حُبُ المساكين ومنافعُ وجُودِهم في الناس والأرض واهتمامُ شريعة الإسلام بِهم
الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الذي خلَقَ وأحْيَا بالإيمانِ مَن شاءَ، وحكَمَ على خلقِهِ بالموتِ والفَناءِ، والبعْثِ إلى دارِ الفصْلِ والجَزاءِ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِ ولَدِ آدمَ جَمعاء، وعلى آلِه وأصحابِهِ النُّجَبَاءِ.
أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:
فإنَّ الفقرَ والغِنَى بابُ ابتلاءٍ مِن اللهِ لِلعِبادِ في الدُّنيا، إذْ قالَ اللهُ سُبحانَهُ: { فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ }، وإنَّ شُّكرَ النِّعَمِ بابُ المزيدِ في العطاءِ، وكُفرانَهَا بابُ زوالِهَا والعذابِ معَ الشَّقاءِ، لِقولِ اللهِ ــ جلَّ وعلا ــ: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ }، وقولِ اللهِ تعالى: { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ }، وأرزاقُ العِبادِ مُقدَّرَةٌ ومكتوبَة في الأَزَلِ، فلَنْ يعيشَ أحَدٌ مِنهُم إلا برزْقٍ يَقتاتُ مِنهُ شاءَ أمْ أبَى، ولَنْ يُغادرَ الدُّنيا إلا وقدْ أخذَ رِزقَهُ كامِلًا غيرَ مَنقُوصٍ، وقدْ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ مُطمئِنًا النَّاسَ جميعًا: (( إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ ))، ومَن كانَ في خوفٍ فلا يَخافُ مِن الفقرِ، ولْيَكُنْ خوفُهُ مِن أنْ تُبسَطَ عليهِ الدُّنيا، ويَتنافسَ عليها، ويَلتهِيَ بها، ويَهلَكَ بسَببَِهَا، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ )).
والدُّنيا تُعطَى لِلبَرِّ والفاجرِ، والضَّالِ والمُهتدِي، والمُؤمنِ والكافرِ، بخلافِ الإيمانِ والصلاحِ والتقوى، وقد صحَّ أنَّ ابنَ مسعودٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( إِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الْإِيمَانَ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، فَإِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا أَعْطَاهُ الْإِيمَانَ ))، فاجعَلوا الإيمانَ مَطْلَبَكُم، والآخِرَةَ همَّكُم، ووحِّدُوا هُمومَكُم، تُفلِحُوا وتَسْعَدُوا، وتَطمَئِنَّ قلوبُكُم، وتَهدأُ نُفوسُكُم، فقدْ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا كَفَاهُ اللَّهُ مَا هَمَّهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ تَشَاعَبَتْ بِهِ الْهُمُومُ لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَةِ الدُّنْيَا هَلَكَ ))، ولَسْنَا بأحَبَّ إلى اللهِ مِن نَبيِّهِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ولا أكرمَ وأعظمَ منزِلَةً عندَ اللهِ مِنهُ، ومع َذلِكَ فقدْ قَبَضَ رُوحَهُ إليهِ وهوَ في عيشٍ يَسيرٍ، ورِزْقٍ كفَافٍ، حيثُ صحَّ أنَّ عائِشَةَ ــ رضِيَ اللهُ عنها ــ قالت: (( لَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ وَزَيْتٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ ))، وثبتَ أنَّها قالتْ: (( كَانَ يَمُرُّ بِنَا هِلَالٌ وَهِلَالٌ مَا يُوقَدُ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ رَسُولِ اللَّهِ نَارٌ، فَقَالَ لَهَا عُرْوَةُ: يَا خَالَةُ فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعِيشُونَ؟ قَالَتْ: عَلَى الْأَسْوَدَيْنِ التَّمْرِ وَالْمَاءِ ))، وصحَّ أنَّها قالتْ: (( تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلاَثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ )).
بلْ ماذا يَضِيرُ العبدَ المُؤمِنَ إنْ عاشَ في دُنياهُ فقيرًا مِسكينًا مُحتاجًا، وعندَ اللهِ في آخرتِهِ عزيزًا مَسرورًا، مُنعَّمًا مُكرَمًا، أمَا يَسُرُّهُ قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّحيحِ: (( قُمْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةَ مَنْ دَخَلَهَا المَسَاكِينُ، وَأَصْحَابُ الجَدِّ ــ أي: الغِنَى والوجاهَةِ ــ مَحْبُوسُونَ ))، أمَا يُسْكِنُ خَنِينَ فؤادِهِ قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الثابتِ: (( يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِ مِئَةِ عَامٍ ))، أمَا يَقطعُ تَلهُّفَ نفسِهِ، وتَقلُّبَ نظرِهِ إلى ما عندَ النَّاسِ قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّحيحِ: (( يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ ))، ألَا فاتقوا اللهَ باتِّقاءِ الدُّنيا والنِّساءِ، ولا تَنحرِفوا وتَهلَكوا بسبَبِهِمَا، فقدْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمرَكُم بذلِكَ وحذَّرَكُم مِنهُما، فقالَ: (( إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ ))، وكانَ مِن دُعائِهِ صلى الله عليه وسلم الثابتِ: (( وإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ )).
فاللهُمَّ: لا تَجعَلْ مُصيبَتَنَا في دِينِنَا، ولا تجعَلِ الدُّنيا أكبرَ همِّنَا، ولا مبْلَغَ عِلمِنَا، ولا تَفْتِنَّا بالدُّنيا ولا بالنِّساءِ ولا بالأبناءِ والبناتِ والأموالِ.
الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ ذِي الطَّولِ والآلاءِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ أهلُ المغفِرَةِ والرَّجاءِ، وأشهدُّ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ خاتَمُ الرُّسُلِ والأنبياء، وإمامُ الأتقياءِ.
أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:
فإنَّهُ لا يُوجدُ في الدُّنيا كُلِّهَا كَدِينِ اللهِ الإسلامِ في مُعاملَةِ الفقراءِ والمساكينِ، بِرَحمَتِهِم ومَحبَّتِهِم وسَدِّ حاجَتِهِم وإعانَتِهِم والاعتناءِ بِهِم ومُلاطَفَتِهِم والرِّفْقِ معَهُم والإحسانِ القولِيِّ والفِعلِيِّ إليهِم، وقدْ قالَ الفُضَيلُ بنُ عياضٍ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «إذا أحَبَّ اللهُ عَبْدًا وَفَّقَهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ، فَتَقَرَّبُوا إلَى اللهِ: بِحُبِّ المَسَاكِيِنِ»، وثبتَ أنًّ أبا ذَرٍّ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ ))، وكانَ مِن دُعاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الثابتِ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّ المَسَاكِينِ ))، وصحَّ أنَّ ابنَ عُمرَ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ: (( كَانَ لاَ يَأْكُلُ حَتَّى يُؤْتَى بِمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَهُ )).
أيُّها النَّاسُ:
لَقدْ جعَلَتْ شريعَةُ الإسلامِ لِلفقراءِ والمساكِينِ حَقًّا في أموالِ النَّاسِ إذا بلَغَتِ النِّصابَ والحَوْلَ، وأسْمَتْهُ: الزَّكَاةَ، وجعلَتِ الزَّكاةَ رُكنًا مِن أركانِ الإسلامِ الخمسَةِ، فقالَ اللهُ ــ عزَّ وجلَّ ــ: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ }، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( أَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ ــ وذَكرَ مِنها ــ: إِيتَاءَ الزَّكَاةِ ))، ورَغَّبَتْ شريعَةُ الإسلامِ أيضًا في الصَّدقَةِ التطوُّعِيَّةِ على الفقراءِ والمساكِينِ والإكثارِ مِنها، والاستمرار فيها بآياتٍ قُرآنيَّةٍ مُتعدِّدَةٍ، وأحاديثَ نَبويَّةٍ كثيرةٍ، بلْ إنَّ العبدَ يومَ القيامَةِ حينَ تَدنُو الشمسُ مِن الرُّؤوسِ يكونُ في ظِلِ صَدقتِهِ، لِمَا صحَّ أنَّ أبا الخيرِ سمِعَ عُقبةَ بنِ عامرٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ يقولُ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: (( «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ»، قالَ يَزِيدٌ: فَكَانَ أَبُو الْخَيْرِ لَا يُخْطِئُهُ يَوْمٌ لَا يَتَصَدَّقُ مِنْهُ بِشَيْءٍ، وَلَوْ كَعْكَةً، وَلَوْ بَصَلَةً ))، وتُطْفِئُ الصَّدقَةُ على المساكِينِ خطايا المُتصدِّقِ عليهِم، لِمَا ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ ))، وقالَ اللهُ ــ جلَّ وعزَّ ــ مُتكرِّمًا بالرِّزقِ وآمِرًا بالإحسانِ فيهِ إلى المساكينِ: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }، وقالَ تعالى عن أسبابِ عذابِ المُجرمِينَ في النّارِ: { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ }، وقال سُبحانَهُ عن الآخِذِ كتابَهُ بشمالِهِ: { خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ }، وجعلَتْ شريعَةُ الإسلامِ أيضًا لِلفقراءِ والمساكينِ حَظًا ونصِيبًا في الكفاراتِ، ككفارَةِ اليمينِ والقتلِ الخطأِ والظِّهارِ والجِماعِ في نهارِ رمضان والعجْزِ عن صومِ رمضانَ ومحظوراتِ الإحرامِ، ونصِيبًا في ذبائِحِ هَديِ الحَجِ والأُضحِيَةِ والعقيقَةِ، وفي غنائِمِ الحرْبِ والفَيءِ، وفي زكاةِ الفِطرِ، بلْ صحَّ أنَّ أبا هُريرَةَ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى إِلَيْهِ الْأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْمَسَاكِينُ )).
واعلَموا أنَّ الضُّعفاءَ ــ ومِن جُملَتِهِمُ الفقراءُ والمساكِينُ ــ: مِن أعظمِ أسبابِ رِزْقِ الخلقِ، والانتصارِ على الأعداءِ في الحُروبِ، بدَعوَتِهِم وصلاتِهِم وإخلاصِهِم للهِ، فالضُّعفاءُ أشدُّ إخلاصًا في الدُّعاء، وأكثرُ خُشوعًا في العبادَةِ، لِخَلاءِ قلوبِهِم عن التعلُّقِ بالدُّنيَا، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ آمِرًا: (( ابْغُونِي الضُّعَفَاءَ، فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ ))، وصحَّ أنَّ رجُلًا ظنَّ أنَّ لَهُ فضلًا على غيرِهِ في انتصارِ المُسلِمينَ في إحدَى الغزَوَاتِ، فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لَهُ: (( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ ))، وصحَّ عن أنسٍ ــ رضي الله عنه ــ أنَّهُ قالَ: (( كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ )).
اللهمّ: اجعَلَنَا مِنَ المُنفقينَ ابتِغاءَ وجهِكَ في السَّراءِ والضَّراءٍ، والشاكِرينَ لِنعمَائِكَ، والصابرينَ على أقدارِكَ، اللهمَّ: اجعل ما أنعمْتَ بِهِ علينا معونَةً لَنَا على الخيرِ، وبارِكْ لَنَا في أقواتِنَا ومساكنِنَا ومراكِبنَا، وقنِّعْنَا بما رَزقْتَنَا، اللهمَّ: ادفَعْ عَنَّا وعنِ المُسلِمينَ كُل شَرٍّ ومكرُوهٍ، وأجِرْنَا مِن خِزْيِ الدُّنيا وعذابِ الآخِرَةِ، إنَّكَ سميعُ الدُّعاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولَكُم.