ذِكر مَن نصَّ مِن العلماء على ثبوت حديث أبي قتادة في مشروعية وفضل صوم يوم عرَفة
الحمد لله الغفور الودود، والصلاة والسلام على نَبيِّه محمدٍ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه.
أمَّا بعد، يا طالب العلم والفضل ــ سدَّدك الله وزاد في أجْرك وأعلى مِن فهمك ــ:
فهذا جزء حديثي فيه: ذِكر مَن نصَّ مِن العلماء ــ رحمهم الله ــ على تصحيح وتثبيت حديث النبي صلى الله عليه وسلم:
(( صِيَام يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ )).
وأسأل الله الكريم: أنْ يَنفع بِه الكاتب والقارئ والناشر في الدُّنيا والآخِرة، وأنْ يَجعلهم مِن صُوَّام يوم عرفة، إنَّه سميع الدُّعاء، وأهل الرَّجاء.
وسوف يكون الكلام عن هذا الحديث النَّبوي في أربع وقفات:
الوقفة الأولى: عن نصِّ هذا الحديث النَّبوي، وتخريجه.
أخرج الإمام مُسلم في “صحيحه” (1162)، واللفظ له، وأحمد (22537 و 22621)، وأبو داود (2425)، والترمذي (749)، والنسائي في “السُّنن الكبرى” (2809 و 2826)، وابن ماجه (1730)، وابن أبي شَيبة (9714)، وعبد الرزاق (7826)، والطيالسي (635 و 636)، وابن خُزيمة (2087)، وعَبد بن حُميد (194)، وابن حِبَّان (3631 و 3632)، وأبو عَوانة (2949)، والطحاوي في “شرح معاني الآثار” ( 3267 و 3268 و 3295 و 3297)، وغيرهم، عن أبي قتادة الأنصاري ــ رضي الله عنه ــ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ )).
الوقفة الثانية: عن ذِكر مَن صحَّح هذا الحديث النَّبوي أو أشار إلى ثبوته وتقويته مِن أهل العلم ــ رحمهم الله ــ.
ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ الأسماء، مع النصوص، والمراجع:
1 ــ الإمام مُسلم بن الحَجَّاج القُشيري النيسابوري ــ رحمه الله ــ.
حيث أخرجه: في “صحيحه” (1162).
2 ــ الإمام أبو زُرعة الرَّازي ــ رحمه الله ــ.
حيث قال الإمام مسلم ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “صيانة صحيح مسلم”، لابن الصلاح:
«عرَضْت كتابي هذا المُسنَد على أبي زُرعة الرَّازي، فكل ما أشار أنَّ له عِلَّة تركتُه، وكل ما قال: “إنَّه صحيح وليس له عِلَّة” أخرجتُه».اهـ
3 ــ الإمام أبو عيسى الترمذي ــ رحمه الله ــ.
حيث قال في “سُننه” (754): «حديث أبى قتادة حديث حسَن».اهـ
4 ــ الإمام ابن جَرير الطبري ــ رحمه الله ــ.
حيث قال في كتابه “تهذيب الآثار” (1/ 290 ــ “مسند عمر”)، بعد أنْ خرَّجه مِن طريق غَيلان بن جَرير، عن عبد الله بن مَعبد الزماني، عن أبي قتادة، عن عمر:
«وهذا خبرٌ عندنا: صحيح سنده، لا عِلَّة فيه تُوهنه، ولا سبب يُضعفه، لعدالة مَن بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن نقلته».اهـ
5 ــ الإمام ابن خُزيمة النيسابوري ــ رحمه الله ــ.
حيث أخرجه: في “صحيحه” (2087).
6 ــ الحافظ ابن حِبَّان البُستي ــ رحمه الله ــ.
حيث أخرجه: في “صحيحه” (3632).
7 ــ الفقيه ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ.
حيث قال كما في كتاب مجموع لَه طُبع بعنوان: “رسائل ابن حزم الأندلسي”(3/ 166):
«فقد صحَّ عن النَّبي ــ عليه السلام ــ أنَّ ذلك يَعدِل صيام الدَّهر، وأنَّ صيام يوم عرفة وعاشوراء يكفر عامين وعامًا، وهذا أمر لا يَزهد فيه إلا محروم».اهـ
8 ــ الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ.
حيث قال في كتابه “التمهيد” (21/ 162): «ولكنَّه صحيح عن أبي قتادة مِن وجوه».اهـ
ــــ وقال أيضًا عقب هذا الحديث: «وهذا: إسناد حسن صحيح».اهـ
9 ــ الإمام البغوي الشافعي ــ رحمه الله ــ.
حيث قال في كتابه “شرح السُّنة” (6/ 344 – رقم: 1790): «هذا: حديث صحيح، أخرجه مسلم».اهـ
10 ــ المُحدِّث عبد الحق الإشبيلي المالكي ــ رحمه الله ــ.
حيث ذَكره في كتابه: “الأحكام الشرعية الصغرى” (1/ 401-402).
وقد قال في مُقدِّمة هذا الكتاب (1/ 71):
«وتحرَّيتها صحيحة الإسناد، معروفة عند النُّقاد، قد نقلها الأثبات، وتداولها الثقات، أخرجتها مِن كتب الأئمة، وهُداة الأمَّة».اهـ
11 ــ الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ.
حيث قال في كتابه “المُغني” (4/ 443): «وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ صيامه يُكفِّر سنتين».اهـ
ــــ وقال أيضًا في كتابه “فضل يوم التروية وعرفة” (11): «هذا: حديث صحيح، أخرجه مسلم».اهـ
12 ــ الحافظ المُنذري الشافعي ــ رحمه الله ــ.
حيث قال الفقيه مُرتضَى الزَّبيدي الحنفي ــ رحمه الله ــ في “الأمالي” (ص:12- رقم:7):
«قال المُنذري: هذا الحديث صحيح، انفرد بِه مسلم، فرواه في “صحيحه” مطولًّا».اهـ
13 ــ الإمام ابن تيميَّة ــ رحمه الله ــ.
حيث قال كما في كتاب “مختصر الفتاوى المصرية” (ص:290) وكتاب “المُستدرك على مجموع الفتاوى” (3/ 126):
«صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( صيام يوم عرفة يُكفِّر سنتين، وصيام يوم عاشوراء يُكفِّر سَنة )) اهـ
14 ــ الإمام ابن قيِّم الجوزية ــ رحمه الله ــ.
حيث قال في كتابه “تهذيب سُنن أبي داود” (2/ 160):
«فقد صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه أفطر بعرفة، وصحَّ عنه أنَّ صيامه يُكفِّر سنتين».اهـ
ــــ وقال أيضًا في كتابه “زاد المعاد” (2/ 73):
«وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّ صيامه يُكفِّر السَّنة الماضية والباقية، ذَكره مسلم».اهـ
15 ــ الحافظ ابن كثير الشافعي ــ رحمه الله ــ.
حيث قال في كتابه “تفسير القرآن العظيم” (5/ 415):
«وهذا العَشر مُشتمِل على يوم عرفة الذي ثبَت في “صحيح مسلم” عن أبي قتادة، قال: (( سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟، فَقَالَ: أَحْتَسِبْ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْآتِيَةَ ))».اهـ
وبنحوه أيضًا قال: في كتابه “البداية والنهاية” (4/ 15).
16 ــ الحافظ ابن المُلقِّن الشافعي ــ رحمه الله ــ.
حيث قال في كتابه “البدر المنير” (5/ 746): «هذا الحديث صحيح، رواه مسلم مُنفردًا بِه مِن حديث أبي قتادة ــ رضي الله عنه ــ».اهـ
17 ــ المُحدِّث بدر الدِّين العَيني الحنفي ــ رحمه الله ــ.
حيث قال كتابه “نُخَب الأفكار” (8/ 385): «وأخرَج حديث أبي قتادة مِن طريقين صحيحين».اهـ
18 ــ الفقيه ابن ناصر الدِّين الدمشقي الشافعي ــ رحمه الله ــ.
حيث قال في كتابه “فضل عشر ذي الحِجَّة ويوم عرفة وإذا وافق يوم جمعة” (ص:33):
«صحَّ مِن حديث أبي قتادة ــ رصي الله عنه ــ».اهـ
19 ــ الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ.
حيث قال في كتابه “معرفة الخصال المُكفِّرة للذُّنوب المُقدَّمة والمُؤخَّرة” (ص:52 رقم:28):
«وقد ثبت في “صحيح مسلم” مِن حديث أبي قتادة: (( أنَّ صيام يوم عرفة يُكفِّر ذنوب سنتين سَنة ماضية وسَنة آتيه ))».اهـ
ــــ وقال أيضًا في كتابه “فتح الباري” (4/ 279 – عند حديث رقم:1988): «وأصحُّها: حديث أبي قتادة: (( أنَّه يُكفِّر سَنة آتية وسَنة ماضية )) أخرجه مسلم، وغيره».اهـ
20 ــ المُحدِّث جلال الدِّين السيوطي الشافعي ــ رحمه الله ــ.
حيث رمز لِصحَّته في كتابه “الجامع الصغير” (5055 أو 5101 و 5118 أو 5038)، فقال: «صحَّ».اهـ
21 ــ المُحدِّث عبد الرؤوف المُنَاوي الشافعي ــ رحمه الله ــ.
حيث قال في كتابه “فيض القدير” (4/ 230- رقم: 5118):
«حديث: ثابت في مسلم».اهـ
ــــ وقال أيضًا في كتابه “التيسير” (2/ 102):
«( ت، ه، حب، عن أبي قتادة ) الأنصاري بإسناد صحيح».اهـ
22 ــ الفقيه ابن حَجَر الهَيتمي الشافعي ــ رحمه الله ــ.
حيث صحَّحه في كتابه: “المِنهاج القويم” (ص:262).
23 ــ المُحدِّث محمد بن الطَّيب المغربي المَدني ــ رحمه الله ــ.
حيث قال أبو الفيض الفاداني المكِّي ــ رحمه الله ــ في كتابه “العُجالة في الأحاديث المسلسلة” (ص:33):
«قال ابن الطَّيب: هو حديث صحيح، انفرد بِه مسلم».اهـ
24 ــ المُحدِّث مُرتضَى الزَّبيدي الحنفي ــ رحمه الله ــ.
حيث قال في كتابه “الأمالي” (ص:15): «هذا: حديث صحيح، تفرَّد بِه مسلم، فأخبرَه في “صحيحه”».اهـ
25 ــ العلامة محمد بن علي الشوكاني ــ رحمه الله ــ.
حيث قال في كتابه “الدَّراري المُضِية” (ص:198):
«وقد ثبَت في “صحيح مسلم”، وغيره، مِن حديث أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( صوم يوم عرفة يُكفِّر سنتين ماضية ومستقبلة، وصوم يوم عاشوراء يُكفِّر سَنة ماضية ))».اهـ
وصحَّحه أيضًا: في كتابه “السَّيل الجرَّار” (2/ 147).
26 ــ العلامة محمد ناصر الدِّين الألباني ــ رحمه الله ــ.
حيث قال في كتابه “إرواء الغليل” (952): «وهو: حديث صحيح، رجاله كلهم ثقات، لا مَغمز فيهم، لاسيَّما وله طريق أُخْرى عن أبى قتادة».اهـ
ــــ وقال أيضًا في كتابه “صحيح أبي داود” (2096ــ الأصل):
«إسناده: صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه هو وابن خُزيمة، وحسَّنه الترمذي».اهـ
27 ــ العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ــ رحمه الله ــ.
حيث قال كما في كتاب “فتاوى نُور على الدَّرب” (16/ 454 – شريط رقم:294 ــ سؤال رقم:9):
«ثبَت عن رسول الله ــ عليه الصلاة والسلام ــ: (( إنَّ الله يُكفِّر بصوم يوم عرفة السَّنة التي قبلها والسَّنة التي بعدها ))».اهـ
28 ــ العلامة محمد بن صالح العثيمين ــ رحمه الله ــ.
حيث قال كما في “مجموع فتاوى ورسائل فضيلته” (24/ 243):
«وأخصُّ هذه الأيام باستحباب الصوم فيها: يوم عرفة، فقد ثبَت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّ صيامه يُكفِّر السَّنة الماضية والباقية».اهـ
29 ــ العلامة زيد بن هادي المدخلي ــ رحمه الله ــ.
حيث قال في كتابه “الأفنان الندية” (3/ 204):
«وثبَت الترغيب في صيام يوم عرفة خاصة، وهو اليوم التاسع مِن ذي الحِجَّة، ولكن لغير الحاجِّ، فعن أبي قتادة ـ رضي الله عنه – قال: … ».اهـ
30 ــ العلامة محمد على آدم الإتيوبي ــ رحمه الله ــ.
حيث قال في كتابه “البحر المُحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحَجَّاج” (21/ 504 رقم: 2746-1162):
«والحاصل: أنَّه مُتَّصِل صحيح على شرط المُصنِّف، فليُتنبَّه».اهـ
ومن باب الزيادة والتقوية دُونكم بعض الأمور:
الأمر الأوَّل: صحَّح هذا الحديث الجمْع الكبير والكثير مِن العلماء ــ رحمهم الله ــ في مُختلف العصور والبلدان، ومِن مُختلف المذاهب.
ــــ كالذين اكتفوا عند ذِكره والاستدلال بِه بنسبته إلى “صحيح مسلم”، واستغنَوا بهذه النِّسبة عن القول بأنَّه صحيح أو ثابت.
ــــ والذين رَأوا صِحِّة جميع الأحاديث الواردة في “صحيح مسلم”، ونقلوا تَلقِّي الأُمَّة لَهَا بالقبول والاحتجاج.
بل قد قال الإمام مسلم ــ رحمه الله ــ في مُقدِّمة “صحيحه” (1/ 304 ــ عند حديث رقم:404):
«ليس كل شيء عندي صحيح وضعتُه ها هُنا، إنَّما وضَعْت ها هُنا ما أجمعوا عليه».اهـ
وحَكَى غير واحد مِن العلماء ــ رحمهم الله ــ: الإجماع على ثبوت ما جاء في “صحيح مسلم” مِن أحاديث.
الأمر الثاني: قال الإمام النسائي ــ رحمه الله ــ في كتابه “السُّنن الكبرى” (2826) عقب هذا الحديث:
«هذا: أجود حديث عندي في هذا الباب».اهـ
الأمر الثالث: احتَجَّ الإمامان أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ــ رحمهما الله ــ بحديث أبي قتادة ــ رضي الله عنه ــ هذا على مشروعية صيام يوم عرفة.
حيث قال الحافظ إسحاق بن منصور الكوسج ــ رحمه الله ــ في “مسائله عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه” (710):
«قلت ــ يعني: لأحمد بن حنبل ــ: صيام يوم عرَفة ويوم عاشوراء ورجَب؟
قال: أمَّا عاشوراء وعرَفة أعجَب إليَّ أنْ أصومهما لفضيلتهما في حديث أبي قتادة، وأمَّا رجب فأحَب إليَّ أنٍ أفطر مِنه.
قال إسحاق: كما قال سواء».اهـ
الأمر الرابع: أخرج الحافظ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري ــ رحمه الله ــ بعض ما ورَد في هذا الحديث، لأنَّه الشاهد لَمَا عَقد مِن كتاب، مِن طريق قتادة، عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن مَعبد الزماني، عن أبي قتادة ــ رضي الله عنه ــ.
وقال عقبه: «صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
إنَّما احتجَّ مسلم بحديث شُعبة، عن قتادة بهذا الإسناد: (( صوم يوم عرفة يُكفِّر السَّنة وما قبلها ))».اهـ
وقال الحافظ الذهبي الشافعي ــ رحمه الله ــ عقبه في كتابه “التلخيص”: «على شرط البخاري ومسلم».اهـ
الأمر الخامس: أُفْرِدَت كُتب في الكلام على بعض الأحاديث الواردة في “الصَّحيحين” أو في أحدهما.
ومِن هذه الكتب:
الأوَّل: “التَتبع”، لِلإمام الدارقطني ــ رحمه الله ــ.
الثاني: “عِلل الأحاديث في كتاب الصَّحيح لِمُسلم بن الحَجَّاج”، لِلحافظ أبي الفضل بن عمَّار الشهيد ــ رحمه الله ــ.
الثالث: “الأجوبة لِلشيخ أبي مسعود عمَّا أشكَل الشيخ الدارقطني على صحيح مُسلم بن الحَجَّاج”، لِلحافظ أبي مسعود الدمشقي ــ رحمه الله ــ.
الرابع: “بين الإمامين مسلم والدارقطني”، لِلعلامة ربيع بن هادي المَدخلي ــ سلَّمه الله ــ
ولم يُذكر في هذه الكتب حديث أبي قتادة ــ رضي الله عنه ــ في الترغيب في صيام يوم عرفة، وهذا يَدُل على صحَّته، وأنَّه لا عِلَة فيه.
الوقفة الثالثة: عن المُراد بيوم عرَفَة.
قال الفقيه أبو عبد الله ابن مُفلِح الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الفُروع” (3/ 108-109):
«ويُستحب صوم عشر ذي الحِجَّة، وآكده التاسع، وهو يوم عرفة إجماعًا.
قيل: سُمِّي بذلك لِلوقوف بعرَفة فيه.
وقيل: لأنَّ جبريل حَجَّ بإبراهيم ــ عليه السلام ــ فلمَّا أتَى عرَفة قال: (( قد عرَفْتَ؟ قال: قد عرَفْتُ )).
وقيل: لتعارُف آدم وحواء بها».اهـ
وأخرج أبو داود الطيالسي (2820)، وأحمد (2707)، والطبراني في كتابه “المُعجم الكبير” (10628)، مِن طُرق، عن حمَّاد بن سلَمة، عن أبي عاصم الغَنَوي، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه قال في شأن تعريف جبريل ــ عليه السلام ــ لإبراهيم الخليل ــ عليه السلام ــ مناسك الحَج ومشاعره:
(( ثُمَّ أَتَى بِهِ عَرَفَةَ فَقَالَ: هَذِهِ عَرَفَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَدْرِي لِمَ سِمِّيَتْ عَرَفَةَ؟، قَالَ: لَا، قَالَ: لِأَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لَهُ: أَعَرَفْتَ؟ )).
وفي إسناده: أبو عاصم الغَنَوي ــ رحمه الله ــ.
وقد قال عنه الإمام أبو حاتم الرَّازي ــ رحمه الله ــ: «لا أعلم رَوى عنه غير حمَّاد بن سلَمة، ولا أعرِفه، ولا أعرِف اسمه».اهـ
وقال الإمام يحيى بن مَعين ــ رحمه الله ــ: «ثقة».اهـ
وقال المُحدِّث أبو العباس البوصيري ــ رحمه الله ــ في كتابه “إتحاف الخيرة المهرة” (2603):
«رواه أبو داود الطيالسي: بسند رجاله ثقات».اهـ
وقال المُحدِّث أبو بكر الهيثمي ــ رحمه الله ــ في كتابه “مجمْع الزوائد” (5583):
«رواه أحمد والطبراني في “الكبير”، ورجاله ثقات».اهـ
وقد تُوبع أبو عاصم الغَنَوي عليه.
حيث أخرج المَحاملي في “أماليه” (32)، مَن طريق عامر بن طِهْفَةَ، عن أبي الطُّفيل، عن ابن عباس، نحوه.
وعامر هذا، وثقه: العِجلي، وابن حِبَّان.
ونُقل نحو هذا القول عن: علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ مِن طريقين.
وثبت نحوه: عن أبي مِجْلز، وعطاء بن أبي رباح، ونُعيم مِن التابعين.
ويُنظر لِهذه الآثار هذه الكتب:
1 ــ “المُصنَّف” (9099)، لِعبد الرزاق ــ رحمه الله ــ.
2 ــ و “المُصنَّف” (14130 و 14701 و 14131)، لابن أبي شيبة ــ رحمه الله ــ.
3 ــ و”أخبار مكة” (2724 و 2726 و 2725 و 11)، لِلفاكهي ــ رحمه الله ــ.
4 ــ و “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (3/ 440 – قبل رقم: 1582) لابن رجب الحنبلي ــ رحمه الله ــ.
الوقفة الرابعة: عن الفقه الذي استنبطه العلماء مِن هذا الحديث.
أخذ أهل العلم والفقه ــ رحمهم الله ــ مِن هذا الحديث:
استحباب صيام يوم عرَفة لغير الحُجَّاج.
ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض النُّقول عنهم:
الأوَّل ــ قال الحافظ ابن أبي شيبة ــ رحمه الله ــ في “مصنَّفه” (9720):
حدثنا يزيد بن هارون، قال: أنا ابن عَون، عن إبراهيم قال: (( كَانُوا لَا يَرَوْنَ بِصَوْمِ عَرَفَةَ بَأْسًا إِلَّا أَنْ يَتَخَوَّفُوا أَنْ يَكُونَ يَوْمَ الذَّبْحِ )).
وإسناده: صحيح.
وإبراهيم ــ رحمه الله ــ هو: ابن يزيد النَّخعي أحد أئمة التابعين وتلاميذ بعض الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ.
ويوم الذَّبح هو: يوم عيد الأضحى.
الثاني ــ قال الإمام الترمذي ــ رحمه الله ــ في “سُننه” (754):
«حديث أبى قتادة حديث حسن، وقد اسْتَحَبَّ أهل العلم: صيام يوم عرفة إلا بعرفة».اهـ
وهذا الكلام يُشعِر بأنَّه لا خلاف بين أهل العلم في هذا الاستحباب.
الثالث ــ قال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التمهيد” (21/ 164):
«أجمَع العلماء على: أنَّ يوم عرَفة جائز صيامه للمُتمتِّع إذا لم يَجد هديًا، وأنَّه: جائز صيامه بغير مكة.
ومَن كَره صومه بعرَفة: فإنَّما كَرِهه مِن أجْل الضَّعف عن الدعاء والعمل في ذلك الموقف والنَّصَب لله فيه».اهـ
وهذا نَقلٌ: للإجماع.
الرابع ــ قال الفقيه ابن هُبيرة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإفصاح” (1/ 424 ــ قسم “اختلاف العلماء”):
«واتفقوا على: أنَّ صوم يوم عرفة مُستحب لِمَن لم يكن بعرفة».اهـ
ويَعني بقوله “اتفقوا”: اتفاق الأئمة الأربعة.
وقد أُخْرِجَ الحاجُ عن هذا الاستحباب بأدلة عِدَّة.
ومِن هذه الأدلة:
الأوَّل: ما أخرجه البخاري (1989)، واللفظ له، ومسلم (1124)، عن ميمونة ــ رضي الله عنها ــ: (( أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِحِلاَبٍ وَهُوَ وَاقِفٌ فِي المَوْقِفِ فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ )).
الثاني: ما أخرجه أحمد (5080 و 5117 و 5420) واللفظ له، والترمذي (751)، والنسائي في “السُّنن الكبرى” (2840)، وغيرهم، عن ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه قال: (( حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَحَجَجْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَحَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَحَجَجْتُ مَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ.
وَأَنَا لَا أَصُومُهُ وَلَا آمُرُ بِهِ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ )).
وصحَّحه: ابن حِبَّان، والألباني.
وحسَّنه: الترمذي، والبغوي.
وقال الإمام الترمذي ــ رحمه الله ــ في “سُننه” (750)، عقبه:
«والعمل على هذا عند أكثر أهل العلمِ: يَسْتَحِبُّون الإفطار بعرفة لِيَتَقَوَّى بِه الرَّجل على الدُّعاء، وقد صام بعض أهل العلم يوم عرفة بعرفة».اهـ
قلت:
ومِمَّن ثبَت عنه صيام يوم عرفة بعرفة مِن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ:
عائشة بنت أبي بكر الصِّديق، وعثمان بن أبي العاص.
وتقدَّم قول ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ: (( وَأَنَا لَا أَصُومُهُ، وَلَا آمُرُ بِهِ، وَلَا أَنْهَى عَنْهُ )).
واستُحِبَّ ترْك صيامه لِلحاج عند أكثر العلماء:
حتى لا يَضْعُف الحاج عن عبادة الله وذِكره واستغفاره وتكبيره وتهليله ودعائه بعرَفة.
وكثيرٌ مِن الناس اليوم يَبقون في مَقرِّ سكنهم بمكة، فلا يَدفعون لِعرَفة إلا بعد صلاة العصر.
وهؤلاء: قد يُقال باستحسان الصوم في حقِّهم، لِقلَّة وقت وقوفهم بعرَفة، وقُرْبِ غروب الشمس، وقِلَّة المَشقة عليهم.
ولعلَّه: لأجل قلَّة المَشقة أو عدمها صام يوم عرفة في الحج بعض الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ والتابعين، ومَن بعدهم.
وكتبه:
عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.