مسائل نحتاج أنْ نفقهَها قبل النِّصف مِن شعبان
الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الحليمِ الغفَّارِ، والصلاةُ والسلامُ على النَّبيِّ المُختَارِ، وعلى آلِهِ وأزواجِهِ وأصحابِهِ الأطهارِ.
أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:
فإنَّكُم على مَقرُبَةٍ مِن انتِصافِ شهرِ شَعبان، وقدْ جاءَ في فضلِ صيامِ عامَّةِ أيَّامِهِ: ما صحَّ أنَّ عائِشَةَ ــ رضِيَ اللهُ عنْها ــ قالتْ: (( لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الشَّهْرِ مِنَ السَّنَةِ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا ))، وجاءَ في حديثٍ حسَّنَهُ جمْعٌ مِن العُلماءِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سُئلَ عن كَونِ شعبانَ أكثرِ الشُّهورِ التي يَصومُهَا، فقالَ: (( ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ))، فاتقوا اللهَ في هذا الشهرِ بالإكثارِ مِن الصيامِ فيهِ لَعلَّكُم تُرحمونَ، فإنَّ تقوى اللهِ هيَ: أنْ تَتقوا غضَبَهُ وعِقابَهُ بفِعلِ الأعمالِ الواجبَةِ والمُستحَبَّةِ الوارِدَةِ في القرآنِ والأحاديثِ الصَّحيحَةِ، وقد أمرَكُم سُبحانَهُ بأنْ تتزَوَّدوا مِن تقواهُ قبلَ مماتِكُم وانتقالِكُم إلى الدَّارِ الآخِرَةِ، فقال ــ تبارَكَ وتقدَّسَ ــ: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ }، وقالَ تعالى مُبشِّرًا أهلَ تقواهُ: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا }.
أيُّها المُسلِمونَ:
لقدْ جاءَ حديثٌ فيهِ: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ ))، وهذا الحديثُ وأشباهُهُ: حديثٌ ضعيفٌ لا يَصحُّ عنِ النبيِّ ﷺ عندَ أكثرِ العلماءِ، ونَقلَ ذلِكَ عنهُم الحافِظُ ابنُ رَجبٍ البغدِاديُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ في كتابِهِ “لَطائِفِ المعارفِ”، وذهبَ جمْعٌ مِنَ العلماءِ إلى ثُبوتِهِ بطُرقِهِ وشواهِدهِ.
وعلى القولِ بثبُوتِ هذا الحديثِ: فليسَ فيهِ دَلالَةٌ على تخصيصِ ليلَةِ النِّصفِ مِن شعبانَ دونَ باقِي الليالي بإحياءِ ليلِهَا بالصلاةِ والذِّكرِ والتلاوَةِ والاستغفارِ والدُّعاءِ، وغيرِ ذلِكَ مِن العباداتِ، وليسَ فيهِ أيضًا دَلالَةٌ على تخصيصِ يومِ النِّصفِ مِن شعبانَ بالصومِ، والصَّدقَةِ وأعمالِ البِرِّ الأُخرَى، وليسَ فيهِ أيضًا الاحتفالُ بليلَةِ النِّصفِ مِن شعبانَ، كما تَفعلُهُ الشِّيعَةُ الرَّافِضَةُ، وغُلاةُ الصُّوفِيَّةِ، ومَن تأثَّر بِقولِهِم وانخدَعَ، وغايَةُ ما في هذا الحديثِ هوَ الإخبارُ عن بعضِ الأشياءِ.
وتخصيصُ وتمييزُ ليلَةِ ويومِ النِّصفِ مِن شعبانَ عن باقِي الليالي والأيَّامِ: لمْ يَفعلِهُ رسولُ اللهِ ﷺ، ولا أصحابُهُ ــ رضَيَ اللهُ عنهُم ــ، وقدْ قالَ الحافِظُ ابنُ رجبٍ البَغداديٌّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «قيامُ ليلَةِ النِّصفِ مِن شعبانَ لم يَثبُتْ فيهِ شيءٌ عنِ النبيِّ ﷺ وأصحابِهِ»، وقالَ العلامَةُ الألبانِيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ عن حديثِ صومِ يومِ النِّصفِ مِن شعبان: «ضعيفٌ جدًّا أو موضوعٌ»، وأنكَرَ تخصَيصَها بذلِكَ فقهاءُ التابِعينَ وتلامِذَةُ الصحابَةِ مِن أهلِ مكَّةَ والمدِينَةَ، وغيرُهُم، وقالوا: «ذلِكَ كُلهُ بدعَةٌ».
ويومُ الجُمُعَةِ كما تعلمونَ: يومٌ عظيمٌ في الإسلامِ، وقدْ صحَّ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ خيرُ يومٍ طلَعَتْ عليهِ الشمسُ، ويومُ عيدٍ لِلمُسلِمينَ، وتقومُ فيهِ الساعَةُ، ولَهُ فضائِلُ أُخْرَى عديدَةٌ، ومعَ ذلِكَ فلا يُشرَعُ تَخصيصُهُ بعبادَةٍ لمْ تَرِدْ في القرآنِ أو أحاديثِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم الصَّحيحَةِ، وذلِكَ لِمَا أخرجَهُ الإمامُ مُسلِمٌ في “صحِيحهِ” عنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: (( لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ ))، وهذا الفضلُ معَ هذا الحديثِ: ظاهرٌ في أنَّ وجُودَ فضلٍ لِزمَنٍ مُعيَّنٍ لا يُسوِّغُ لَنَا شرْعًا أنْ نَخُصَّهُ بعبادَةٍ لمْ تَرِدْ في القرآنِ والأحاديثِ النَّبويَّة الثابتَةِ، وأنَّ هذا التحصيصَ لا يجوزُ.
أيُّها المُسلِمونَ:
يُشارِكُ أفرَادٌ مِنَ المُسلِمينَ في هذا العصرِ: في حَملِةِ رسائِلَ عبْرَ برامجِ التواصُلِ الاجتماعِيِّ كتُويتر ووِتسْ آب وفيسْ بُوك ومواقِعِ شبكَةِ الإنترنِتِّ المُختلِفَةِ وغيرِهَا قُبَيلَ مُنتصَفِ شهرِ شعبانَ بأيَّامٍ أو ساعاتٍ، وشِعارُ هذهِ الحًمْلَةِ: «سامِحْنِي وأُسَامِحُكَ» أوْ «سَامَحْتُكَ فسَامِحْنِي»، ولعلَّ دافعَهُم إلى المُشارَكَةِ معَ مَن أطلَقَ هذهِ الحَمْلَةِ هوَ حديثُ: (( إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ ))، ويُقالُ لِهؤلاءِ ــ سدَّدَهُمُ اللهُ ــ: يَكفِيكُم في عدَمِ مُتابعَةِ أهلِ هذهِ الحملَةِ، وترْكِ المُشارَكَةِ معَهُم فيها، وهجْرِ الانسياقِ لَهُم، والتعاطُفِ معَهُم، أمرانِ:
الأمرُ الأوَّلُ: أنَّ هذهِ الحَملَةِ لمْ يُطلِقْهَا أئِمَّةُ أهلِ العلمِ وفُقهاءُ الأمَّةِ الأكابِرِ الذينَ جعلَهُمُ اللهُ مَرْجِعًا لِلنَّاسِ في دِينِهِم يأخذونَهُ عنهُم ويَستفتُونَهُم فيهِ، وإنَّما أطلَقَهَا مَن لَيسوا كذلِكَ، بلْ قدْ لا يُعرَفونَ، أوْ هُم مِن عَوامِّ النَّاسِ، ولا يَليقُ بحريصٍ على دِينِهِ وآخِرَتِهِ أنْ يُتابِعَ مَن كانَ كذلِكَ، ويَسيرَ في رِكابِهِم، ويَعملَ بما أرَادُوا ووجَّهُوا.
الأمرُ الثاني: أنَّ حديثَ: (( إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ ))، ضعيفٌ لا يَصِحُّ عندَ أكثرِ العلماءِ، ومعروفٌ عندَ الفقهاءِ مُنذُ أكثرِ مِن ألفِ سَنَةٍ، ولا يُعرَفُ عن أحَدٍ مِنهُم مِن سائِرِ البُلدانِ والمذاهبِ أنَّهُ أطلَقَ مِثلَ هذهِ الحَملَةِ أوِ اسْتَنْبَطَهَا مِن هذا الحديثِ، وما هذهِ الحَملَةُ وأشبَاهُهُا إلا مِنَ البدَعِ المُحدَثَةِ في الدِّينِ والمُحرَّمَةِ، وقد صحَّ عن ابنِ عمرَ ــ رضِيَ اللهُ عنهُما ــ أنَّهُ قالَ: (( كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَإِنْ رَآهَا النَّاسُ حَسَنَةً ))، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُحذِّر مِنَ البدَعِ في خُطبِهِ، فيقولُ: (( وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ)).
اللهمَّ: إنَّا نسألُكَ عِيشَةً هَنِيَّةً، ومِيتَةً سَوِيَّةً، ومرَدًّا غيرَ مُخْزٍ.
الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الرَّحيمِ بخَلْقِهِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ إلى عبادِهِ، وأُصَلِّي وأُسَلِّمُ عليهِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وأتباعِهِ.
أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:
فقدْ جاءَ حديثٌ فيهِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فلَا تَصُومُوا ))، وهو حديثٌ ضعيفٌ مُنكَرٌ لا يَصِحُّ، وسُئِلَ عنهُ أكابِرُ علماءِ الحديثِ كابنِ مَهدِيٍّ وأحمدَ بنِ حنبلٍ وابنِ مَعِينٍ وأبي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ والأثْرَمِ وغيرِهِم، فقالوا: «هذا حديثٌ مُنكَرٌ»، ونسَبَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسْقلانِيُّ الشافِعيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ تضعيفَهُ إلى أكثرِ العلماءِ، ولِعدَمِ صحَّتِهِ: فلا حرَجَ أنْ يصومَ الإنسانُ بعدَ انتصافِ شهرِ شعبان تطوُّعًا، سواءٌ صامَ قبلَ النِّصفِ أو لمْ يَصُمْ، وإلى جوازِ الصيامِ ذهبَ أكثرُ الفقهاءِ، كالحَنفِيَّةِ والمالِكيَّةِ والحنابِلَةِ والظاهِريَّةِ وكثيرٍ مِنَ الشافِعيَّةِ وغيرِهِم.
أيُّها المُسلِمونَ:
لا يجوزُ لِلعبدِ: أنْ يَسبِقَ رمضانَ بصومِ يومٍ أوْ يومينِ قبلَهُ، وأمَّا: إنْ كانَ يصومُ ما وجَبَ عليهِ قبلَ رمضان، كقضاءٍ مِن رمضان سابِقٍ قدْ تَضايقَ أوْ نَذْرٍ نذَرَهُ أو كفَّارَةٍ فيجوز لَهُ الصيامُ عندَ أكثرِ العلماءِ، ويجوزَ أيضًا: الصيامُ قبلَ رمضانَ بيومٍ أو يومينِ تطوُّعًا لِمَن كانَ صاحبَ عادَةٍ في الصومِ، كمَن عادَتُهُ صِيامُ كُلِّ اثنينَ وخميسٍ مِن كلِّ شهر أوْ صِيامُ يومٍ وإفطارُ يومْ، إذا وافَقَتْ هذهِ الأيَّامُ آخِرَ أيَّامِ شعبان، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لاَ يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ )).
أيُّها المُسلِمونَ:
يومُ الشَّكِ عندَ أكثرِ العلماءِ هوَ: اليومُ الذي قبلَ رمضان، وسُمِّيَ بيومِ الشَّكِ، لأنَّهُ: مَشكُوكٌ فيهِ، أهوَ يومُ الثلاثِينَ مِن شعبان أوِ الأوَّلِ مِن رمضان، بسببِ وجُودِ مانِعٍ يَمنعُ رُؤيَةَ الهلالِ كغَيمٍ أو غُبارٍ أو دُخانٍ ونحوِ ذلِكَ، وهذا اليومُ لا يُصامُ، لِمَا صحَّ عن عمَّارٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ أنَّهُ قالَ: ((مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))، وقالَ الإمامُ التِّرْمِذِيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ بعدَ هذا الحيثِ: «والعملُ على هذا عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ مِن الصحابَةِ ومَن بعدَهُم مِن التابِعينَ، وبِهِ يقولُ سفيانَ ومالكُ بنُ أنسٍ وابنُ المُبارَكِ والشافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ: كَرِهوا أنْ يصومَ الرَّجُلُ اليومَ الذي يُشَكُّ فيهِ، ورَأَى أكثرُهُم: إنْ صَامَهُ فكانَ مِن شهرِ رمضانَ أنْ يَقضِيَ يومًا مكانَهُ».اهـ
اللهمَّ: أعِنَّا على الاستمرَارِ على طاعَتِكَ والإكثارِ مِنها إلى المماتِ، اللهمَّ: اغفِرْ لَنَا ولأهلِينَا ولِجميعِ المُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ أحياءً وأمواتًا، اللهمَّ: بارِكْ لَنَا في عبادَاتِنَا وفي أهلِينا وأموالِنَا وأوقاتِنَا، اللهمَّ: ارْفَعِ الضُّرَ عنِ المُتضَرِّرينَ مِنَ المُسلِمينَ في كُلِّ مكانٍ، اللهمَّ: وَفِقِّ الحُكَّامَ لِلقضاءِ على الشِّركِيَّاتِ والبدَعِ والآثامِ والظُّلمِ والعُدوانِ والبَغْيِ والإرهابِ والفسادِ، وتُبْ علينا إنَّكَ أنتَ التَّوابُ الرَّحِيمُ، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولَكُم.