مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ
الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ــــــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَبَّبَ إِلَينَا التَّقَرُّبَ إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ لِنَبِيِّهِ بِالْعُبُودِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ، فَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ وَأَهْلَ تُقَاتِهِ:
أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِوَصِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لَنَا وَلِمَنْ قَبْلَنَا، حَيْثُ قَالَ سُبْحَانَهُ: { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ }، وَاعْلَمُوا أَنَّ تَقْوَاهُ إِنَّمَا تَحْصُلُ بِالْعَمَلِ بِمَا جَاءَ فِي شَرِيعَتِهِ وَالتَّمَسُّكِ بِهَا إِلَى الْمَمَاتِ، وَإِنَّ مِنْ أَجَلِّ مَا جَاءَ فِيهَا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحَ: (( مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ))، وَهُوَ حَدِيثٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ، جَلِيلُ الْمَعْنَى، كَثِيرُ النَّفْعِ لِلْعَامِلِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ قَالَ عَنْهُ الْعُلَمَاءُ ــ رَحِمَهُمُ اللهُ ــ: «إِنَّهُ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الْأَدَبِ»، وَقَالُوا: «جِمَاعُ آدَابِ الْخَيْرِ وَأَزِمَّتُهُ تَتَفَرَّعُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ هُوَ أَحَدُهَا»، وَقَالُوا: «هُوَ رُبُعُ الْعِلْمِ»، وَقَالُوا: «هُوَ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ الْإِسْلَامِ»، وَقَالُوا: «جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَرَعَ كُلَّهُ فِيهِ».
عِبَادَ اللَّهِ وَأَهْلَ تُقَاتِهِ:
لَا رَيْبَ أَنَّ إِحْسَانَ الْعَبْدِ إِسْلَامَهُ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا، وَمَطْلُوبٌ مِنْهُ شَدِيدًا، وَمَدْعُوٌّ إِلَيْهِ كَثِيرًا، وَمَوْعُودٌ عَلَيْهِ بِالْخَيْرِ الْعَظِيمِ، وَالْأَجْرِ الْكَبِيرِ، وَالسَّعَادَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَالْجَنَّةِ وَرِضْوَانِ اللَّهِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُبَشِّرًا الْمُحْسِنَ لِإِسْلَامِهِ: { وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ }، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ ))، وَحُسْنُ وَإِحْسَانُ الْإِسْلَامِ لَا يَتَأَتَّى إِلَّا بِسَعْيٍ شَدِيدٍ، وَتَفَقُّهٍ فِي الدِّينِ، وَمُجَاهَدَةٍ لِلنَّفْسِ الْأَمَّارَةِ، وَالشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَصَبْرٍ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَتَرْكِ الْخَطِيئَاتِ وَمُصَابَرَةٍ.
وَمِنْ أَجَلِّ طُرُقِ وَأَسْبَابِ إِحْسَانِ الْإِسْلَامِ، الَّتِي يَقْوَى بِهَا وَيَعْظُمُ: «تَرْكُ الْمُسْلِمِ مَا لَا يَعْنِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَخْبَارِ وَالْأَشْيَاءِ»، أَي: يَتْرُكُ الْخَوْضَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ مِنْ أَفْعَالِ النَّاسِ وَأَحْوَالِهِمْ وَأَخْبَارِهِمْ وَمَا يَحْصُلُ عَلَيْهِمْ وَمِنْهُمْ، وَيَتْرُكُ فَتْحَ سَمْعِهِ وَالْإِصْغَاءَ لِمَا لَا يَعْنِيهِ مِنْ أَخْبَارِ النَّاسِ وَأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَمَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَهْلِيهِمْ، وَيَتْرُكُ التَّتَبُّعَ وَالتَّفْتِيشَ وَالسُّؤَالَ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ وَأَقْوَالِهِمْ وَفِعَالِهِمْ وَمَا يَحِلُّ بِهِمْ، وَلَا يُقْبِلُ بِسَمْعِهِ وَلَا وَجْهِ عَلَى مَنْ يَخُوضُ فِي حَضْرَتِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمُسَامَرَتِهِ وَعَمَلِهِ وَمَرْكَبَتِهِ وَسَفَرِهِ وَإِقَامَتِهِ وَنُزْهَتِهِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ وَأَحْوَالِهِمْ، سَوَاءٌ كَانَ الْخَائِضُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَوْ زَوْجِهِ أَوْ أَوْلَادِهِ أَوْ قَرَابَتِهِ أَوْ جِيرَانِهِ أَوْ زُمَلَاءِ عَمَلِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي مُحَادَثَاتِهِ وَكِتَابَاتِهِ وَسَمَاعِهِ، وَلَا عَبْرَ الْهَاتِفِ وَبَرَامِجِ التَّوَاصُلِ الْاجْتِمَاعِيِّ وَمَوَاقِعِ الْإِنْتَرْنِتِ.
عِبَادَ اللَّهِ وَأَهْلَ تُقَاتِهِ:
إِنَّ فِي خَوْضِ الْمُسْلِمِ وَدُخُولِهِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ أَضْرَارًا كَثِيرَةً، وَمَفَاسِدَ أَكِيدَةً، وَقَبَائِحَ مُتَنَوِّعَةً، وَأَذِيَّةً بَالِغَةً، وَمَظَالِمَ مُتَعَدِّدَةً، يَرَاهَا أَمَامَهُ، وَيُحِسُّهَا بِقَلْبِهِ وَجَسَدِهِ، وَيَشْهَدُهَا بِعَيْنِهِ وَسَمْعِهِ، وَيَصْلَى شَرَّهَا بِتَعَامُلِ النَّاسِ مَعَهُ، وَنُفْرَتِهِمْ مِنْهُ، وَدُعَائِهِمْ عَلَيْهِ، وَالْآخِرَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ.
فَمِنْ هَذِهِ الْأَضْرَارِ وَالْمَفَاسِدِ: أَنَّ الدَّاخِلَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ سَيَلِجُ بِنَفْسِهِ بَابَ الْغِيبَةِ وَالْبُهْتَانِ شَاءَ أَمْ أَبَى، لِأَنَّ الْغِيبَةَ هِيَ: «أَنْ يَذْكُرَ الْإِنْسَانُ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ فِي غَيْبَتِهِ بِشَيْءٍ مَوْجُودٍ فِيهِ يَكْرَهُ أَنْ يُذْكَرَ بِهِ عِنْدَ النَّاسِ»، وَعَامَّةُ النَّاسِ تَكْرَهُ أَنْ يُخَاضَ فِي أُمُورِهِمْ، وَيُنَقَّبَ عَنْهَا، وَتُصْبِحَ فِي أَلْسِنَةِ النَّاسِ وَأَعْيُنِهِمْ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ )).
وَمِنْ هَذِهِ الْأَضْرَارِ وَالْمَفَاسِدِ أَيْضًا: أَنَّ مُعْتَادَ الدُّخُولِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ سَيَلِجُ بِنَفْسِهِ بَابَ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ وَالظُّلْمِ شَاءَ أَمْ أَبَى، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَقَّقَ مِنْ دَقَائِقِ الْأُمُورِ، وَكُلِّ مَسْأَلَةٍ بِنَفْسِهِ، لِأَنَّ أَكْثَرَهَا لَمْ يَشْهَدْهَا، بَلْ سَمِعَهَا أَوْ قَرَأَهَا، وَلَا يَعْلَمُ صِدْقَ كُلِّ نَاقِلٍ لَهَا وَعَدَالَتِهِ، وَهَلْ فُبْرِكَتْ وَدُبْلِجَتْ أَمْ هِيَ تَامَّةٌ، وَهَلْ أَثْبَتَهَا الْقَضَاءُ عَلَى نَفْسِ الصُّورَةِ أَمْ لَا، وَقَدْ قَضَتِ الشَّرِيعَةُ بِأَنَّ كُلَّ مُحَدِّثٍ بِكُلِّ مَا سَمِعَ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ فِي الْكَذِبِ، فَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ))، وَقَالَ سَهْلُ التُّسْتَرِيُّ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «مَنْ تَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ حُرِمَ الصِّدْقَ».
وَمِنْ هَذِهِ الْأَضْرَارِ وَالْمَفَاسِدِ أَيْضًا: حُصُولُ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ وَالشِّقَاقِ وَالنِّزَاعِ وَالْخُصُومَاتِ وَالضَّغَائِنِ وَالْكَرَاهِيَةِ وَالْأَحْقَادِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَأَخِيهِ الْمُسْلِمِ الَّذِي خَاضَ فِيهِ وَفِي أَهْلِهِ وَفِي أُمُورِهِمْ بِمَا لَا يَعْنِيهِ، بَلْ قَدْ يَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى جَمِيعِ مَنْ سَمِعَ هَذَا الْخَائِضَ، وَحَضَرَ مَجْلِسَ الْخَوْضِ، إِذَا عَرَفَ الْمَخُوضُ فِيهِ أَنَّهُمْ سَكَتُوا عَنْ هَذَا الْخَائِضِ، وَلَمْ يُدَافِعُوا عَنْهُ، وَشَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ قَدْ تَضَافَرَتْ نُصُوصُهَا بِتَحْرِيمِ كُلِّ مَا يُسَبِّبُ الْفُرْقَةَ وَالْخُصُومَاتِ وَالْأَحْقَادَ وَالضَّغَائِنَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى إِنَّهَا حَرَّمَتْ بُيُوعًا عَدِيدَةً وَأُمُورًا تَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ وَبَابِ الْآدَابِ لِأَنَّهَا تُفْضِي إِلَى مِثْلِ هَذَا وَتُسَبِّبُهُ.
وَمِنْ هَذِهِ الْأَضْرَارِ وَالْمَفَاسِدِ أَيْضًا: أَنَّ الْخَائِضَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ يَضُرُّ بِقَلْبِهِ الَّذِي فِيهِ حَيَاتُهُ وَنَجَاتُهُ وَسَلَامَتُهُ وَسَعَادَتُهُ، لِأَنَّ قَلْبَهُ سَيُثْخَنُ وَيَمْتَلِئُ بِمَا لَا يَخُصُّهُ وَيَنْفَعُهُ، وَيَنْشَغِلُ بِهَا عَمَّا هُوَ أَنْفَعُ لَهُ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، وَهَذَا يُمْرِضُ الْقَلْبَ، وَيُضْعِفُ إِيمَانَهُ، وَيُقَلِّلُ خَشْيَتَهُ، وَقَدْ قِيلَ لِعَابِدٍ مِنَ الْعُبَّادِ: «مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْعَبْدُ؟ قَالَ: فَرَاغُ الْقَلْبِ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ لِيَتَفَرَّغَ إِلَى مَا يَعْنِيهِ».
وَمِنْ هَذِهِ الْأَضْرَارِ وَالْمَفَاسِدِ أَيْضًا: أَنَّ الْخَوْضَ فِيمَا لَا يَعْنِي مِنَ الْأُمُورِ يُفَوِّتُ عَلَى صَاحِبِهِ كَثِيرًا مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي يَعْنِيهِ وَيَنْفَعُهُ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، لِأَنَّ النَّفْسَ إِذَا أُشْغِلَتْ بِمَا لَا يَعْنِي، وَأَصْبَحَ لَهُ مَحَلًّا فِي الْقَلْبِ، وَمَكَانًا فِي الذِّهْنِ، وَسَعَةً فِي أَوْقَاتِ جَمْعِهَا وَتَحْصِيلِهَا وَبَثِّهَا بَيْنَ النَّاسِ، انْزَاحَ بِمُقَابِلِ ذَلِكَ شَيْئًا مِنَ النَّافِعِ الْمُفِيدِ الَّذِي يَعْمُرُ الْآخِرَةَ، وَيُصْلِحُ الدُّنْيَا، وَقَدْ قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ لِرَجُلٍ: «تَكَلَّمْتَ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ فَشَغَلَكَ عَمَّا يَعْنِيكَ، وَلَوْ شَغَلَكَ مَا يَعْنِيكَ تَرَكْتَ مَالَا يَعْنِيكَ».
وَمِنْ هَذِهِ الْأَضْرَارِ وَالْمَفَاسِدِ أَيْضًا: أَنَّ الْخَائِضَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ قَدْ يَعُودُ عَلَيْهِ شَرُّ خَوْضِهِ فِي دُنْيَاهُ، وَيَكُونُ جَزَاؤُهُ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ، فَيَنَالُ النَّاسُ مِنْهُ وَيُهِينُوهُ وَيُحَقِّرُوهُ فِي الْمَجَالِسِ، وَيَتَكَلَّمُونَ فِي عِرْضِهِ، وَيَصِفُونَهُ بِأَوْصَافِ السُّوءِ، وَأَنَّهُ فُضُولِيٌّ، وَلَا يَصْلُحُ كَصَاحِبٍ، وَيُنَفِّرُونَ عَنْهُ، وَيَنْفِرُونَ مِنْهُ، بَلْ قَدْ يَتَتَبَّعُونَ عَوْرَتَهُ وَيَتَطَلَّبُونَ زَلَّاتَهُ وَقَبَائِحَهُ لِبَثِّهَا بَيْنَ النَّاسِ وَمُقَابَلَتِهِ بِنَفْسِ فِعْلِهِ وَطَرِيقَتِهِ، وَرُبَّمَا تَعَدَّوْا إِلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَسَعَوْا لِلْإِضْرَارِ بِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ زَاجِرًا وَمُهَدِّدًا: (( لَا تُؤْذُوا عِبَادَ اللَّهِ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَطْلُبُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ طَلَبَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ طَلَبَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ ))، وَقَالَ سَهْلُ التُّسْتَرِيُّ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «مَنِ اشْتَغَلَ بِمَا لَا يَعْنِيهِ نَالَ الْعَدُوُّ مِنْهُ حَاجَتَهُ فِي يَقَظَتِهِ وَمَنَامِهِ».
عِبَادَ اللَّهِ وَأَهْلَ تُقَاتِهِ:
إِذَا أَحْسَنَ الْعَبْدُ إِسْلَامَهُ، وَجَمَّلَ نَفْسَهُ بِتَرْكِ الْخَوْضِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ فَسَتَقِلُّ ذُنُوبُهُ، وتَزِيدُ أُجُورُهُ، وَيَقْوَى إِيمَانُهُ، وَيَسْلَمُ عِرْضُهُ وَأَهْلُهُ، وَيَأْمَنُ مَكْرَ النَّاسِ وَكَيْدَهُمْ، وَيَرْتَاحُ قَلْبُهُ، وَيُحِبُّهُ النَّاسُ، وَيَطِيبُ مَجْلِسُهُ، وَيُثْنَى عَلَيْهِ بِالْخَيْرِ وَالْجَمِيلِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَغْلَقَ عَلَى نَفْسِهِ أَبْوَابَ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ وَالْبُهْتَانِ وَالْغِيبَةِ وَالْقِيلِ وَالْقَالِ وَالْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ، وَلِأَنَّ تَرْكَ مَا لَا يَعْنِي مِنْ أَجْمَعِ آدَابِ الْخَيْرِ، وَعُنْوَانِ الْخُلُقِ السَّدِيدِ، وَأَجْمَلِ خِلَالِ الْمُؤْمِنِ، وَكَرِيمِ خِصَالِهِ، وَطَيِّبِ فِعَالِهِ، وَنَزِيهِ طِبَاعِهِ، وَرَفِيعِ سَجَايَاهُ، وَهُوَ عَمَلٌ صَالِحٌ مُبَارَكٌ، وَحَسَنَةٌ جَلِيلَةٌ زَكِيَّةٌ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ صَاحِبُهُ قَبْلَ النَّاسِ، وَتَتَفَرَّعُ عَنْهُ وُجُوهٌ عَدِيدَةٌ مِنَ الْبِرِّ، وَتَتَّصِلُ بِهِ صُنُوفٌ عَدِيدَةٌ مِنَ الْإِحْسَانِ، وَتَلْحَقُ بِهِ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْمَكَارِمِ، فَكُونُوا كَذَلِكَ يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ، وَتَسْعَدُوا، وَتُفْلِحُوا.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ــــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَتَابَعَتْ عَلَى خَلْقِهِ نِعَمُهُ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ وَأَهْلَ تُقَاتِهِ:
لَقَدْ نُقِلَتْ لَنَا عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ وَالْعُبَّادِ الزَّاهِدِينَ أَجْمَلُ الْأَمْثِلَةِ، وَأَشْرَقُ الصُّوَرِ، وَأَعْذَبُ الْأَحْوَالِ، وَأَطْيَبُ الْمَوَاقِفِ، فِي هَذَا الْأَدَبِ الْجَمِيلِ، وَالْخُلُقِ الرَّفِيعِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ الزَّكِيِّ الَّذِي هُوَ تَرْكُ مَا لَا يَعْنِي، فَكَانُوا يَعُدُّونَ تَرْكَهُمْ مَا لَا يَعْنِيهِمْ مِنْ أَوْثَقِ طَاعَاتِهِمْ وَأَرْجَاهَا فِي نُفُوسِهِمْ، فَصَحَّ إِلَى زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: (( دُخِلَ عَلَى أَبِي دُجَانَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ وَكَانَ وَجْهُهُ يَتَهَلَّلُ، فَقِيلَ لَهُ: مَا لِوَجْهِكَ يَتَهَلَّلُ؟ فَقَالَ: مَا مِنْ عَمَلِي شَيْءٌ أَوْثَقُ عِنْدِي مِنَ اثْنَتَيْنِ: أَمَّا إِحْدَاهُمَا فَكُنْتُ لَا أَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِينِي، وَأَمَّا الْأُخْرَى فَكَانَ قَلْبِي لِلْمُسْلِمِينَ سَلِيمًا ))، وَثَبَتَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُمْ قَالُوا: «سُئِلَ لُقْمَانُ الْحَكِيمُ: أَيُّ عَمَلِكَ أَوْثَقُ فِي نَفْسِكَ؟ فَقَالَ: تَرْكُ مَالَا يَعْنِينِي»، وَكَانُوا يُجَاهِدُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى التَّخَلُّقِ بِهِ السِّنِينَ الْعَدِيدَةَ، فَثَبَتَ أَنَّ ابْنَ أَبِي زَكَرِيَّا الدِّمَشْقِيَّ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ قَالَ: «عَالَجْتُ الصَّمْتَ عَمَّا لَا يَعْنِينِي عِشْرِينَ سَنَةً»، وَكَانَ هَذَا الْخُلُقُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَسْبَابِ نَيْلِ السُّؤْدَدِ، وَرَجَاحَةِ الْعَقْلِ، إِذْ أَرَادَ رَجُلٌ عَيْبَ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، فَقَالَ: «بِمَ سُدْتَ قَوْمَكَ؟ فَقَالَ: بِتَرْكِي مِنْ أَمْرِكَ مَا لَا يَعْنِينِي كَمَا أَعْنَاكَ مِنْ أَمْرِي مَا لَا يَعْنِيكَ»، وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «تَرْكَ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يَعْنِي يَزِيدُ فِي الْعَقْلِ»، وَكَانُوا يَرَوْنَ ذَلِكَ عَيْبًا فِي الْخَائِضِ وَأَذِيَّةً لِجَلِيسِهِ، فَقَالَ الْبَاقِرُ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «كَفَى بِالْمَرْءِ عَيْبًا أَنْ يُؤْذِيَ جَلِيسَهُ بِمَا لَا يَعْنِيهِ»، وَجَعَلُوا اشْتِغَالَ الْعَبْدِ بِمَا لَا يَعْنِيهِ عَلَامَةً لِإِعْرَاضِ اللَّهِ عَنْهُ وَخِذْلَانًا لَهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «مِنْ عَلَامَةِ إِعْرَاضِ اللَّهِ عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَجْعَلَ شُغْلَهُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ»، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «كَلَامُ الْعَبْدِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ خِذْلَانٌ مِنَ اللَّهِ لَهُ»، وَكَانُوا يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَرَوْنَهُ يَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، فَسَمِعَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ رَجُلًا يَتَكَلَّمُ بِمَا لَا يَعْنِيهِ، فَقَالَ لَهُ: «احْفَظْ لِسَانَكَ إِنَّ اللِّسَانَ سَرِيعٌ إِلَى الْمَرْءِ فِي قَتْلِهِ»، بَلْ وَيُنْكِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَيُؤَدِّبُونَهَا إِذَا دَخَلَتْ فِيمَا لَا يَعْنِيهَا، فَنُقِلَ عَنِ ابْنِ أَبِي سِنَانٍ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ أَنَّهُ: «مَرَّ بِغُرْفَةٍ فَقَالَ: مُذْ كَمْ بُنِيَتْ هَذِهِ؟ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: وَمَا عَلَيْكِ مُذْ كَمْ بُنِيَتْ تَسْأَلِينَّ عَمَّا لَا يَعْنِيكِ لَأُعَاقِبَنَّكْ».
فَأَجَارَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ: مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْأَهْوَاءِ، وَجَعَلَنَا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَعَافَانَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ قَاصِرٍ وَمُتَعَدٍّ وَمِنَ الْبَلْوَى، وَرَزَقَنَا الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.