أحكامٌ يَحتاجُها مَن وصَلَ إلى سِنَّ البُلوغ مِن الذُّكور والإناث
الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الذي بيدِهِ آجالُ العِبادِ، وعليهِ أرزاقُهُم، وإليه يُرجَعونَ، وصَلَّى الله وسلَّمَ على عبدِهِ ورسولِهِ محمدٍ الصادِقِ الأمينِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وإخوانِهِ الآتِينَ مِن بعدِهِ مُؤمِنينَ.
أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ ويا شَبابَ الإسلامِ:
فإنَّ العبدَ مِنكُم إذا بلَغَ ووصَلَ حَدَّ البُلوغِ فقدْ دخلَ سِنَّ التكلِيفِ، فتَجِبُ عليهِ الفرائِضُ، ويأثَمُ بتَرْكِهَا، ويُعاقَبُ على فِعلِ المعاصِي، وتَكتبُ عليهِ الملائِكَةُ السَّيِّئَاتِ، وأمَّا قبْلَ البُلوغِ فتُكتبُ لَه الحسَناتُ، ولا يأثَمُ، ولا تُكتبُ عليهِ الخطايا، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ ))، وصحَّ: (( أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» )).
أيُّها المُسلِمونَ ويا شَبابَ الإسلامِ:
ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ:(( لَا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ ))، وثبتَ عن غُنيمِ بنِ قيسٍ ــ رحمَهُ اللهُ ــ أنَّه قالَ مُبينًّا حالَ سَلفِنَا الصالِحِ مِنَ الصحابَةِ والتابِعينَ معَ نُصْحِ بَعضِهِم لِبعضٍ: (( كُنَّا نَتَوَاعَظُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ بِأَرْبَعٍ، كُنَّا نَقُولُ: اعْمَلْ فِي شَبَابِكَ لِكِبَرِكَ، وَاعْمَلْ فِي فَرَاغِكَ لشُغْلِكَ، وَاعْمَلْ فِي صِحَّتِكَ لِسَقَمِكَ، وَاعْمَلْ فِي حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ ))، فانتَبِهوا لأنفُسِكُم إذا بلَغْتُم، ولا تَخرِقُوا عُمرَكُم مِن أوَّلِهِ بالذُّنوبِ مِن شِركيَّاتٍ وبِدَعٍ ومَعاصٍ، وفِسْقٍ وفُجُورٍ، ومُجاهَرَةٍ بالآثامِ، ونَشرٍ لَهَا، وتَواجُدٍ في أماكنِهَا، وتأييدٍ لأهلِهَا، واعتِدَاءٍ على النَّاسِ، وأذِيَّةٍ لَهُم، واحفظوا أعمارَكُم بطاعَةِ اللهِ، واعمُروا أوقاتَكُم بمَرضَاتِهِ، فالطاعَةُ تَجُرُّ إلى الطاعَةِ، وتزيدُ مِنهَا، ومَن تعوَّدَ على الطاعَةِ صغيرًا وشابًّا اعتادَهَا وسَهُلتْ عليهِ حَينَ يَكبَرُ، والمعصيَةُ تَدعو إلى المعصيَةِ، وتَبدأُ صِغيرَةً ثمَّ تُصيرُ كبيرَةً، وتكونُ قليلَةً ثمَّ تُصبِحُ كثيرَةً تُهلِكُ، وساعَةُ موتِكُم بيدِ اللهِ لا بأيدِكُم، وأنتُم تُشاهِدونَ وتَسمَعونَ وتَقرؤونَ كيفَ غَيِّبَ الموتُ الشَّبابَ في أحايينَ كثيرَةٍ بأعدادٍ تفوقُ أعدَادَ موتِ المُسِنِّينَ، وتَذكَّروا وصيَّةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لأمثالِكُم ومُقارِبِيكُم، حيثُ ثبتَ أنَّ ابنَ عباسٍ ــ رضِيَ اللُه عنهُ ــ قالَ: (( كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، فَقَالَ: يَا غُلاَمُ أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِنَّ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ )).
أيُّها المُسلِمونَ ويا شَبابَ الإسلامِ:
احْرِصُوا غايَةَ الحْرْصِ على لُزومِ طاعَةِ اللهِ رَبِّكُم بفعلِ ما أمَرَ بِهِ، والقيامِ بما فرَضَ عليكُم، واجتنابِ ما نَهَاكُم عنهُ، لعلَّكم تُكرَمونَ مِنهُ فتَكُونوا مِن هؤلاءِ السَّبعَةِ الذينَ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ في شأنِهِم: (( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: شَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ ))، إلى آخِرِ الحديثِ.
واعلَموا أنَّ التَّدَيُّنَ إنَّما هوَ: العملُ بما جاءَ في القرآنِ والأحاديثِ النَّبويَةِ الصَّحيحَةِ مِنَ الواجباتِ والمُستحبَّات، معَ تَرْكِ الخطِيئاتِ مِن شِركِيَّاتٍ وبِدَعٍ ومعاصِي، وليس التَّدَيُّنُ: أنْ تَنظَمُّوا إلى حِزبٍ تَسمَّى باسمٍ إسلامِيٍّ، أو تَسيروا معَ جماعَةٍ وِفْقَ أُصولِهَا ومبادئِهَا وتعاليمِ رُموزِهَا ودُعاتِهَا، بلْ ذلِكَ حرامٌ، ومِن كبائِرِ الآثامِ، وتَفرُّقٌ في الدِّينِ، وبدعَةٌ غليظَةٌ في الإسلامِ، وتُبعِدُ عنِ اللهِ تعالى نَبيِّهِ صلى الله عليه وسلم وشريعَةِ الإسلامِ التي كانَ عليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُهُ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ: الْجَمَاعَة ))، وفي لفظٍ آخَرَ: (( فَقِيلَ لَهُ صلى الله عليه وسلم: مَنِ الْوَاحِدَةُ؟ فَقَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي))، وقدْ بَرَأَّ اللهُ رسولَهُ صلى الله عليه وسلم مِنِ التَّفرُّقِ في الدِّينِ وأهلِهِ، فقالَ سُبحانَهُ: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ }.
وإنَّما يُستَعانُ على الخيرِ والمُصابَرَةِ عليهِ: برِفقَةِ ومُصاحبَةِ العبدِ الصالِحِ السائِرِ على طريقِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأصحابِهِ وباقِي سَلفِ الأُمَّةِ الصالحِِ، الذي لا يَنتَمِي إلى حِزبٍ أو جماعَةٍ أو طريقَةٍ صوفِيَّةٍ، ولا هوَ مُتعاطِفٌ أو مُتعاونٌ أو مُتأثِّرٌ بدُعاتِهَا ورُموزِهَا ومبادئِهَا وأفكارِهَا، وقدْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ مُرغِّبًا في مُصاحبَةِ الصالِحينَ الأخيارِ: (( مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً ))، وجاءَ بسندٍ حسَّنهُ جمْعٌ مِن العلماءِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ ))، وفي حديثٍ آخَر حسَّنَهُ جمْعٌ مِن الأئَمَّةِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ ))، والخليلُ هوَ: الصَّاحِبُ والرَّفِيقُ.
أيُّها المُسلِمونَ ويا شَبابَ الإسلامِ:
احذَروا مِن تيَّاراتِ العَلمانِيَّةِ واللِّبرَالِيَّةِ واللادِينيَّةِ والإلحَادِ والتغريبِ، وتَجَنَّبُوا أهلَهَا ودُعاتَهَا وأبواقَهَا مِن بَنِي جِلدَتِنَا وأهلِ لِسانَنَا وغيرِهِم، فهُم يَسعونَ جاهِدينَ لِسَلْخِكُم عن دِينِكُمُ الإسلامِ، وإبعادِكُم عنِ الارْتباطِ بأُمَّتِكُم وبُلدانِكُم وأُسَرِكُم، وجَعْلِكُم أتبَاعًا أذلَّاءَ مِثلَهُم لِسادتِهِم مِنَ الغربِ والشَّرق، وأدَاةً لِمُخَطَّطَاتِ وأفكارِ وعاداتِ مذاهِبِهِم وبُلدانِ تأسيسِهَا، لِتُصْبِحُوا أعداءً لِدِينِكُم الإسلامِ، وحرْبًا على أُصولِهِ وتشريعاتِهِ، ولِتكُونوا عَونًا لَهُم على أوطانِكُم وعاداتِ مُجتَمعِكُم وقِيَمِهِ القَويمَةِ، وتَحُلُّوا أخلاقَهُ، وتُفكِّكوا ترابُطَ أُسَرِهِ، وتَملؤُوهُ بالعُهرِ والفُجورِ والشَّهوَانِيَّةِ الجِنْسِيَّةِ البَهِيميَّةِ المُحرَّمَةِ، والقبيحَةِ شرْعًا وعقْلًا وطبْعًا.
وسُبحانَ اللهِ وبحمدِهِ، سُبحانَ اللهِ العظيمِ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ.
الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الرَّبِّ الحَلِيمِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ البَرُّ الرَّحِيمُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ المَبعوثُ بالخيرِ العَمِيمِ، فصَلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وأتباعِهِ على دِينِ الإسلامِ العظيمِ.
أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ ويا شَبابَ الإسلامِ:
فإنَّهُ لا حَياءَ في تَعلُّم الدِّينِ، ومعرِفَةِ أحكامِ الشريعَةِ، إذْ لمْ يَخلُقْنَا اللهُ ويُوجِدْنَا على هذهِ الأرضِ إلا لأجلِ عبادتِهِ وحدَهُ بِهذا الدِّينِ، حيثُ قالَ سُبحانَهُ: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ }.
واعلَموا: أنَّ الرَّجُلَ يَبلُغُ بحصولِ واحدٍ مِن هذهِ العلاماتِ، أيُّها سبَقَتْ إليهِ فقدْ بلَغَ: الأوَّلى: أنْ يَبلغَ سِنَّ الخامسَةَ عشَر، والثانية: أنْ يَنبُتَ الشَّعَرُ حَولَ ذَكرِه وآلَةِ بولِهِ، الثالثة: أنْ يَخرُجَ مِن ذَكرِه المَنِيُّ، سواءٌ خرجَ باستمناءٍ أوْ مُشاهدَةِ صُوَرٍ مُحرَّمَةٍ أوْ بأنْ يَستيقظَ مِن نومِهِ ويَجدَ على سَراوِيِلِهِ وثيابِهِ أثَرَ مَنِيٍّ، والمَنِيُّ: «سائِلٌ ثَخِينٌ أبيَضٌ يَخرجُ بكثرَةٍ وتَدَفُّقٍ»، وتزيدُ علامَةٌ رابِعَةٌ في حَقِّ الأُنْثَى، وهِيَ: أنْ يَخرجَ مِن فرْجِهَا دَمُ الحَيضِ، وكثيرٌ مِن البناتِ يَحِضْنَ في سِنِّ التاسِعَةِ أوْ العاشِرَةِ.
وإذا خرجَ المَنِيُّ مِنَ الغلامِ أو الفَتاةِ: وجَبَ عليهِمَا غُسْلُ الجَنابَةِ، بأنْ يَغسِلَ الجُنُبُ فرْجَهُ أوَّلًا، ثمَّ يَتوضَأَ كوضوءِ الصلاةِ، ثمَّ يَغسلَ رأسَهُ ويُخلِّلَ شعرَهُ بأصابعِهِ حتَّى يَروِيَ بَشَرَةَ رأسِهِ، ثم يَصُبَّ على رأسِهِ الماءَ ثلاثَ مرَّاتٍ، ثمَّ يُعَمِّمَ الماءَ على باقِي جسَدِهِ، ويَبدأُ بغَسْلِ شِقِّهِ الأيمَنِ قبْلَ الأيسَرِ، وهذا هوَ الغُسْلُ المَسنونُ الأكمَلُ، وإنْ عَمَّمَ جميعَ جسَدِهِ بالماءِ، بحيثُ لا يَبْقَى مِنهُ شيءٌ إلا وقدْ صَلَهُ الماءُ، وتَمضْمضَ معَهُ واستنْشقَ، فقدْ حصَلَ الاغتسالُ الجائِزُ، ومَن كانَ لِشعرِهِ جَدائِلَ وضفائِرَ فلا يَجبُ عليهِ أنْ يَفُكَّهَا حينَ اغتسالِهِ، ذَكرًا كانَ المُغْتَسِلُ أو أُنْثَى، ويَكفيهِ صَبُّ الماءِ على شَعْرِهِ حتَّى يَرويَهُ معَ أُصولِهِ، وفَكُّهَا مُسْتَحَبٌّ.
أيُّها المُسلِمونَ ويا شَبابَ الإسلامِ:
إذا بلَغْتُم: فقدْ أصبَحْتُم رِجًالًا، وكُنتُم مِن أهلِ الاستئذانِ كالكِبارِ، فإذا أرَدْتُم أنْ تَدخلوا مكانًا على أحَدٍ مِن أهلِيكُم أوْ غيرِهِم فاستَأذِنُوا قبلَ الدُّخولِ لِئِلَّا تَنظُروا إلى ما لا يَحِلُّ لَكُمُ النَّظَرُ إليهِ مِن عَورَةٍ أو أمرٍ خاصٍّ، لِقولِ اللهِ ــ جلَّ وعلا ــ: { وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ }، والحُلُمُ والاحتلامُ هوَ: «خُروجُ المَنِيِّ»، الذي هوَ أحَدُ علاماتِ البُلوغِ لِلذَّكَرِ والأُنْثَى.
ومَن وصَلَ سِنَ البٌلوغِ: فقدْ أصبَحَ مَحرَمًا لِلمرأَةِ في سفرِهَا إذا كانَ يَعقِلُ، فيَجوزُ أنْ تُسافِرَ معَهُ مَحارِمُهُ مِن النِّساءِ إلى الحَجِّ والزِّيارَةِ وغيرِهَا مِن الأسفارِ الواجبَةِ والمُستحبَّةِ والمُباحَةِ.
ولا يجوزُ لِمَن بَلَغَ: أنْ يَخلوَ بامرَأَةٍ لَيسَتْ مِن محارِمِهِ، لأنَّهُ: بالبُلوغِ قدْ أصبَحَ رجُلًا، وقدْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ )).
وإذا حجَّ الصَّبِيُّ والصَّبِيَّةُ قبِلَ البُلوغِ، فحَجَّتُهُمَا حَجَّةُ تطوُعٍ، ولَهُمَا أجْرٌ عليها، ويَجبُ عليهِمَا بعدَ البُلوغِ أنْ يَحُجَّا حَجَّةً أُخْرَى، تكون حَجَّةَ الفريضةِ، إذْ ثبتَ أنَّ ابنَ عباسٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ صَبِيًّا ثُمَّ أَدْرَكَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الرَّجُلِ ))، ومعنى: ( (أَدْرَكَ )) أي: بَلَغَ.
ومَن بَلَغَ ــ ذّكرًا كانَ أو أُنْثَى ــ فقد أصبَحَ: مِن أهلِ إقامَةِ الحُدودِ عليهِم إذا قتَلَ أوْ شَرِبَ الخمرَ أو سرَقَ أوْ زَنَى أوْ قذَفَ أوْ قطعَ الطريقَ، لأنَّهُ: قدْ أصَبحَ كبيرًا مُكلَّفًا.
هذا، وأسألُ اللهَ: أنْ يزيدَنَا فقهًا بدِينِهِ، وأنْ يُكرِمَنَا فنكونَ مِن العُبَّادِ الفقهاءِ لا العُبَّادِ الجُهَّالِ، اللهمَّ: أعِنَّا على ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسْنِ عبادَتِكَ، واغفِرْ لنَا ولأهلِينا ولِجميعِ المُسلِمينَ أحياءً وأمواتًا، ووفِّق لِلخيرِ ولاتَنَا، وارفَعِِ الضُّرَّ عن كُلِّ عبدٍ مُؤمِنٍ، وسَدِدْ الأبناءِ والبناتِ إلى مراضِيكَ، يا سميعَ الدُّعاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.