تسليةُ أهل الإيمان بما يُخفِّفُ الهُموم والغُموم والكُروب والبلاء والأحزان
الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ سامِعِِ الأصوَاتِ، مُجِيبِ الدَّعوَاتِ، قاضِي الحَاجَاتِ، كاشِفِ البَلِيَّاتِ، مُفرِّجِ الكُرُبَاتِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ السِّاعِي بينَ النَّاسِ بالخيراتِ، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ صلاةً تَبلُغُ أعلَى الدَّرَجاتِ، في سَواءِ الجنَّاتِ.
أمَّا بعدُ، فَيَا معَاشِرَ أهلِ الإسلامِ:
إنَّ ابتلاءَ أهلِ الإيمانِ بدُخولِ الهُمومِ والغُمومِ والأحزَانِ على قُلوبِهِم، وزِيادَتَهَا لَهُم أكثرُ مِن أهلِ الكفرِ والفُجورِ، وحُصولَ البَلاءِ والكُروبِ والشدائِدِ عليهِم في دِينِهِم أوْ أبدَانِهِم، أوْ أهلِيهِم أوْ معاشِهِم وأرزاقِهِم أوْ دِيَارِهِم: أمْرٌ مُقَدَّرٌ ومكتوبٌ لا مَهرَبَ مِنه، إذ أقسَم اللهُ بأنَّهُ سَيبتلِي المُؤمِنينَ ببعضِ ذلِكَ اختِبارًا لإيمانِهِم وتمحِيصًا لإسلامِهِم، فقالَ سُبحانَهُ: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ }، وقالَ ــ عزَّ شأنُهُ ــ: { أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ }، وثبتَ أنَّ سعدَ بنَ أبي وقَّاصٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ))، والبَعضُ قدْ يُبتلَى بِبَسْطِ الدُّنيا، وزيادَةِ المالِ، وكبيرِ الشُّهرَةِ، وعُلوِّ المكانَةِ، وعَتيدِ القوَّةِ، وهذا خطيرٌ على دِينِ العبدِ وآخِرَتِهِ، لِمَا صحَّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( فَوَاللَّهِ: لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ ))، وإنَّهُ بسببِ الإيمانِ باللهِ والدُّخولِ في دِينِهِ الإسلامِ تَقِلُّ كثيرًا آثارُ وأخطارُ الهُمومِ والغُمومِ والأحزانِ والبَلاءِ والكُروبِ والشدَائِدِ، إذْ تَرَى الكثيرَ مِنَ الكفارِ يُصابُونَ بذلِكَ فيَنهارُونَ سريعًا، ويُقدِمونَ على قتلِ أنفُسِهِم تَخَلُّصًا مِمَّا أصابَهُم، ووصَلَتْ أعدادُ مَنِ انتَحرَ مِنهُم في بعضِ بُلدَانِهِم إلى آلافٍ كثيرَةٍ، حتَّى أصبحَ سَماعُ الانتحارِ عِندَهُم عادِيًّا، وأمَّا مُستشفَياتُ وعِيادَاتُ الانهيارَاتِ العصَبِيَّةِ والصَّدمَاتِ النَّفسِيَّة وحالاتِ الاكتِئابِ فَهُم أكثرُ رُوَّادِهَا.
معَاشِرَ المُسلِمينَ:
إنَّ مِن أدْوِيَةِ الهُمومِ والغُمومِ والأحزَانِ والكُرُوبِ: التَّسلُّحَ بالإيمانِ المَقرونِ بالعملِ الصالِحِ معَ السَّعْيِّ في تقوِيَتِهِ بإكثار الطاعاتِ، لقولِهِ تعالى: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً }.
ومِن أدْوِيَةِ الهُمومِ والغُمومِ والأحزَانِ والكُرُوبِ: تَسلِيَةُ النَّفسِ وتذكيرُهَا بعواقِبِ وثِمارِ وأُجُورِ الصَّبْرِ عليها، مِن تكفيرٍ لِلسَّيِّئَاتِ، وتكثيرٍ لِلحسَناتِ، ورِفعَةٍ في الدَّرَجاتِ، إذْ صحَّ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ ))، وفي لَفظٍ صحيحٍ: (( مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلا نَصَبٍ وَلا سَقَمٍ وَلا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ ))، وثبتَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ أَوْ الْمُؤْمِنَةِ فِي جَسَدِهِ وَفِي مَالِهِ وَفِي وَلَدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ ))، وهذا التكفيرُ العظيمُ لِلذُّنوبِ يَجعلُ المُبتَلَى المَكرُوبَ المَهمُومَ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ، مُطمَئِنَّ القلبِ، وفي أُنْسٍ وتلذُّذٍ وحلَاوَةِ إيمانٍ.
ومِن أدْوِيَةِ الهُمومِ والغُمومِ والأحزَانِ والكُرُوبِ: تَذَكُّرُ أنَّ الدُّنيا ليستْ دَارَ بقاءٍ لِلمُؤمِنِ ولا لِرَاحَتِهِ وإنَّمَا جعلَهَا اللهُ مَمَرًّا قصيرًا يَتزوَّدُ مِنهُ لِدارِ راحَتِهِ وسعادَتِهِ الأبَدِيَّةِ جَنَّةِ الخُلدِ التي لا هَمَّ فيها ولا حُزْنَ ولا ضِيقَ ولا كَرْبَ ولا ألَمَ ولا تَنغِيصَ، وقدْ صحَّ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قالَ مُسَلِّيًا لَنَا: (( الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ ))، لأنَّ المُؤمِنَ مُنشَغِلٌ في الدُّنيا وعنها بالعملِ لِلآخِرَةِ، بخلافِ الكافرِ فلا سعادَةَ لَهُ ولا مُتْعَةَ ولا راحَةً ولا تَنَعُّمَ إلا في الدُّنيا، ولِهذا كانتْ هيَ جَنَّتُهُ، وثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: (( مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ فَقَالَ: مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، قَالُوا: مَا الْمُسْتَرِيحُ وَمَا الْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ، فَقَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ )).
ومِن أدْوِيَةِ الهُمومِ والغُمومِ والأحزَانِ والكُرُوبِ: تَذَكُّرُ المُؤمِنِ بأنَّهُ سَيُعوَّضُ خيرًا كبيرًا في الجَنَّةِ عن كُلِّ ما مَرَّ بِهِ، وقد صحَّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( يُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ )).
ومِن أدْوِيَةِ الهُمومِ والغُمومِ والأحزَانِ والكُرُوبِ: أنْ يَجعلَ العبدُ الآخِرَةَ هَمَّهُ الأوَّلَ والأكبَرَ، ولْيَهْتَمَّ بالعملِ الصالِحِ وتكثيرِهِ وإحسانِهِ لأجلِهَا، وبهذا تَقوَى نفسُهُ، ويكونُ قلبُهُ متَّصِلًا بربِّهِ كثيرًا، ويَطمأِنُ ويَرتاحُ ويأنَسُ، ولا تُؤثِّرُ عليهِ مَصائِبُ وآلامُ وهُمومُ الدُّنيا إلا يسيرًا، بخلافِ ما لَو جعلَ الدُّنيا همَّهُ أوْ أكثَرَ الانشغالَ بِهَا، فسَيتأثَّرُ بما يَحصلُ فيها، ويَضَيقُ صدْرُهُ، ويَزدَادُ همُّهُ وغمُّهُ، ويَكبُرُ حُزنُهُ وأرَقُهُ، وقدْ ثبتَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ: جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ: جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ )).
ومِن أدْوِيَةِ الهُمومِ والغُمومِ والأحزَانِ والكُرُوبِ: ترْكُ الذُّنوبِ، لأنَّها سَبَبُ عُقوباتِ اللهِ العاجِلَةِ بهذهِ الأمورِ، وسَبَبُ قسوَةِ القلبِ، وضِيقِ النَّفْسِ، وتُشوِّشُ الذِّهنَ، بخلافِ الطاعَةِ فإنَّها تَسُرُّ النَّفْس، وتَشرَحُ الصدْرَ، وتَجلِبُ الاطمِئنانَ، وقدْ قالَ اللهُ سُبحانَهُ في تقريرِ هذا: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ }، وثبتَ: (( أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ ابْتُلِيَ فِي جَسَدِهِ، فَقَالَ: مَا أُرَاهُ إِلَّا بِذَنْبٍ وَمَا يَعْفُو اللَّهُ أَكْثَرُ، وَتَلَا: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } )).
ومِن أدْوِيَةِ الهُمومِ والغُمومِ والأحزَانِ والكُرُوبِ: الإكثارُ مِن ذِكرِ اللهِ واستغفارِهِ ودُعائِهِ وتِلاوَةِ القرآنِ كُلمَّا وجَدَ العبدُ فُرصَةً، يَفعلُ ذلِكَ في بيتِهِ ومركبتِهِ وعملِهِ وسُوقِهِ وطريقِهِ ومَشيهِ وجُلوسِهِ واضْطِجِاعِهِ، فإنَّ هذا يُشعِرُهُ بالرَّاحَةِ والسعادِةِ، ويَرزُقُهُ طُمأنِينَةَ النَّفْسِ، وصفاءَ الذِّهْنِ، لأنَّهُ يَحُسُّ بتعلٌّقِ قلبِهِ برِبِّهِ، وقُرْبِهِ الشديدِ مِنهُ، ويَتلذَّذُ بما يَفعلُ، ويَذوقٌ حلاوتَهُ، لإحساسِهِ بأنَّهُ يَعمُرُ بهذا آخِرَتَهُ، وقدْ قالَ اللهُ عن أهلِ هذا الحالِ: { الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ }، وصحَّ أنَّ عائِشِةَ ــ رضِيَ اللهُ عنها ــ قالتْ: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ ))، وقالَ سُبحانَهُ عن المُعرِضِينَ عن ذِكرِهِ: { وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ }.
ومِن أدْوِيَةِ الهُمومِ والغُمومِ والأحزَانِ والكُرُوبِ: أنْ يَنظرَ العبدُ إلى مُصابِ غيرِهِ الذي هو أكبَرُ مِن مُصابِهِ، وما هوَ فيهِ مِن نِعَمٍ كثيرَةٍ ومتنوِّعةٍ لمِ تحصُلْ لِغيرِهِ، فإنَّ هذا يُخفِّفُ هُمومَهُ، ويُضعِفُ ألَمَ بلائِهِ، ويُقوِّي ويُسَلِّي نفسَهُ، إذْ صحَّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ )).
ومِن أدْوِيَةِ الهُمومِ والغُمومِ والأحزَانِ والكُرُوبِ: أنْ لا يُشغلَ العبدُ نفسَهُ بالخوفِ على رِزقِهِ ومُستقبَلِهِ أوْ مُستقبَلِ أبنائِهِ وبناتِهِ مِن بعدِهِ، أوْ بِتَشويشِ ذِهِنَهِ وعقلِهِ مِن حُصولِ مكرُوهٍ وضِيقٍ لَهُ أوْ لأهلِهِ، لأنَّ الجميعَ تَحْتَ قضاءِ اللهِ وقدَرِهِ، وما كتبَهُ عليهَم كائِنٌ لا دافِعَ لهُ عنهُم ولا رَادَّ، وما لمِ يَكتُبْهُ فلنَ يَحصُلَ لَهُم ولَو تعاونَ جميعُ مَن في الأرضِ على فِعلِهِ، وقدَ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ ))، وصحَّ أنَّهُ قالَ: (( فَوَاللَّهِ: مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا ))، ولَمَّا ذَكرَ اللهُ السِّحرَ والسَّحرَةَ فقالَ سُبحانَهُ: { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ }، طمأنَ قُلوبَ عبادِهِ ورَبَطَ جأشَهَا على الفورِ، فقالَ: { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ }، وثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ )).
اللهمَّ: اهْدِ قَلوبَنَا، وسَدِّدْ ألسِنَتَنَا، واسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلوبِنَا، واهِدِنَا سُبُلَ السَّلامِ.
الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الرَّؤوفِ الرَّحيمِ، وأُصَلِّي وأُسَلِّمُ على النبيِّ محمدٍ وآلِهِ وصحبِهِ.
أمَّا بَعْدُ، فيَا معَاشِرَ المُسلِمينَ:
إنَّ مِن أدْوِيَةِ الهُمومِ والغُمومِ والأحزَانِ والكُرُوبِ: الإكثارَ مِن استِعمالِ الأذكارِ والأدعِيَةِ الثابِتَةِ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الهَمِّ والغَمِّ والحُزْنِ والكَرْبِ والابتِلاءِ بقلْبٍ حاضِرٍ، وذِهْنٍ صَافٍ، ونفْسٍ مُعلَّقَةِ باللهِ، وقدْ ثبتَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ ))، وصحَّ أنَّ أنَسًا ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» ))، وصحَّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَا أَصَابَ أَحَداً قَطُّ هَمٌّ وَلا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدك، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ: أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي، إِلا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا ))، وصحَّ أنَّ ابنَ عباسٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ))، وثبتَ أنَّ أسماءَ بِنتَ عُمَيسٍ ــ رضِيَ اللهُ عنها ــ قالتْ: (( قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ: أَلَا أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَقُولِينَهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ أَوْ فِي الْكَرْبِ: «أَللَّهُ أَللَّهُ رَبِّي لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» )).
ومِن أدْوِيَةِ الهُمومِ والغُمومِ والأحزَانِ والكُرُوبِ: الإكثارُ مِن الصَّلاةِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، إذْ لَهَا أثَرٌ على الهُمومِ، لِمَا ثبتَ أنَّ أُبَيًّا ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( يَا رَسُولَ اللَّه: إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلاتِي؟ فَقَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ» ))، ومعنى: (( أَجْعَلُ لَكَ صَلاتِي كُلَّهَا )) أي: أجعلُ دُعائِي كُلَّهُ صَلاةً عليكَ، والصلاةُ لُغَةً: الدُّعاء.
ومِن أدْوِيَةِ الهُمومِ والغُمومِ والأحزَانِ والكُرُوبِ: لُجُوءُ العبدِ وفزَعُهُ إلى الصلاةِ، واستعانتُهُ بها على تَخفيفِ ما أصابَهُ، لِقول اللهِ سُبحانَهُ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ }، وفي حديثٍ حسَّنَهُ المُحَدِّثَانِ ابنُ حَجَرٍ والألبانِيُّ عن حُذيفَةَ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ أنَّهُ قالَ: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى ))، ومعنى: (( حزَبَه أَمْرٌ )) أي: هجَمَ عليهِ، ونَزَلَ بِهِ هَمٌّ أوْ غَمٌّ، وقالَ العلماءُ: «يُستفادُ مِن هذا الحديثِ: أنَّ العبدَ إذا نزَلَ بِهِ أمرٌ يَهُمُهُ يُستحَبُّ لَهُ أنْ يُصلِّيَ»، وقالَ العلامَةُ الشِّنقِيطيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: « لصلاةُ أكبرُ مُعِينٍ على ذلِكَ، لأنَّ العبدَ إذا وقَفَ بينَ يَدَيِ رَبِّهِ يُناجِي ربَّهُ ويَتلُو كتابَهُ تَذَكَّرَ ما عندَ اللَّهِ مِنَ الثوابِ وما لدَيِهِ مِنَ العقابِ، فَهَانَ في عينِهِ كُلُّ شيءٍ، وهانَتْ عليهِ مصائِبُ الدُّنيا، واسْتَحْقَرَ لَذَّاتِهَا، رَغْبَةً فيما عندَ اللَّه،ِ ورَهْبَةً مِمَّا عندِ اللهِ»، وصحَّ أنَّ ابنَ عباسٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ: (( نُعِيَ إِلَيْهِ أَخُوهُ قُثَمُ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ تَنَحَّى عَنِ الطَّرِيقِ فَأَنَاخَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا الْجُلُوسَ، ثُمَّ قَامَ يَمْشِي إِلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ يَقْرَأُ: { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبِرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ } )).
اللهمَّ: اغفِرْ لَنَا ما قدَّمْنَا وما أخَّرْنَا، وما أسْرَرْنَا وما أعْلَنَّا وما أسْرَفْنَا، وما أنتَ أعلَمُ بهِ مِنَّا، أنتَ المُقدِّمُ وأنتَ المُؤخِّرُ لا إلهِ إلا أنتَ، اللهمَّ: طَهِّرْ قُلوبَنَا مِنَ الغِلِّ والحِقْدِ والحَسَدِ والنِّفاقِ والرِّياءِ، وألْسِنَتَنَا مِنَ الشِّركِ والكذبِ واللَّعنِ والغِيبَةِ والنَّمِيمَةِ، اللهمَّ: فرِّجْ هُمومَنَا، ونفِّسْ كُروبَنَا، وهَوِّنْ علينا بَلْوَانَا، واجعَلْنَا مِنَ الصابِرينَ، اللهمَّ: اغفِرْ لأهلِينا ولِجميعِ المُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ أحياءً وأمواتًا، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولِكُم.