الْفَوَائِدُ وَالْأَحْكَامُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فِي الْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ
الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ــــــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعْتَمَدُ، وَإِلَيْهِ الْمُسْتَنَدُ، وَمِنْهُ الْمُسْتَمَدُّ، وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَبْعُوثُ رَحْمَةً لِلْإِنْسِ وَالْجَانِّ، فَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ ــ جَلَّ وَعَلَا ــ بِالْحَذَرِ مِنْ أَذِيَّةِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِلْحَاقِ الضَّرَرِ بِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ أَوْ أَمْوَالِهِمْ أَوْ أَهْلِيهِمْ بِغَيْرِ جُرْمٍ فَعَلُوهُ، وَلَا جِنَايَةٍ اقْتَرَفُوهَا، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ زَاجِرًا لَكُمْ وَمُحَذِّرًا: { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا }.
ثُمَّ اعْلَمُوا: أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ أَبَاهُ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ــ حَدَّثَهُ: (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعْبِ الْخَزَّارِ مِنَ الْجُحْفَةِ اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَكَانَ رَجُلًا أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِسْمِ وَالْجِلْدِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ، فَلُبِطَ بِسَهْلٍ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي سَهْلٍ؟ وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَمَا يُفِيقُ، قَالَ: «هَلْ تَتَّهِمُونَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ؟» قَالُوا: نَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ وَقَالَ: «عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ هَلَّا إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ؟»، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «اغْتَسِلْ لَهُ»، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ الْمَاءُ عَلَيْهِ، يَصُبُّهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِهِ وَظَهْرِهِ مِنْ خَلْفِهِ، يُكْفِئُ الْقَدَحَ وَرَاءَهُ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ )).
وَمَوْضُوعُ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحِ هُوَ: إِثْبَاتُ الْإِصَابَةِ بِالْعَينِ، وبَيَانُ كَيْفِيَّةِ عِلَاجِ الْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْأَلْفَاظِ: قَوْلُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ حِينَ رَأَى جِسْمَ وَبَدَنَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ وَهُوَ يَغْتَسِلُ: (( مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ ))، وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ مَا رَأَى قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ جَسَدًا فِي الْحُسْنِ كَجَسَدِ سَهْلٍ، وَلَا حَتَّى فِي النِّسَاءِ الْمُخَبَّآتِ اللَّاتِي رَآهُنَّ مِنْ قَبْلُ، وَالْمُخَبَّأَةُ هِيَ: الْمَرْأَةُ الْمُخَدَّرَةُ الْمَكْنُونَةُ الَّتِي لَا تَرَاهَا الْعُيُونُ، وَلَا تَبْرُزُ لِلشَّمْسِ فَتُغَيِّرَ لَوْنَ جِلْدِهَا.
وَجَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْأَلْفَاظِ أَيْضًا: قَوْلُهُ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ: (( فَلُبِطَ سَهْلٌ، وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَمَا يُفِيقُ ))، وَمَعْنَى: (( فَلُبِطَ سَهْلٌ ))، أَيْ: صُرِعَ وَسَقَطَ فَمَا يُفِيقُ وَلَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَحَصَلَ لَهُ ذَلِكَ حِينَ أَصَابَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ بِالْعَيْنِ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّبَوِّيِّ الصَّحِيحِ جُمْلَةٌ مِنَ الْمَسَائِلِ وَالْأَحْكَامِ وَالْفَوَائِدِ الْجَلِيلَة الْجَمِيلَةِ الْمِاتِعَةِ.
فَمِنْ هَذِهِ الْفَوَائِدِ: أَنَّ الْإِصَابَةَ بِالْعَيْنِ شَيْءٌ ثَابِتٌ مَوْجُودٌ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى حُصُولِ أَثَرِهَا الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَاتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ وَالْحِسُّ الْمُشَاهَدُ، وَلَمْ يُنْكِرْهَا إِلَّا شُذَّاذُ الْخَلْقِ كَالْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ وُجُودَ اللَّهِ، وَبَعْضِ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ.
وَلَمَّا خَشِيَ نَبِيُّ اللهِ الْكَرِيمُ يَعْقُوبُ ــ عَلَيْهِ السَّلَامُ ــ عَلَى بَنِيهِ الْعَيْنَ أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَدْخُلُوا مِصْرَ جَمِيعًا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ ــ وَقَدْ كَانُوا عَدَدًا وَذَوِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ وَجَمَالٍ ــ فَقَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ عَنْ هَذَا: { وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا }، وَالْحَاجَةُ الَّتِي فِي نَفْسِهِ، هِيَ: خِيفَةُ الْعَيْنِ عَلَيْهِمْ، وَحَاوَلَ الْكُفَّارُ زَمَنَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصِيبُوهُ بِالْعَيْنِ فَحَمَاهُ اللَّهُ مِنْ عُيُونِهِمْ، حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذَا: { وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ }.
وَمِنْ الْفَوَائِدِ أَيْضًا: أَنَّ فِي طِبَاعِ الْبَشَرِ الْإِعْجَابَ بِالشَّيْءِ الْحَسَنِ، وَلِهَذَا لَمْ يُعَاتِبِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ: لَا يَمْلِكُ دَفْعَهُ، وَإِنَّمَا عَاتَبَهُ عَلَى تَرْكِهِ التَّبْرِيكَ الَّذِي كَانَ فِي مَقْدُورِهِ حِينَ رَأَى حُسْنَ جَسَدِ سَهْلٍ الْمَكْشُوفِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ: (( عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ هَلَّا إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ؟ )).
وَمِنْ الْفَوَائِدِ أَيْضًا: أَنَّ الْإِعْجَابَ بِالشَّيْءِ وَالنَّظَرَ إِلَيْهِ وَقَوْلَ شَيْءٍ عَنْهُ دُونَ دُعَاءٍ لِصَاحِبِهِ بِالْبَرَكَةِ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَسْبَابِ الْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ، إِذْ ثَبَتَ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: (( إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ ))، فَدَلَّ هَذَا الْكَلَامُ عَلَى: أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُصِيبُ نَفْسَهُ أَوْ مَالَهُ أَوْ مَرْكَبَتَهُ أَوْ وَلَدَهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَوْ غَيْرَهُمْ بِالْعَيْنِ إِذَا رَأَى فِيهِمْ مَا يُعْجِبُهُ دُونَ دُعَاءِ اللَّهِ بِالْبَرَكَةِ فِيهِمْ وَلَهُمْ.
وَمِنْ الْفَوَائِدِ أَيْضًا: أَنَّ الْإِصَابَةَ بِالْعَيْنِ قَدْ تَقَعُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، حَيْثُ وَقَعَتْ مِنْ صَحَابِيٍّ، وَالْمَذْمُومُ هُوَ: تَقَصُّدُ أَذِيَّةِ النَّاسِ بِالْعَينِ وَتَرْكُ الدُّعَاءِ بِالْبَرَكَةِ إِذَا رَأَتِ الْعَيْنُ مَا يُعْجِبُ، وَخُشِيَ مِنْهَا الضَّرَرُ، وَمِنْ أَقْبَحِ أَمْرِ الْعَائِنِ أَنْ تَصْدُرَ عَنْهُ الْعَيْنُ عَنْ حَسَدٍ وَغَيْظٍ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى حُصُولِهَا عَنْ حَسَدٍ، مَا صَحَّ: (( أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ» )).
وَمِنْ الْفَوَائِدِ أَيْضًا: بَيَانُ عِظَمِ ضَرِ الْعَيْنِ، وَأَنَّ الْعَيْنَ قَدْ تَقْتُلُ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ هَلَّا إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ؟ ))، وَمِنْ ضَرَرِهَا الْوَارِدِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: سُقُوطُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ بِسَبِهَا مَصْرُوعًا عَلَى الْأَرْضِ لَا يُفِيقُ وَلَا يَتَحَرَّكُ، وَقَدْ جَاءَ بِسَنَدٍ حَسَّنَهُ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( «أَكْثَرُ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أُمَّتِي بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ: بِالْأَنْفُسِ»، يَعْنِي: الْعَيْنَ )).
وَمِنْ الْفَوَائِدِ أَيْضًا: أَنَّ الْعَيْنَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَعْدُو إِذَا بَرَّكَ الْعَائِنُ فَدَعَا اللهَ بِالْبَرَكَةِ لِأَخِيهِ، وَإِنَّمَا تَعْدُو إِذَا لَمْ يُبَرِّكْ، وَصِفَةُ التَّبْرِيكِ: أَنْ يَقُولَ: «بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، أَوْ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْ بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ»، وَهَذَا التَّبْرِيكُ دُعَاءٌ، وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتُ: (( إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ ))، وَيُخْطِئُ بَعْضُ النَّاسِ فَيَقُولُونَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ لِشَيْءٍ بِإِعْجَابٍ لِيَدْفَعُوا الْعَيْنَ: «تَبَارَكَ اللَّهُ»، لِأَنَّ: تَبَارَكَ وَصْفٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِنَا: «تَعَالَى وَتَعَاظَمَ وَتَقَدَّسَ رَبُّنَا»، وَلَيْسَ بِدُعَاءٍ بِالْبَرَكَةِ، والسُّنَّةُ النَّبَوِيِّةُ: نَصَّتْ عَلَى الدُّعَاءِ لِدَفْعِ الْعَينِ.
وَمِنْ الْفَوَائِدِ أَيْضًا: بَيَانُ كَيْفِيَّةِ عِلَاجِ الْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ بَعْدَ وُقُوعِهَا وَمَعْرِفَةِ مَنْ هُوَ الْعَائِنُ، وَذَلِكَ: بِأَنْ يُطْلَبَ مِنَ الْعَائِنِ أَنْ يَغْتَسِلَ بِالْمَاءِ أَوْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ يُصَبُّ الْمَاءُ الَّذِي اغْتَسَلَ بِهِ أَوْ تَوَضَّأَ فِيهِ عَلَى الْمُصَابِ بِالْعَيْنِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: (( «اغْتَسِلْ لَهُ» فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ الْمَاءُ عَلَيْهِ، يَصُبُّهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِهِ وَظَهْرِهِ مِنْ خَلْفِهِ ))، وَثَبَتَ أَنَّ عَائِشَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ــ قَالَتْ: (( كَانَ يُؤْمَرُ الْعَائِنُ فَيَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ الْمَعِينُ ))، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُعْرَفِ الْعَائِنُ: فَإِنَّ الْمُصَابَ بِالْعَيْنِ يُعَالَجُ بِالرُّقْيَةِ، لِمَا صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ــ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا أَنْ تَسْتَرْقِيَ مِنَ الْعَيْنِ ))، وَلِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ــ: (( «مَا لِي أَرَى أَجْسَامَ بَنِي أَخِي ضَارِعَةً تُصِيبُهُمُ الْحَاجَةُ» قَالَتْ: لَا، وَلَكِنِ الْعَيْنُ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «ارْقِيهِمْ» )).
اللَّهُمَّ: اغْفِرْ لَنَا وَلِأَهْلِينَا وَلِلْمُؤمِنِينَ وَالْمُؤمِنَاتِ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، فَأَنْتَ الْغَفَّارُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ـــــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الْمُرْسَلِينَ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ:
فَمِن فَوَائِدِ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ــ أيضًا: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَائِنِ أَنْ يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ لِلْمَعِينِ إِذَا طُلِبَ مِنْهُ ذَلِكَ، فَإِنِ امْتَنَعَ أَثِمَ وَكَانَ عَاصِيًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ: لِأَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، حَيْثُ قَالَ لِعَامِرٍ: (( قُمْ فَاغْتَسِلْ لَهُ ))، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ صَحِيحٍ: (( الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا ))، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْوُجُوبَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الْعِلْمِ الْمُؤَكَّدِ بِأَنَّ هَذَا هُوَ الْعَائِنُ أَوْ مَعَ غَلَبَةِ الظَّنِّ لَاسِيَّمَا إِذَا أَيَّدَتِ الْقَرَائِنُ بِأَنَّ هَذَا هُوَ مَنْ أَصَابَهُ بِالْعَيْنِ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ الِاغْتِسَالُ أَوِ الْوُضُوءُ إِذَا كَانَ الْعَائِنُ يَعْلَمُ أَنَّهُ هُوَ مَنْ أَصَابَ بِالْعَيْنِ وَالْمَعِينُ لَا يَعْلَمُ مَنْ أَصَابَهُ بِالْعَيْنِ، لِأَنَّهُ: ضَرَرٌ تَسَبَّبَ فِيهِ، وَيَقْدِرُ عَلَى رَفْعِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ.
وَمِنْ الْفَوَائِدِ أَيْضًا: بَيَانُ عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ فِي إِجْرَاءِ مَا أَرَادَ، حَيْثُ جَعَلَ لِلْعَيْنِ أَثَرًا قَوِيًّا، وَجَعَلَ مَاءَ اغْتِسَالِ الْعَائِنِ مُزِيلًا لِأَثَرِهَا وَضَرَرِهَا سَرِيعًا.
وَمِنْ الْفَوَائِدِ أَيْضًا: إِبَاحَةُ تَأْنِيبِ مَنْ كَانَتْ مِنْهُ أَذِيَّةٌ لِأَخِيهِ بِالْعَيْنِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ جَرَى بِهِ الْقَدَرُ، لِقَوْلِهِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: (( فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ ))، بَلْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى: أَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْبِسَ مَنِ اشْتُهِرَ بِإِصَابَةِ النَّاسِ بِالْعَيْنِ، وَمَنْعَهُ مِنْ مُدَاخَلَةِ النَّاسِ، وَسَوَاءٌ حَبَسَهُ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي سِجْنٍ خَاصٍّ مَعَ مُرَاعَاةِ حَالِهِ وَحَالِ مَنْ يَعُولُ مِنْ أَهْلٍ وَوَلَدٍ، وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ: “إِنَّ مَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ حَبَسَهُ الْإِمَامُ، وَأَجْرَى مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ إِلَى الْمَوْتِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ قَطْعًا»، وَلِأَنَّ: حَبْسَهُ عَنِ النَّاسِ مِنْ نَصِيحَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَفِّ الْأَذَى عَنْهُمْ، وَرِعَايَتِهِمْ.
أَيُّهَا النَّاسُ:
امْضُوا فِي حَيَاتِكُمْ مُطْمَئِنِّينَ غَيْرَ قَلِقِينَ مِنَ الْعَيْنِ، فَإِنَّهُ لَوْ تَقَصَّدَكُمْ بِهَا كُلُّ عَائِنٍ وَلَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ أَنْ تُصَابُوا بِهَا، فَسَيَعْجَزُونَ بِلَا رَيْبٍ، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ))، وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ السِّحْرَ وَالسَّحَرَةَ فِي سُورَةِ “الْبَقَرَةِ” وَمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ تَفْرِيقٍ بَيْنَ الزَّوْجِ وَزَوْجَتِهِ طَمْأَنَ عِبَادَهُ عَلَى الْفَوْرِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ }، وَعَجِزَ كُفُارُ الجَاهِلِيَّةِ عَنْ إِصَابَةِ النَّبِّيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَينِ بَعْدَ تَقَصُّدٍ وَمُحَاوَلَاتٍ.
هَذَا، وَأَسْأَلُ اللَّهَ: أَنْ يَحْفَظَنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا، وَمِنْ خَلْفِنَا، وَعَنْ أَيْمَانِنَا، وَعَنْ شَمَائِلِنَا، وَمِنْ فَوْقِنَا، وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِنَا، وَأَنْ يُجَنِّبَنَا كَيْدَ الْكَائِدِينَ، وَمَكْرَ الْمَاكِرِينَ، اللَّهُمَّ: قَوِّ إِيمَانَنَا بِكَ، وَزِدْ فِي تَوَكُّلِنَا عَلَيْكَ، وَاجْعَلْ قُلُوبَنَا مُتَعَلِّقَةً بِكَ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.