الاستعداد للموت والترهيب مِن ضَنك القبور وأهوال الآخِرة
الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الذي خلَقَ الإنسانَ مِن ترابٍ، ثُمَّ قالَ لَهُ: كُنْ، فكانَ، يُعطِي ويَمنعُ، ويَخفِضُ ويَرفعُ، ويَصِلُ ويَقطُعُ، كُلَّ يومٍ هوَ في شأنٍ، لا يُسأَلُ عمَّا يَفعلُ وهُم يُسألونَ، يُجيبُ المُضْطرَّ إذا دعاهُ، ويَغفرُ لِلمُسِيءِ إذا تابَ، ويَجْبُرُ المُنكِسِرَ إذا لاذَ بِحِمَاهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحَدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، بعثَهُ رحمَةً لأهلِ الإيمانِ، وحُجَّةً على أهلِ الظُّلمِ والطُّغيانِ، نَبِيٌّ رَجَفَتْ لِهَيبَتِهِ قلوبُ جَبابِرَةِ الأرضِ، وتكسَّرَ مُلْكُهَا على يدَيهِ وعلى أيدِي جُيوشِهِ، اللهمَّ فصَلِّ وسَلِّمْ وبارِكْ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أهلِ الفضْلِ والإتقانِ، عدَدَ مَن في السماءِ والأرضِ مِن خلْقٍ.
أمَّا بعدُ، فيَا عِبادَ اللهِ:
اتَّقوا اللهَ ربَّكُم حقَّ تقواهُ، وهُبُّوا مِن الرَّقْدَةِ والغفلَةِ والتَّسوِيفِ والكَسَلِ إلى طاعَتِهِ والإكثارِ مِن الصالِحاتِ، واهجُروا الفواحِشَ والآثامَ والمُنكراتِ، مِن قبْلِ أنْ يأتِيَ يومٌ تَشَقَّقُ الأرضُ فيهِ عنِ الأجسادِ، وتَشقَّقُ السَّماءُ فيهِ بالغَمَامِ، وتُعرَضُ فيهِ الخلِيقَةُ على اللهِ الجَبَّارِ، فيَا لَهُ مِن يومٍ ما أطولَهُ، ومِن حسابٍ ما أثقلَهُ، ومِن جَزاءٍ ما أجزلَهَ، ومِن عِقابٍ ما أهولَهُ، يومٌ عظيمٌ بُعثِرتْ فيهِ القبورُ، وحُشِرَتْ فيهِ النُّفوسُ، وجَمَعَتْ فيهِ القيامَةُ أهوالَهَا، ووضَعْتْ فيهِ الحَوامِلُ أحمَالَهَا، وزُلزِلَتُ الأرضُ زِلزَالَهَا، وأخرَجَتِ الأرضُ أثقالَهَا، وقالَ الإنسانُ مالَهَا؟ يومَئِذٍ تُحدِّثُ أخبارَهَا، بأنَّ رَبَّكَ أوحَى لَهَا، وشابَ الوَلِيدُ فيها، وحَقَّ الوعيدُ، وعَظُمَ الهولُ الرَّهيبُ، وحَلَّ الكَرْبُ العظيمُ، وخافَ المُجرِمونَ الخوفَ الشديدَ، { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ }، { وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }، وخَضَعَتِ الرِّقابُ لِلهِ رَبِّ الأرْبابِ، وذَلَّ كُلُ مُجْرِمٍ وفاجِرٍ وكافِرِ، والسَّعيدُ السالِمُ المُكرَمُ مَن استعملَ نفسَهُ في طاعَةِ المعبودِ، وعَمِلِ لآخِرَتِهِ في دُنياهُ، وخافَ أنْ لا يَنجوَ مِنَ النَّار بعدَ الوُرًودِ، { وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ }.
ابنَ آدَم: اتقَ اللهَ حيثُ ما كُنتَ، فإنَّما خُلِقْتَ في الدُّنيا لِلعبادَةِ لا لِلتخلِيدِ، وأَفِقْ فإنَّ قُدَّامَكَ المقامُ العتِيدُ، والحِسابُ الشديدُ، والمِيزانُ الذي يَطيرُ بالحَبَّةِ فلا يَحيدُ، والكتابُ الذي يُطيرُ ويصيرُ قِلادَةً في العُنُقِ والجِيدِ، والصِّراطُ الذي يُقالُ: مُرَّ عليهِ، وهوَ أحَدُّ مِنَ الحديدِ وأدَقٌّ مِنَ الشَّعْرَةِ، منصوبٌ على جسِرِ جَهنَّمَ، فمَن نَجَا بحسناتِهِ فإلى جنَّةِ المُستَقرِّ، ومَن هَوَى بذُنوبِهِ ففِي النَّارِ سَقَرِ، التي يُقالُ لَهَا: هلِ امتَلأتِ؟ وتقولُ: هلْ مِن مَزِيدٍ، { الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ }.
ابنَ آدم: اتقَ اللهَ وأطِعْهُ فيما أمَرَ، وفكِّرْ في نفسِكَ فأنتَ أحَقُّ مَن فَكَرَ، هلْ ينفَعُكَ مِنَ اللهِ يومَ الفزَعِ الأكبَرِ مالٌ أوْ جَاهٌ أو مَعْشَرٌ؟ أنْعَمَ عليكَ وآوَاكَ، وتفضَّلَ عليكَ وأعطاكَ، ومَنَّ عليكَ بالسَّمعِ والفُؤادِ والبصَرِ، فكيفَ حُجَّتُكَ إذا سألَكَ عن مالِكَ مِن أينَ اكتَسَبْتَهُ، وفيمَ أنفقْتَهُ؟، وعن عُمُرِكَ وشبابِكَ فيمَ أفنَيتَهُ؟، وعن جَسَدِكَ فيمَ أبْلَيتَهُ؟، وعن عِلْمِكَ بما أوجَبَ وحرَّمَ عليكَ ماذا عَمِلتَ فيهِ؟، { فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ }، { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}،{ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}،{ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ }.
عِبَادَ اللهِ: شُدُّوا الرِّحَالَ لِيومِ الخُلودِ الأبَدِيِّ في الآخِرَةِ، فقدْ قَرُبَ الارْتِحالُ، ودَنَتِ القيامَةُ، وآجَالُكُم بيَدِ خالِقِكُم لا بأيدِيكُم، وأصلِحُوا النِّيِّاتَ والعقائِدَ والأقوالَ والأفعالَ، فبَينَمَا المَرْءُ مغْرُورٌ بتَقلُّبِهِ، مَغمُورٌ بتَكسُّبِهِ، مسرورٌ بسياحَتِهِ إذْ تَبَدَّى لَهَ ملَكُ الموتَ الذي كانَ عنهُ مُحْتَجِبًا، فقضِى فيهِ بالذي أمرَهُ بِهِ رَبُّهُ، فنُزِعَتْ مِنهُ رُوحُه، وفارَقَتْ جسَدَهُ، { كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى }.
عِبَادَ اللهِ: احْذَرُوا أنْ تجعَلوا الدُّنيا أكبَرَ همِّكُم، ومَبلَغَ عِلمُكُم، واعتَبِروا بمَن مضَى قبلَكَم مِنَ الأُمَمِ الخَالِيَةِ، والأقوامِ السَّالِفَةِ، كيفَ غرَّتْهُم الدُّنيا فاشتَغلوا بِمَلذَّاتِهَا وشهَوَاتِهَا عن دارِ القَرارِ، وذَهَبَتْ حياتُهُم فيها إلى خَسَارٍ، وأُسْكِنوا بعدَ القصورِ بطْنَ الصَّعيدِ، سَبَقُونَا بتَقَضِّي الأعمارِ، ونحنُ بعدَهُم على الآثارِ سائِرونَ، فرَحِمَ اللهُ امْرَأً لمْ يَجعلِ الدُّنيا على بالَهِ، واشتَغلَ بالآخِرَةِ فكانتْ أهمَّ اشتِغاَلِهِ، واستَعَدَّ لِلموتِ وأعمَالِهِ، والقبرِ وأهوَالِهِ، والمَلَكِ وسؤَالِهِ، والرِّبِّ وحِسابِهِ وجَزائِهِ، وهلْ يُعْطَى كتابَهُ بيَمِينِهِ أو بشِمَالِهِ، وهلْ يُدعَى إلى النِّعيمِ وظِلالِهِ، أمْ إلى الجَحِيمِ وأغلالِهِ، واللهُ يقولُ وأصدَقُ القولِ مقالُهُ: { فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى }.
عِبَادَ اللهِ: ألْجِمُوا النُّفوسَ عن تَعدِّيهَا وطغوَاهَا، فليسَ لَهَا إلا ما قدَّمَتْ مِنَ الصالِحاتِ يَدَاهَا، ولَو كانَ لَهَا يومَ القيامَةِ مِلءَ الأرضِ ذهَبًا ما نفعَهَا ولا أجْدَاهَا، أمَا واللهِ لَتُبْعَثُنَّ لِيومٍ عظيمٍ يَجمعُ اللهُ فيهِ الأُمَمَ أُوْلَاهَا وأُخْرَاهَا، ولَتُحْشَرُنَّ كمَا بدأَكُم أوَّلَ مَرِّةٍ، ولَتُحَاسَبُنَّ بأكبرِ الأعمالِ وأدْنَاهَا، ولَتُؤَدَّنَ المظالِمُ مِنَ الظَّلمَةِ على الرَّغْمِ مِنهُم كُبرَاهَا وصُغرَاهَا، ولَتكُونُنَّ إلى دارِ نَعيمٍ أبديٍّ يُنسِي عَناءَ الدُّنيا وشَقاهَا أوْ إلى دارِ عذابٍ مُفضِحٍِ يُذهِلُ عن نَعيمِ الدُّنيا وحَلاهَا، { يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ }.
عِبَادَ اللهِ: إيَّاكُم والتغافُلَ والنِّسْيانَ والصُّدودَ عنِ حِسابِ وجَزاءِ الآخِرَةِ، فإنَّ أمامَكُم القبرَ، فاحذَرُوا ضَغطَتَه ووحشتَهُ وأهوالَهُ، وإنَّ ورَاءَ ذلَكَ ما هوَ أشدّ مِنهُ، يومٌ يَشِيبُ مِن هولِهِ المَولودُ، ألَا وإنَّ ورَاءَ ذلِك ما هوَ أعظَمُ مِنهُ، دارٌ مَعدومٌ رجاؤُهَا، مَحتومٌ بلاؤُهَا، مُوحِشَةٌ مَسالِكُهَا، مُظلِمَةٌ مَهالِكُهَا، مُخَلَّدٌ أسِيرُهَا، مُؤبَّدٌ سَعيرُهَا، عالٍ زفِيرُهَا، طعامُ أهلِها الزَّقومُ، وشرَابُهُم الحَميمُ، وعذابُهُم أبَدًا فيها مُقِيمٌ، الزَّبَانِيَةُ تَقمَعُهُم، والهَاوِيَةُ تَجمَعُهُم، لَهُم فيها بالوَيلِ ضَجِيجٌ، ولِلَهَبِهَا فيهِم أَجِيجٌ، أمَانِيُّهُم فيها الهلاكُ، وما لَهُم مِن أسْرِهَا فِكاكٌ، قدْ شُدَّتْ أقدَامُهُم إلى نواصِي الرُؤُوسِ، واسْوَدَّتْ وجُوهُهُم مِن ذُلِّ الخَطِيئاتِ، يُنادُونَ مِن فِجَاجِهَا وشِعَابِهَا بُكِيًّا مِن تزايُدِ وتَنوُّعِ عذابِهَا: { يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ }، يُنادُونَ: { رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ }.
جَعَلَنِي اللهُ وإيَّاكُم: مِمَّن إذا ذُكِّرَ ادَّكَرَ، وإذا وعِظَ اعتبَرَ، وإذا أذْنَبَ استغفَرَ.
الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الرَّحيمِ الذي لمْ تَزَلْ ألطَافُهُ على عبادِهِ مُتكاثِرَةً مُتَتابِعَةً، العزيزِ الذي خضَعَتْ لِعزَّتِهِ رِقابُ الجَبابِرَةِ، القويِّ الذي أبادَ مَن كذَّبَ رُسُلَهُ مِن الأُمَمِ العاتِيَةِ الكافِرَةِ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على عبدِهِ ورسولِهِ محمدٍ صاحِبِ الآياتِ والمُعجِزَاتِ الباهِرَةِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ النُّجومِ الزَّاهِرَةِ.
أمَّا بعدُ، فيَا عِبادَ اللهِ:
اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى، ورَاقِبوهُ مُراقبَةَ الواقِفِ بينَ يَدَيهِ، والمُودِّعِ لِلدُّنيا في غَدِهِ، وإيَّاكُم والاغتِرارَ بزَهرَةَ الحياةِ الدُّنيا، فقدْ اغتَرَّ بِهَا قومٌ قبلَكُم فأوْرَدَتْهُم مَوارِدَ العَطَبِ والهلاكِ، وأسْكَرَتْهُم برَونَقِهَا فمَا أفاقُوا إلا وَهُم في معَ الموتَى في القبورِ، كانُوا أشَدَّ مِنكُم قوَّةً وأكثرَ أموالًا وعُدَدًا، كانُوا أطولَ مِنكُم آمالًا، وأحسَنَ أثَاثًا ومنظَرًا، سَرَتْ إليهِم الأقدارُ فمَا ونَتْ في سَيرِهَا، وما أبْقَتْ مِنهُم أحَدًا، فما أغنَى عنهُم ما كانوا يُمَتَّعُونَ لَمَّا نَزََل بِهِم القدَرُ، وقرُبُ المَدَى، وما كانَ لهُم مِن أولِياءٍ يَنصُرونَهُم مِن دُونِ اللهِ، ولم يَجِدوا لَهُم مِن دُونِهِ مَوئِلًا ومُلْتَحَدًا، فجَأهُم هَادِم اللَّذَاتِ، وكانَ الأجَلُ مِمَّا أمَّلوهُ أعجَلَ، وسَطَا بِهِم رَيبُ المَنونِ مُسْرِعًا، فما تَوانَى في قبضِ أرواحِهِم وما أمهَلَ، وأُخِذُوا مِنَ الدُّنيا وهُم كارِهُونَ، وحِيلَ بينُهُم وبينَ ما يَشتهونَ، ثُمَّ رُدُّوا إلى اللهِ مَولاهُمُ الحقُّ، وحَاقَ بِهِم ما كانوا يعملونَ، واستحَالَ نَعيمُ الدُّنيا عليهِم بُكَاءً ودَمًا وعذَابًا ونَكالًا، { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ }، ألَا فحَاسِبُوا أنفُسَكُم قبْلَ القُدومِ على اللهِ العظيمِ، قبْلَ مُواجَهَةِ الحِسابِ والجَزاءِ، وتأهَّبُوا لِلعرْضِ الأكبرِ علىِ اللهِ، { يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ }، ألَا تَرَونَ أنَّكُم في كُلِّ يومٍ تُشيِّعونَ غادِيًا ورَائِحًا إلى اللهِ لِلمُجازَاةِ، وإنَّ العبدَ المُؤمِنَ بينَ مَخَافَتَينِ، بينَ أجَلٍ قدْ مَضَى لا يَدْرِي ما اللهُ صانِعٌ فيهِ، وأجَلٍ قدْ بَقِيَ لا يَدْرِي ما اللهُ قاضٍ فيهِ، فلْيَأخُذِ العبدُ مِن نفسِهِ لِنفسِهِ، ومِن صِحَّتِهِ لِمَرَضِِهِ، ومِن حياتِهِ لِموتِهِ، ومِن غناهُ لفقرِهِ، فمَا بعدَ الموتِ مِن توبَةٍ ولا عمَلٍ ولا قبُولُ اعتِذارٍ، وما بعدَ الدُّنيا مِن دارٍ إلا الجنَّةُ أوِ النَّارُ.
{ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا }،{ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ }،{ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}،(( اللَّهُمَّ إِنّا نسْأَلُكَ عِيشَةً نقِيَّة، وَمِيتَةً سَوِيَّة، وَمَرَدًّا غَيْرَ مُخْزٍ ))،(( اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ ))، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.
تنبيه: أكثَر ما تقدَّم مِن خُطب لِلإمام محمد بن عبد الوهاب ــ رحمه الله ــ.