبُيوتِ والطُّرقاتِ والملاعبِ والمقاهِي والاحتفالاتِ والمهرجاناتِ، وكَمْ عندَ الفضائِياتِ وبرامِجِ التواصُلِ ومواقِعِ الإنترنِتِ، وهلْ تتوقَّفُ حركَةُ السياراتِ وقتَ الصلاةِ وتَخلو الطُّرقاتِ مِنها؟

وانظُرْ كَمْ مِن مُشاهِدٍ لأفلامِ الرَّذيلَةِ والفُجورَ، في الفضائِياتِ وبرامِجِ التواصُل، ومواقِعِ الإنترنِتِّ وغيرِهَا؟ وكَمْ يُباعُ في الأسواقِ مِن الألبسَةِ والأجهزَةِ والأدواتِ والأشياءِ المُحرَّمَةِ، وكَمْ يقعُ مِن الباعَةِ وأهلِ المِهَنِ الحِرَفِيَّةِ والصِّيانَةِ مِن كذِبٍ وغِشٍّ وتدلِيسٍ وخيانَةٍ واستغلالٍ وغَبْنٍ؟ وكَمْ مِن آكِلٍ أموالَ النَّاسِ باسْمِ المُساهمَاتِ والعقارَاتِ والمُضارَباتِ التِّجارِيَّةِ؟ وكَمْ في المجالِسِ والمجامِعِِ والبُيوتِ والمُسامرَاتِ مِن الغِيبَةِ والنَّميمَةِ والسِّبابِ واللَّعنِ والسُّخرِيَةِ والاستهزاءِ والكذِبِ؟ وكَمْ في الأشعارِ والقصائِدِ والأغانِي مِنَ الأقوالِ المُحرَّمَةِ في شأنِ النِّساء والحُكَّامِ، وفي الفَخْرِ والمدْحِ والهِجاءِ، وفي العَصَبِيَّةِ الجاهِليَّةِ القَبَلِيَّةِ والعشائِرِيَّةِ والبلَدِيَّةِ والمَناطِقِيَّةِ؟

وانظُرْ كيفَ حالُ النِّساءِ معَ التبرُّجِ والسُّفورِ والاختلاطِ والتَّعَرِّي، والتقليدِ لِلفاجِراتِ والكافِراتِ في الألبِسَةِ والشَّعَرِ والزِّينَةِ والبَدَنِ والعاداتِ والأقوالِ والأفعالِ، وفي المُلتقَياتِ والأعرَاسِ والأسواقِ والمُناسباتِ وفي التشبُّهِ بالرِّجال أفعالًا ولِباسًا وهَيئَةً وجراءَةً واختِلاطًا؟ وكيفَ حالِ الشَّبابِ معَ الكفارِ في لِباسِهِم وشعَرِهِم وأفعالِهِم وحركَاتِهِم؟ حتَّى وصلَ الحالُ ببَعْضِهِم وبعْضِهِنَّ أنْ تَشبَّهوا بسَقَطِ وأحَطِّ وحُثالَةِ الخلقِ مِنَ الشُّذَّاذِ جِنْسِيًّا وأخلاقِيًا، ويَحصلُ فِعلُهُم هذا أمامَ أعيُنِ آبائِهِم وأُمَّهاتِهِم وباقِي أهلِيهِم وقرابَتِهِم.

وانظُرْ إلى حالِ النَّاسِ معَ حُكَّامِهِم؟ إنَّه سَبٌّ ولَعنٌ وغِيبَةٌ وبذَاءَةٌ وإرجَافٌ وتحريضٌ وتألِيبٌ وتخوِينٌ وقذفٌ بالباطلِ والظُّنونِ، وحَالِ كثيرينَ وكيفَ تفرَّقُوا في الدِّينِ إلى جماعَاتٍ وأحزَابٍ وتنظِيماتٍ مُتعدِّدَةٍ وطُرُقٍ صُوفِيَّةٍ ومذاهب تكفيرية، وكَمْ تأثَّرَ بِهِم وتعاطَفَ معَهُم، وانخدَعَ بما هُم عليه وانْجَرَّ إليهِم جَسَدِيًّا أو قَلبيًّا أوْ بكِلَيهِمَا، وحَالِ آخَرينَ وكيفَ تأثرَّوا بالعَلمَانِيَّةِ واللِّبرَالِيَّةِ واللَّادِينِيَّةِ، وأهلِ التغريبِ والإلحادِ، والحَرَكَةِ النَّسَوِيَّةِ؟

وانظُرْ إلى حالِ كثيرينَ معَ المالِ الحرَامِ، فكَمْ مِن آكِلٍ لأموالِ الصَّدقَةِ والزَّكاةِ باسمِ الفقرِ وعندَهُ ما يَسُدُّ ضرورياتِهِ أوْ هوَ قويٌّ قادِرٌ على الكسبِ والعمل؟ وكَمْ مِن آكلٍ لأموالِ مَن يعملُ عندَهُ بالاختلاسِ أو بيعِ أشياءٍ لِصالِحِ نفسِهِ في المَتجْرِ الذي يَعملُ فيهِ أو برفْعِ سِعْرِ السِّلعَةِ عمَّا حدَّدَهُ لَهُ مالِكُ المَتجَرِ لِيأخُذَ ما زادَ لنفسِهِ؟ وكَمْ مِن آكِلٍ لِلمالِ عن طريقِ السَّرِقَةِ أوِ الرِّشوَةِ أوِ الرِّبَا أوِ التلاعُبِ بقطَعِ الغِيارِ والصِّيانَةِ أوِ مُضارَباتِ التِّجارِة؟ وكَمِ مِن آكِلٍ لِلمالِ باسمِ جمعِهِ لِلفقراءِ والمنكوبينَ والمرضَى والجِهادِ؟ ويَجمَعُ ذلِكَ كُلَّهُ أنْ يُقالَ: «كيفَ حَالُ أكثرِ النَّاسِ معَ ما يَعْمُرُ دُنْيَاهُم الفِانِيَة، وما يَعْمُرُ آخِرتَهَم الباقِيَة».

وسُبحانَ اللهِ: عَدَدَ خلْقِهِ، ورِضَا نفْسِهِ، ومِدَادَ كلِمَاتِِه، وبالإبكارِ والعَشِيِّ.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصلاتُهُ وسلامُهُ على النَّبيِّينَ، والأتْبَاعِ المُؤمِنينَ.

أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونُ:

فالبِدارَ البِدارَ إلى التوبَةِ النَّصوحِ، والإقلاعِ عن الذُّنوب مِن شِركِيَّاتٍ وبدَعٍ ومعاصِي، ولُزومِ ما جاءَ في القرانِ والسُّنَّةِ النَّبويَّةِ وكانَ عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُهُ، والتَّمسَُّكِ بِه في كُلِّ الأحوالِ، وجميعِ الأشياءِ، والمُسارَعَةَ المُسارَعَةَ إلى الأعمالِ الصالِحَةِ، والإكثارِ مِنها، إنْ كُنَّا نُريدُ أنْ تتحَسَّنَ أحوالُنَا، ويُذِلَّ اللهُ أعداءَنَا، وتأتيَ العِزَّةُ، ويُسرِعَ النَّصْرُ، ويَكثُرَ الأمْنُ، ويذهبَ الخوفُ، ونكونَ في عافِيَةٍ ورَغْدِ عَيشٍ، وسعادةِ نفسٍ وطُمأنِينِةٍ، ورِضًا مِنَ اللهِ ورحمَةً، وحُسنِ سُلطانٍ، فاللهُ تعالى قدْ وعَدَ، ووعدُهُ حقٌّ وصِدْقٌ لا يَتخلَّفُ، حيثُ قالَ سُبحانَهُ: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ }، وقالَ ــ عزَّ وجلَّ ــ: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا }، وقالَ ــ تبارِكَ اسمُهُ ــ: { وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا }.

اللهمَّ: اغفِرْ لَنَا ولأهلِينا ولِلمُسلِمينَ ما قدَّمْنَا وما أخَّرْنَا وما أسرَرْنَا وما أعْلَنَّا وما أسرَفْنَا وما أنتَ أعلَمُ بِهِ مِنَّا، اللهمَّ: طهِّرْ قُلوبَنَا مِن الغِلِ والحِقْدِ والحَسَدِ والنِّفاقِ والرِّيَاءِ، وألْسِنِتَنَا مِن الشِّرْكِ والكذَبِ واللَّعنِ والغِيبَةِ والنَّميمَةِ، اللهمَّ: إنَّا نسألُكَ عِيشَةً هَنِيِّةً، ومِيتَةً سَوِيِّةً، ومَرَدًّا غيرَ مُخْزٍ، إنَّك سميعُ الدُّعاءْ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.