إنَّ السَّعِيدَ مِنَ العِبَادِ لَمَنْ جُنِّبَ الفِتَنَ
الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الذي بنعمتِهِ اهتدَى المُهتَدونَ، وبعدلِهِ ضَلَّ الضَّالونَ، لا يُسئَلُ عمَّا يَفعلُ وهُم يُسئَلونَ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ الصادِقُ المأمونُ، اللهمَّ فصَلِّ وسلِّمْ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ المَيامِينَ.
أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:
فاتَّقوا اللهَ حقَّ تُقاتِهِ، وسارِعُوا إلى فِعلِ أسبابِ مغفِرَتِهِ ومَرْضاتِهِ، ولا تَغُرَّنَّكُم الحياةُ الدُّنيا بما فيها مِن زَهرَةِ العيشِ، وشَهوَات النفْسِ، فإنَّها دارُ امتِحانٍ وبَلاءٍ، وعمَلٍ لِلآخِرَةِ دارِ الجزاءِ، وتَرْكُهَا بالموتِ حقٌّ لازِمٌ، وقد قالَ اللهُ سُبحانَهُ مُذَكِّرًا: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ }.
أيُّها النَّاسُ:
إنَّ بلادَ الإسلامِ اليومَ: تَجْتاحُهَا أموَاجٌ عاتِيَةٌ مِنَ الفِتَنِ، فِتَنٌ تَحْرِقُ الدِّينَ والعقلَ والبَدَنَ والحَياءِ والفضيلَةَ والأخلاقَ والغَيرَةَ، فِتَنٌ تُذهِبُ الأنفُسَ والأموالَ والثمراتِ والدُّورَ والمَتاجِرَ والمراكِبَ، فِتَنٌ أحرَقَتِ المُدُنَ والقُرَى والأرْيافَ والبوادِيَ، فِتَنٌ أفزَعَتِ الرِّجالَ والنِّساءَ والصِّغارَ والكِبارَ، فِتَنٌ أدْخَلَتِ القتْلَ والاقتِتالَ، وقسَّمَتِ البلَدَ الواحِدَ إلى دُويلاتٍ، وجَعَلَتِ الاقتصادَ في شديدِ الانحِدَارٍ، وأرْهَقَتِ المُستشفَياتُ بِقتْلاهَا والجَرْحَى، فِتَنٌ زادَتِ الإرهابَ والإجرامَ والفسادَ والفَوضَى وأكْلَ مَالِ النَّاسِ والدَّولَةِ بالباطِلِ، والفِتَنُ إذا حلَّتْ بأرضِ قومٍ: لا تُصِيبُ الظالِمَ وحْدَهُ، بل يَكتَوي بَنَارِهَا الجميعُ، ويَلْحَقُ ضَرَرُهُا الصغيرَ والكبيرَ والذَّكَرَ والأُنْثَى، وقدْ قالَ اللهُ تعالى مُلْفِتًا أنظارَنَا إلى هذا ومُحذِّرًا: { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً }، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ لأصحابِهِ: (( «تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ»، فقَالُوا: “نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ” )).
أيُّها النَّاسُ:
إنَّ مِن علاماتِ قُرْبِ القيامَةِ الظاهِرَةِ، وأشرَاطِ السَّاعَةِ الأكِيدَةَ: كَثْرَةَ الفِتَنِ بينَ المُسلِمينَ، ونُشُوبَ القتْلِ والاقتِتالِ بينَهُم، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ »، قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْقَتْلُ الْقَتْلُ» )).
وهذا: ما نُعايِشُ بعضَهُ اليومَ، ونُشاهِدُهُ صبَاحًا ومسَاءً، حتَّى صَارَ حديثَ مجالِسِنَا، بلْ وصَلَ الحالُ إلى أمْرٍ أشَدَّ، إذْ وصَلَ إلى أنْ يَخوضَ المُسلِمُ بنفسِهِ في الفِتَنِ قولًا وفِعلًا ونَشْرًا ودعوَةً وإشعَالًا، وزادَ فأولَجَهَا بابَ القتْلِ والاقتِتالِ، وقدْ لا يَدرِي لِمَا جُرَّ لِهذهِ الفِتَنِ والمَعارِكِ، ولا كيفَ انزَجَّ في غِمارِهَا، ولا لِأيِّ شيءٍ يُهْرِقُ دَمَ مُسلِمٍ مِثلِهِ، وقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ عن وصُولِ أُمَّتِهِ إلى هذا الحالِ بسَببِ الفِتَنِ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يَدْرِى الْقَاتِلُ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَتَل،َ وَلاَ يَدْرِى الْمَقْتُولُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ )).
أيَحْسَبُ هؤُلاءِ: أنَّ دِمَاءَ أنْفُسِ المُسلِمينَ هَيِّنَةٌ عندَ اللهِ خالِقِهَا؟ كلَّا واللهِ ليسِتْ كذلِكَ، فقدْ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ))، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا ))، وجاءَ مِن طُرقٍ تتقوى ببعضٍ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ ))، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ في عُقوبَةِ أقَلِّ مِنَ القتْلِ: (( مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ )).
أيُّها النَّاسُ:
إنَّ مِنَ الأُمورِ المُحرَّمَةِ شديدًا أوقاتَ الفِتَنِ: ما يَقَعُ مِن بعضِ مَن يَنتَسِبُ إلى العِلْمِ والدَّعوَةِ أوِ السِّياسَةِ والاقتِصادِ أوِ التارِيخِ والعسكَرِيَّةِ مِنَ الكلامِ الذي يَزيدُ في تأجِيجِ واستمرَارِ الفِتَنِ، ويُبقِي الخوفَ والقلاقِلَ والتدمِيرَ والإفسادَ، وذلِكَ عبْرَ الخُطَبِ والمُحاضَرَاتِ أوِ الفضَائِياتِ ونَشراتِ الأخبارِ أوْ مَواقِعِ شبَكَةِ الإنْترنِتِّ وبَرامِجِ التواصُلِ الاجتماعِيِّ، ومَن كانَ كذلِكَ: فهوَ مُشارِكٌ في إثْمِ كُلِّ دَمٍ أُرِيقَ وفقرٍ زَادَ وخوفٍ توسَّعَ ومالٍ أُتْلِفَ ونُهِبَ وبَنَاءٍ دُمِّرَ، وقدْ قالَ اللهُ سُبحانَهُ زاجِرًا: { وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، وصحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ )).
أيُّها النَّاسُ:
إنَّ الواجِبَ أوقاتَ الفِتَنِ هوَ: السَّعْيُّ في تخفِفِهَا وإخمادِهَا وإطفائِهَا، والعملُ على وقفِ نَزيفِ الدِّماءِ والأموالِ والتدميرِ، والتحذيرُ مَن تناحُرِ وتفرُقِّ النَّاس وتقسُّم البلدِ، والدَّعوَةُ إلى تحكيمِ القرآنِ والسُّنَّةِ فيما يَحصُلُ، والعلماءُ ــ رحمَهُمُ اللهُ ــ مُتَّفِقونَ لا اختِلاف بينُهُم على: «أنَّ السُّنَّةَ الواجِبَةَ أوقاتَ الفِتَنِ القتْلِ والاقتتالِ، هيَ: كَفُّ اليدِ واللِّسان إلا مِن خيرٍ»، حيثُ قالَ الإمامُ حرْبٌ الكَرْمَانِيُّ ــ رحمُه اللهُ ــ: «هذهِ مذاهِبُ أهلِ العلمِ وأصحابِ الأثَرِ وأهلِ السُّنَّةِ المُتمسِّكينَ بعُرُوقِهَا المَعروفِينَ بها المُقتدَى بهِم فيها مِن لَدُنْ أصحابِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى يومِنَا هذا، وأدرَكْتُ مَن أدرَكُتُ مِن علماءِ أهلِ العِراقِ والحِجازِ والشامِ وغيرِهِم عليها، فمَن خالَفَ شيئًا مِن هذهِ المذاهِبِ أوِ طَعنَ فيها أو عابَ قائِلَهَا فهوَ مُخالِفٌ مُبتَدِعٌ خارِجٌ مِن الجماعَةِ، زائِلٌ عن منهجِ السُّنَّةِ، وسبيلِ الحقِّ، فكانَ قولُهُم: “الإمساكُ في الفِتْنَةِ سُنَّةٌ ماضِيَةٌ واجِبٌ لُزُومُهَا، ولا تُعِنْ على الفِتَنِ بيَدٍ ولا لِسانٍ، ولَكِنِ اكْفُفْ يَدَكَ ولِسَانَكَ وهَوَاكَ، واللهُ المُعِينُ»، وقالَ الإمامُ ابنُ تيميَّةَ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «استَقرَّ أمْرُ أهلِ السُّنَّةِ على ترْكِ القِتالِ في الفِتْنَة لِلأحاديثِ الصَّحيحَةِ الثابِتَةِ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وصاروا يَذكرونَ هذا في عقائِدِهِم، ويأمُرون بالصَّبرِ على جَورِ الأئِمَّةَ، وتَرْكِ قِتالِهِم»، بلْ إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمرَ المُسلِمَ بإضعافِ دُخولِ نفسِهِ في الفِتَنِ التي قدْ تؤدِّي إلى القتَلِ والاقتِتالِ بين المسلمينَ بِكَسْرِ سِلاحِهِ ولُزُومِ بيتِهِ وأنْ يكونَ كالخَيِّرِ مِن ابنَيِّ آدم إذْ صبَرَ على قتلِ أخيهِ لَهُ ولم يُقاتِلْهُ، فثبتَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( كَسِّرُوا قِسِيَّكُمْ، وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ، يَعْنِي: فِي الْفِتْنَةِ، وَالْزَمُوا أَجْوَافَ الْبُيُوتِ، وَكُونُوا فِيهَا كَالْخَيِّرِ مِنْ ابَنِي آدَمَ )).
أيُّها النَّاسُ:
إنْ كُنَّا نُريدُ أفي أوقاتِ الفِتَنِ: السَّعادةَ لأنفُسِنَا، والسَّلامَةَ لِدِينِنَا، وبَقاءَ دُنيَانَا، فلْنَكُفَّ أجسَادَنَا وأيدِيَنَا وألْسِنَتَنَا وكِتابَاتَنَا عنِ الخَوضِ في الفِتَن أوِ المُشارَكَةِ فيها بقولٍ أو فِعلٍ أو كِتابَةٍ، وأنْ نَجْتَنِبَ أماكِنَهَا وساحَاتِهَا، ونُقْفِلَ أسمَاعَنَا وعُيونَنَا عن دُعاتِهَا وقَنواتِهَا وإذاعاتِهَا التي تزيدُ في إشعالِهَا، وتُطِيلُ أمَدَهَا، وتُقوِّي بقاءِهَا، لِمَا ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ ))، وحُقَّ لَهُ أنْ يكونَ سعيدًا، ومِن السُّعدَاءِ، فقلْبُهُ لمَ تتَشَرَّبْهُ الفِتَنُ، ولمْ يَنتفِخْ بشُبَهَاتِهَا، ولمْ يَتقلَّبْ بتَقَلُّبَاتِهَا وتَقلُّبِ دُعاتِهَا وأهلِهَا، وَيدَاهُ لمْ تتلَطَّخْ فيها بدَمٍ أوْ تخريبٍ أوْ سرِقَةٍ أوْ تَرويعِ إنسانٍ، وقدَمَاهُ لمِ تَمش في معارِكِهَا ولا قوَّتْ أهلَهَا، وصَحيفَةُ عملِهِ لمْ تُسوَّدْ بآثامِهَا.
فاللهمَّ: اجْعَلْنَا مِنَ السُّعدَاءِ الذينَ جُنِّبوا الفِتَنَ، ما ظَهَرَ مِنهَا وما بَطَنَ.
الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الحَيِّ القيومِ، والصلاةُ والسلامُ على النبيِّ محمدٍ، وآلِهِ وصِحبِه.
أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:
فإنَّ مِنَ المَفاهِيمِ المغلوطَةِ أوقاتَ الفِتَنِ: مَفْهومَ الشهيدِّ في الإسلامِ، حيثُ وُصِفَ مَن شارَكَ في فِتَنِ المُظاهرَاتِ والاعتِصَامَاتِ والاحتِجَاجَاتِ لأجلِ الدُّنيا أوِ السُّلطَةِ، ثُمَّ قُتِلَ فيها بأنَّهُ «شهيدٌ»، وقدْ جاءَ بهذا الفَهِمِ الخاطِئِ المَغلوطِ لِلشهيدِ، وغيَّبَ حقيقَتَهُ الشَّرعيَّةِ: طُلابُ الحُكْمِ، ورُموزُ ودُعَاةُ الأحزاب والجماعات، وأهلُ الإعلامِ والسِّياسَةِ والتغريبْ، إذ صحَّ عن أبي مُوسَى ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ أنَّهُ قالَ: (( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ))، هذا هوُ الشهيدُ عندَ اللهِ وفي دِينِهِ، وكذلِكَ مَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ ))، وأمَّا: ما صحَّ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: (( مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ))، فهذا الحديثُ إنَّما هوَ في الرَّجُلِ يكونُ معَهُ مالُهُ فيَعترِضُهُ لُصوصٌ وقُطَّاعُ طريقٍ لأخْذِهِ مَنهُ، فلَهُ شرْعًا أنْ يَمنعَهُم ويُدافعَِ عن مالِهِ ولَو أدَّى إلى المُقاتَلَةِ، فإنْ قُتِلَ فهَو شهيدٌ، وأمَّا إنْ كانَ الآخِذُ لِمالِهِ ظُلمًا هوَ حاكِمُهُ، فلا يجوزُ لَهُ شرْعًا أنْ يُقاتِلَهُ أبًدًا، ويجبُ أنْ يَصبِرَ عليهِ، لِمَا صحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: (( تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ ))، وإلى هذا المَعنَى لِلحديثِ والحُكمِ ذهَبَ عامَّةُ العلماءِ، وقدْ ذَكَر ذلِكَ عنهُم الإمام ابنُ المُنذِرُ في كتابِهِ “الإشراف”.
أيَّها النَّاسُ:
إنَّ الذُّنُوبَ: سَبَبُ كُلِ بَلاءٍ وشَرٍّ وفِتنَةٍ تَحِلُّ بالعبادِ والبلادِ، لِقولِ رَبِّهِم سُبحانَهُ: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }، وقولِهِ تعالَى: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ }، ومَن نظر إلى واقِعِ المُسلِمينَ اليومَ فسَيَرَى الذُنُوبَ تَتواصَلُ، والمُنكرَاتِ تتجدَّدُ، والفواحِشَ تكثُرُ، والبُعْدَ عن دِينِ اللهِ يَكبُرُ، والتَّرِكَ لِلفرائِضِ يَكثُرُ ويعظُمُ، فالبِدارَ البِدار إلى التوبَةِ والاستِغفارِ والإقلاعِِ عنِ المعاصِي والقيامِ بالفرائِضِ إنْ كُنَّا نُريدُ أنْ تتحسَّنَ أحوالُنَا، ويَقوَى أمنُنا، ويَعلوَ اقتصادُنَا، ويُولَّى علينا خيارُنَا، ونكونَ في أمْنٍ ورَغَدِ عيشٍ، وسعادَةِ نفسٍ وطُمَأنِينَةٍ، لأنَّ اللهَ قدْ وعَدَ، ووعْدُهُ حقٌّ لا يَتخلَّفُ، فقالَ سُبحانَهُ مُبشِّرًا: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ }، وقالَ تعالَى مُتوَعِّدًا: { وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }.
أيُّها النَّاسُ:
أكثِروا مِن الطاعاتِ أوقاتَ الفِتَنِ، فالأعمالُ الصالِحَةُ مِن أعظَمِ أسبابِ حِمايَةِ العبدِ مِن الفِتَنِ، إذْ تُقوِّي الإيمانَ، وتزيدُ الثباتَ، واللُه لا يُخيِّبُ مَن أقبَلَ عليهِ ولَزِمَ طاعتَهُ، ومَن عامَلَ اللهَ بالتقوى والطاعَةِ وقتَ رَخَائِهِ عامَلَهُ اللهُ باللُّطْفِ والإعانَةِ وقتَ شِدَّتِهِ، لِمَا ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ ))، ورَغَّبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أُمَّتَهُ في الإكثارِ مِنَ الطاعاتِ أوقاتَ الفِتَنِ، وبيَّن لَهُم كبيرَ أجْرِهَا، فصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ))، والمُرَادُ بالهَرْجِ: الفِتْنَةُ واختِلاطِ أُمورِ النَّاسِ، قالَهُ الفقيهُ النَّوَوِيُّ.
هذا، وأسألُ اللهَ: أنْ يَجعَلَنَا مِنَ التائِبينَ المُصلِحينَ المَرحُومِينَ، اللهمَّ: ارفَعِ الضُّرَّ عنِ المُتضَرِّرينَ مِنَ المُسلِمينَ في كُلِّ مكانٍ، وأعِذْنَا وإيَّاهُم مِنَ الفِتَنِ ما ظَهَرَ مِنهَا وما بَطَنَ، اللهمَّ: وفِّقْ وُلَاةَ أُمورِنَا إلى مَراضِيكَ، وأصلِحْ بهِمُ الدِّينَ والدُّنيا والعِبادَ والبِلادَ، واغفِرْ لَنَا ولأهلينَا وجميعِ المُؤمِنينَ والمُؤمِناتٍ أحيَاءً وأموَاتًا، إنَّكَ سميعُ الدُّعاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.