الأحكام الفقهية الخاصة بشروط الصلاة
الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الذي جعلَ الصلاةَ نُورًا ونَجاةُ، وجعلَ العلمَ الشَّرعِيَّ بابَ صلاحِهَا وقبولِهَا، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ الغفَّارُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ وأخشانَا لَهُ وأتقاهُ، فصَلَّى الله وسلَّمَ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن والاهُ.
أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:
فإنَّ أمْرَ الصلواتِ الخمسِ عندَ اللهِ عظيمٌ، إذْ هِيَ أحَدُ أركانِ دِينِهِ القويمِ، ولا حظَّ في الإسلامِ لِمَن ترَكَهَا، ولا عِبادَةَ تُقبَلُ إلا بإخلاصِ للهِ فيها، ومُوافقَةٍ لِلشريعَةِ في أحكامِهَا، ولا تحصُلُ الموافقة إلا بالتَّفقُّهِ في الدِّينِ، ودُونَكُم بعضَ الأحكامِ المُتعلِّقَةِ بشُروطِ الصلاةِ، لِتستَعِينوا بها على تصحيحِ صلاتِكُم، وتكثيرِ أجْرِهَا، إذْ لا تَصِحُّ صلاةُ أحَدٍ إلا بتحقيقِ شُروطِ الصلاةِ فيها، وأقامَتِهَا وِفْقَ الأدِلَّةِ الشرعيَّةِ، فأقولُ مُستعِينًا باللهِ:
إنَّ مِنَ الشُّروطِ التي لا تَصِحُّ الصلاةُ إلا بِهَا: شَرْطَ استِقبَالِ القِبْلَةِ.
ومِن أحكامِ القِبْلَةِ: أنَّ مَن صَلَّى إلى غيرِ جِهَةِ القِبْلَةِ بعدَ أنْ تَحرَّى وبَذَلَ وُسْعَهُ في مَعرِفَتِهَا فصلاتُهُ صحِيحَةٌ، لأنَّهُ قامَ بما يَجبُ عليهِ، وقدْ صحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ )).
ومِن أحكامِ القِبْلَةِ: أنَّ البَعيدَ عنِ الكعبَةِ إذا صَلَّى ثُمَّ بانَ أنَّهُ كانَ مُنحَرِفًا عن القِبْلَةِ يَسيرًا معَ بقائِهِ بنفسِ جِهَتِهَا فصلاتُهُ صحِيحَةُ، لِمَا ثبتَ أنَّ عمرَ رضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: (( مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ إِذَا تُوُجِّهَ قِبَلَ الْبَيْتِ )).
ومِن أحكامِ القِبْلَةِ: أنَّه يجوزُ لْلمُسافِرِ إذا كانَ في طريقِ سفرِهِ أنْ يُصلِّيَ النافِلَةَ كالوِترِ وقِيامِ الليلِ والضُّحَى وهوَ في مَرْكَبَتِهِ إلى غيرِ جِهَةِ القِبْلَةِ، لِمَا صحَّ أنَّ ابنَ رَبيعَةَ رضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: (( رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الرَّاحِلَةِ يُسَبِّحُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَلَمْ يَكُنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي الصَّلاَةِ المَكْتُوبَةِ ))، ومعنى: (( يُسبِّح )) أي: يُصلِّي النافِلَةَ.
ومِنَ الشُّروطِ التي لا تَصِحُّ الصلاةُ إلا بِهَا: شَرْطُ إزالَةِ النَّجَاسَةِ عن بدَنِ المُصلِّي وثيابِ وبُقْعَةِ صلاتِهِ.
ومِن أحكامِ إزالَةِ النَّجَاسَةِ: أنَّ مَن صَلَّى وعلى بدَنِهِ أوْ ثوبِهِ نجاسَةً لا يَعلمُ بهَا أوْ نَسِيَهَا ولمْ يَذكُرْهَا إلا بعدَ الانتهاءِ مِنهَا فصلاتُهُ صحِيحَةٌ، وقدْ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أتَمَّ صلاتَه بعدَ أنْ خلَعَ نَعلَيهِ وهوَ فيها حِينَ أخبرَهُ جِبريلُ ــ عليهِ السلامُ ــ أنَّ فيهما قذَرًا.
ومِن أحكامِ إزالَةِ النَّجَاسّةِ: أنَّ دَمَ الإنسانِ والحيوانِ مِنَ النِّجاسَاتِ باتِّفاقِ العلماءِ، فمَنْ صَلَّى وعلى ثوبِهِ أوْ بدَنِهِ دَمٌ يَعلَمُ بِهِ ويَذْكُرُهُ، فلَهُ حالانِ:
الحال الأوَّل: أنْ يكونَ الدَّمُ كثيرًا، فصلاتُهُ باطِلَةٌ، ويَجبُ عليهِ إعادَتُهَا بعدَ إزالَةِ الدِّمِ، وهذا باتفاقِ العلماءِ.
الحال الثاني: أنْ يكونَ الدَّمُ يسيرًا كالنُّقَطِ ورَأسِ الإصْبَعِ والظُّفْرِ وأشبَاهِ ذلِكَ، فصلاتُهُ صحيحَةُ، ولا يَلزَمُهُ إعادَتُهَا عندَ عامَةِ العلماءِ، وصَحَّتِ الفتوَى بذلِكَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ حيثُ قالَ: (( إِذَا كَانَ الدَّمُ فَاحِشًا فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ )).
ومِنَ الشُّروطِ التي لا تَصِحُّ الصلاةُ إلا بِهَا: شَرْطُ النِّيَّةِ.
ومِن أحكامِ النِّيَّةِ: أنَّ مَحَلَّهَا القلبُ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ))، والنِّيَّةُ في لُغَةِ العرَبِ هيَ: قصْدُ القلبِ وإرادتُهُ، فلا يجوزُ لِلمصَلِّي أنْ يَتلفَّظَ بها جَهْرًا باتفاقِ العلماءِ، ولا سِرًّا عندَ أكثرِ الفقهاءِ، لِهذا الحديثِ، وما يقولُهُ البعضُ حِينَ الصلاةِ: «نَوَيتُ أنْ أصَلِّيَ صلاةَ الفجرِ ركعَتينِ أداءً أوْ قضاءً للهِ تعالى» مُخالِفٌ لِهذا الحديثِ، ولمْ يفعلُهُ رسولُ اللهِ ولا الصحابَةُ والتابِعُونِ.
ومِنَ الشُّروطِ التي لا تَصِحُّ الصلاةُ إلا بِهَا: شَرْطُ دُخولِ الوقتِ.
ومِن أحكامِ شَرْطِ دُخولِ الوقتِ: أنَّهُ يَحرُمُ تأخِيرِ الصلاةِ عمْدًا حتَّى يَخرجَ وقتُهَا، وهوَ مِن كبائِرِ الذُّنوبِ، لِقولِ اللهِ تعالى: { إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا }، ولقولِهِ سُبحانَهُ مُتوَعِّدًا: { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ }، وثبتَ عن بعضِ الصحابَةِ أنَّ السَّاهِينَ في هذهِ الآيَةِ هُمُ: (( الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا )).
ومِن أمثلَةِ تأخيرِهَا عن وقتِهَا: أن يَنامَ البالِغُ ذَكَرًا أو أُنْثَى عن صلاةِ الفجرِ إلى ما بعدَ طُلوعِ الشمسِ دُون نِيَةٍ لِلقيام لَهَا في وقتِهَا، ولا اتِّخاذِ أسبابٍ تُعِينُ على الاستيقاظِ مِن ساعَةٍ أوْ أهلٍ، ناهِيكَ عنِ النَّومِ عن عِدَّةِ صلواتِ حتَّى يَخرجُ وقتُهَا.
ومِن أحكامِ شَرْط ِدُخولِ الوقتِ: أنَّهُ يَحرُمُ الجمْعُ بين الصلاتَينِ مِن غيرِ عُذْرٍ كسَفرٍ وغيرِهِ، لأنَّهُ فِعلٌ لِلصلاةِ الثانيَةِ في غيرِ وقتِهَا، وثبتَ أنَّ عمرَ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنَ الْكَبَائِرِ )).
ومِن أحكامِ شَرْطِ دُخولِ الوقتِ: أنَّ الحائِضَ أوِ النُّفَسَاءَ إذا طَهُرَتْ في وقتِ العصرِ فإنَّهَا تُصلِّي الظهرَ والعصرَ، وإذا طَهُرَتْ في وقتِ العِشاءِ فتُصلِّي المغرِبَ والعِشاءَ، لاتِّحادِ الوقتِ في حقِّ أصحابِ الضَّرورَاتِ والأعذارِ، وهذا قولُ أكثرِ العلماءِ، ونُقِلَ عن بعضِ الصحابَةِ ــ رضِيَ اللهُ عنهُم ــ.
ومِن أحكامِ شَرْطِ دُخولِ الوقتِ: أنَّهُ لا يجوزُ لِلمُستَقِرِّ في مكانٍ لا يَترُكُهُ كبَيتٍ ومُخيَّمٍ في البَرِّ ومَقرِّ عمَلٍ وسِجنٍ وغيرِهَا أنْ يَجمَعَ بينَ الصلاتَينِ في المطرِ، لأنَّ سببَ إباحَةِ الجمْعِ هوَ دَفْعُ المَشَقَّةِ الحاصِلَةِ مِنَ المطرِ على بدَنَ وثِيابِ المُصلِّين أثناءَ الخروج لِلمسجدِ لِشُهودِ صلاةِ الجماعَةِ، والمُستقِرُّ في مكانٍ لا يَخرجُ مِنهُ لا يُعتبَرُ مِن أهلِ الرُّخصَةِ لأنَّهُ لا مَشَقَّةَ تَلْحَقُهُ.
ومِن أحكامِ شَرْطِ دُخولِ الوقتِ: أنَّ المُتهاوِنَ في صلاةِ الفريضَةِ بأنْ يُصلِّيَ بعْضَهَا ويَترْكَ بعْضَهَا يَجبُ عليهِ قضاءُ جميعَ ما ترَكَ حتَّى ولو مضَتْ عليهِ مُدَّةٌ طويلَةٌ، وهذا قولُ الأئِمَّةِ الأربعَةِ وعامَّةِ العلماءِ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا ))، والعامِدُ أولَى بالقضاءِ مِن النائِمِ والنَّاسِي، وقياسًا على وجوبٍ قضاءِ ما تُرِكَ عمْدًا مِن رمضانَ والصلاةُ أعظَمُ رُكْنِيَّةً مِن رمضانَ.
ومِن أحكامِ شَرْطِ دُخولِ الوقتِ: أنَّ المُغمَى عليهِ إذا أفاقَ لا يَلزَمُهُ قضاءُ ما فاتَهُ مِن صلاةٍ وقتَ إغمائِهِ قَلَّتِ المُدَّةُ أو طالَتْ، وهذا قولُ أكثرِ العلماءِ، لِذهابِ عقلِهِ بغيرِ إرادَةٍ مِنهُ، والعقلُ مَناطُ التكليفِ، وإذا أفاقَ مِن إغمائِهِ وقتَ صلاةِ العصرِ وجَبَ أنْ يُصلِّيَ معَهَا الظهرَ، وإنْ أفاقَ وقتَ صلاةِ العِشاءِ وجَبَ أنْ يُصلِّيَ معَهَا المغرِبَ، لاتِّحادِ الوقتِ في حقِّ أصحابِ الضَّرورَاتِ والأعذارِ، وأمَّا المُخَدَّرُ بالبنْجِ فيَجبُ عليهِ أنْ يَقضِيَ ما فاتَهُ مِن صلاةٍ، لأنَّ زَوالَ عقلِهِ بالبنْجِ كانَ بإرادَتِهِ أوْ مُوافَقَتِهِ قولًا أو حُكْمًا.
ومِن أحكامِ شَرْطِ دُخولِ الوقتِ: أنَّ المريضَ إذا كانَ بالمُستشفى وأُجْرِيَتْ لَهُ عملِيَّةٌ أوْ فيهِ كُسورٍ ورُضوضٍ أوْ كانَ مَربُوطًا بِلُفَافاتٍ فلا يجوزُ لَهُ أنْ يُؤخِّرَ الصَّلوَاتِ المفروضَةِ إلى أنْ يُشفَى ويَخرجَ مِن المُستشفى، بلْ يجبُ أنْ يُصلِّيَ في الوقتِ على حَسَبِ استطاعَتِهِ مِن طهارَةٍ وتوَجُّهٍ لِلقِبْلَةِ وإزالَةِ نجَاسَةٍ وستْرِ عَورَةِ، لِعُمومِ قولِ اللهِ: { إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا }، وقولِهِ تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }، ولِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ )).
ومِنَ الشُّروطِ التي لا تَصِحُّ الصلاةُ إلا بِهَا: شَرْطُ الطهارَةِ.
ومِن أحكامِ شَرْطِ الطهارَةِ: أنَّ الإمام إذا صَلَّى بالنَّاسِ مِن غيرِ وضُوءٍ فلَهُ حالانِ:
الحال الأوَّل: أنْ يَذكُرَ بعدَ انتهائِهِ مِن الصلاةِ بالنَّاس أنَّهُ كانَ على غيرِ وضُوءٍ، وهذا يَجبُ عليهِ أنْ يُعيد صلاةَ نفسِهِ فقط، وأمَّا مَن صَلَّى خلفَهُ فصلاتُهُم صحِيحَةٌ، لِمَا ثبتَ: (( أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُبٌ فَأَعَادَ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يُعِيدُوا ))، وصحَّ أنَّ ابنَ عمرَ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ: (( صَلَّى بِهِمْ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَأَعَادَ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ )).
الحال الثاني: أنْ يَذكُرَ الإمامُ أثناءَ صلاتِهِ بأنَّهُ على غيرِ وضُوءٍ أوِ انتقَضَ وضوؤهُ فيها، وهذا يَجبُ عليهِ الخروجُ مِن صلاتِهِ باتفاقِ العلماءِ، ويُستحَبُّ أنْ يَستَخلِفَ أحَدًا مِمَّن خلْفَهُ ليُتِمَّ بالنَّاسِ الباقِي مِنَ الصلاةِ، لِمَا صحَّ أنَّ عمرَ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ لَمَّا طُعِنَ في صلاتِهِ: (( تَنَاوَلَ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ فَصَلَّى بِهِمْ صَلاَةً خَفِيفَةً ))، وإنْ لمْ يَستَخلِفْ أحَدًا مكانَهُ أكمَلَ كُلُّ مُصَلٍّ لِوَحْدِهِ ما بَقِيَ، وإنْ أعادُوا الصلاةَ مِن أوَّلِهَا بإمامٍ جديدٍ فلا بأسَ.
ومِن أحكامِ شَرْطِ الطهارَةِ: أنَّ المُصلِّيَ إذا شَكَّ أثناءَ صلاتِهِ بخُروجِ شيءٍ مِن فرْجِهِ كَرِيحٍٍ وبَولٍ وغيرِهِ فلا يَقطَعُ صلاتَهُ ويُتِمُّهَا، ولا يَخرجْ مِنهَا إلا إذا سمِعَ صوتًا أوْ شَمَّ رائِحَةً أوْ تَيقَّنَ خُروجَ شيءٍ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا )).
{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}{وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الأعلَى، وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ على النبيِّ محمدٍ وآلِهِ وصحبِهِ وأثْنَى.
أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:
فإنَّ مِنَ الشُّروطِ التي لا تَصِحُّ الصلاةُ إلا بِهَا: شَرْطَ سَتْرِ العَورَةَ.
ومِن أحكامِ شَرْطِ سَتْرِ العَورَةِ: أنَّ البعضَ يَلبسُ ثوبًا أو قَميصًا أبيَضَ رَقِيقًا يَشُفُّ عن لَونِ الجِلدِ ويَبَانُ مِن تَحتِهِ، وليسَ عليهِ إلا سِرْوَالٌ قصِيرٌ لا يَستُرُ إلا أعلَى الفَخِذِ وأسفَلُهُ يَبِينُ لَونُهُ بوضُوحٍ مِن تَحتِ الثوبِ، وقدْ لا يَلبسُ فَنِيلَةً تحتَ الثوبِ والقَميصِ فيَبَانُ لَونُ جِلْدِهِ الذي تحتَ سُرَّتهِ بوضُوحٍ، ومَن كانَ كذلِكَ فصلاتُهُ باطِلَةٌ لانكِشافِ عَورَتِهِ، ويَجبُ عليهِ إعادَتُهَا بثِيابٍ سَاتِرَةٍ لا تَشُفُّ.
ومِن أحكامِ شَرْطِ سَتْرِ العَورَةِ: أنَّ البعضَ يَلبسُ سِرْوَالًا أوْ بنْطَلُونًا يكونُ إلى الرُّكْبَةِ أوْ أسفَلِهَا بقليلٍ، فإذا ركَعَ أوْ سَجدَ تَقلَّصَتْ وارتَفَعَتْ إلى ما فوقَ رُكْبَتَيهِ، فانكشَفتِ الرُّكْبَةُ ومعَهَا شيءٌ مِن الفَخِذِ، والبعضُ يَلبسُ بنْطَلُونًا أوْ سِرْوَالًا مَطَّاطًا فإذا ركَعَ أوْ سَجدَ انكَشَفَ شيءٌ مِن عورتِهِ الخَلفِيَّةِ وقدْ تكونُ مِنَ العَورَةِ المُغلَّظَةِ، ومَن كانَ كذلِكَ فصلاتُهُ باطِلَةٌ لانكِشافِ عَورَتِهِ.
ومِن أحكامِ شَرْطِ سَتْرِ العَورَةِ: أنَّه يَحرُمُ أنْ يلبسَ المُصلِّي ثِيابًا فيها صُورُ آدَمِيٍ أوْ حيوَانٍ، ومَن صَلَّى كذلِك َفصلاتُهُ صحِيحَةُ معَ الإثْمِ الشَّدِيدِ، لأنَّ المعصيَةَ تَعظُمُ وتتغلَّظُ إذا كانتِ معَ العَبادَةِ.
ومِن أحكامِ شَرْطِ سَتْرِ العَورَةِ: أنَّ الواجِبَ باتفاقِ العلماءِ على المرأَةِ إذا صَلَّتْ أنْ تَستُرَ جميعَ شَعَرِهَا وبَدَنِهَا غيرَ وجْهِهَا وكَفَّيْهَا إلا أنْ تكونَ بحضْرَةِ رِجَالٍ أجانِبَ عنها، ولِمَا ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لا يَقبَلُ الله صَلاةَ حَائضٍ إلا بِخِمَارٍ ))، والمُرادُ بالحائِضِ: البالِغُ، وصحَّ أنَّ عائِشَةَ ــ رضِيَ اللهُ عنها ــ قالتْ: (( لَابُدَّ لِلْمَرْأَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ تُصَلِّي فِيهِنَّ: دِرْعٌ وَجِلْبَابٌ وَخِمَارٌ ))، وإنْ صَلَّتِ المرأَةُ: فانكشَفَ شيءٌ كثيرٌ مِن شَعَرِهَا أو بدَنِهَا فصلاتُهَا باطِلَةٌ، وعليها إعادَتُهَا في الوقتِ بعد التَّسَتُّر، وهذا قولُ الأئَمَّةِ الأربعَةِ عامَّةِ العلماءِ، وبعضُ النِّساءِ: إذا اعتمَرْنَ أو حَجَجْنَ يَلبَسنَ ثيابًا أوْ قُمُصًا بيضاءَ رَقِيقَةً تَشُفُّ عن بعضِ البَدَنِ، ومعَ شِدَّةِ الزِّحَامِ والحَرِّ يَكثرُ العَرَقُ فتَزْدَادُ شفافِيَةً ويَظهرُ شيءٌ مِنَ البَدَنِ كالعَارِي، ومَن صَلَّتْ وطافَتْ وهيَ كذلِكَ فالصلاةُ والطوافُ باطِلانِ ويُعادانِ مِن جديدٍ، لأنَّ سَتْرَ العَورَةِ مِن شُروطِ صِحَّةِ الصلاةِ والطوافِ، ومِثْلُهُنَّ في الحُكم: الرَّجَلُ الذي يَلبسُ إحرَامًا خفِيفًا شَفَافًا، قُماشُهُ كَقُماشِ الثوبِ والقَميصِ.
هذا، وأسألُ اللهَ: أنْ يَنفَعَنِي وإيَّاكُم بما سَمِعتُم، وأنْ يَزِيدَنَا فِقهًا في دِينِهِ، وأنْ يَجعَلَنَا مِنَ العامِلينَ والدُّعَاةِ إلى كتابِهِ وسُنَّةِ نبيِّهِ، اللهمَّ: اجعَلْنَا مِنَ العُبَّادِ الفقهاءِ لا العُبَّادِ الجُهَّالِ، ومِمَّن يَستمِعُ القولَ فيَتَّبِعُ أحسَنَهُ، ومِمَّن إذا سَمِعَ العلمَ والفِقهَ فرِحَ بِهِ وانشرَحَ لَهُ صَدْرُهُ وسَعِدَ بِِهِ واستفادَ مِنهُ، اللهمَّ: اغفِرْ لَنَا ولأهلِينا والمُؤمِنينَ، إنَّكَ سميعٌ مُجِيبُ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.